استعاد المفكر العربي الدكتور عزمي بشارة، مآثر وصورة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، واصفاً إياه في مقابلة خاصة مع" التلفزيون العربي" في لوسيل، بأنه" شخصية عربية مميزة وقائد تاريخي"، ومؤكداً أنه يدين له بالوفاء منذ سنوات طويلة سابقة على مغادرته فلسطين قسرياً.
وأشار بشارة إلى أنه ليس ممن اعتادوا على مديح الزعماء، غير أن حديثه هنا يدور حول رجل تاريخي تستحق مآثره أن تُستعاد وتُذكر.
ولفت إلى أنه حين اضطر إلى الخروج من فلسطين قسراً وملاحقاً، لم يكن كثير من القادة العرب على استعداد لاستقباله في تلك المرحلة، بينما" فتح الشيخ حمد ذراعيه له تماماً"، إذ كان يعرفه رجلاً ذا شهامة ومحباً للإقدام، ويقدر هذه الصفة حتى في خصومه، فاستقبله في الدوحة ومنحه الإقامة والحرية الكاملة في العمل، لإدراكه أن العمل الثقافي والإعلامي الحر ذو منفعة للدولة نفسها، حتى لو كان له تبعياته.
وأوضح بشارة أن من المزايا النادرة عند القادة العرب في تلك الحقبة، والتي تميّز بها الشيخ حمد، " قناعته بضرورة استقلالية المشاريع الإعلامية والثقافية، وتركها تعمل بحرية وتحمّل الثمن المترتب على ذلك، إدراكاً منه أن هذا في المحصلة يشكّل قوة ناعمة تصبّ في مصلحة قطر ومكانتها الإقليمية".
وأضاف أنه كان يعرف شخصياً كثيراً من القادة العرب في تلك الفترة، ولم يكن لدى معظمهم مثل هذا التوجه أو هذا المستوى من الثقة بجدوى الاستقلالية.
وأشار إلى أن الشيخ حمد جاء إلى الحكم أصلاً من أجل التحديث والقيام بالإصلاحات، وقد أنجزها فعلاً، وكان يمتلك رغبة حقيقية في الإقدام على ما لا يجرؤ غيره عليه، وهو ما انعكس على مجمل مسار البلاد في تلك المرحلة.
وضرب بشارة مثالاً بتجربته الشخصية، مشيراً إلى أن مشاريعه الفكرية والبحثية التي حملها معه إلى الدوحة، من المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، إلى معهد الدوحة للدراسات العليا، ومعجم الدوحة التاريخي للغة العربية، وجدت دعماً كبيراً، في حين أن معظم هذه المشاريع لم يكن ممكناً بدؤها أصلاً في فلسطين في ظل الظروف القائمة.
أوضح بشارة أن من المزايا النادرة عند القادة العرب في تلك الحقبة، والتي تميّز بها الشيخ حمد، " قناعته بضرورة استقلالية المشاريع الإعلامية والثقافية".
ورأى مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أن أساس النهوض الاقتصادي الذي شهدته قطر، والمتمثل في الاستثمار في الغاز، كان في جوهره مغامرة محسوبة، مشيراً إلى أن الأمير الوالد كان" مغامراً من طراز خاص"، لكنه في نفس الوقت يحسب تبعات مغامراته بدقة قبل الإقدام عليها.
وأوضح المفكر العربي أن الغاز في تلك الحقبة لم يكن سلعة ذات قيمة موازية للنفط، بل كان يهمل في أحيان كثيرة ولا ينظر إليه باعتباره ثروة استراتيجية، غير أن الشيخ حمد استثمر فيه ونجح في تحويله إلى ركيزة اقتصادية كبرى للبلاد.
وأضاف أن الأمر نفسه ينطبق على استثماره في المدينة التعليمية، التي كانت هي الأخرى رهاناً على المستقبل في وقت لم يكن الرهان عليها بديهياً.
وأشار بشارة إلى أن هذه الرؤية الاستثمارية لم تكن معزولة عن شخصية الرجل، بل كانت امتداداً لطبيعته المُقدِمة، وقدرته على قراءة ما سيصبح ذا قيمة قبل أن يراه الآخرون، وهو ما جعله يفتح أمام بلاده أبواباً كانت مغلقة على غيرها من دول المنطقة.
عروبي الهوى ونصير للمظلومينوانتقل بشارة إلى الحديث عن الجانب الشخصي في تكوين الأمير الوالد، مؤكداً أنه رجل يعرف قيمة الصداقة ويتمسك بمبادئه رغم تعقيد اللعبة السياسية التي كان يخوضها.
وأشار إلى أنه" عروبي الهوى، وقد كان في شبابه قومياً عربياً"، وهو نفسه كان يقول ذلك ولا يخفيه، كما أنه يحب فلسطين ويحمل قضيتها في وجدانه.
ولفت إلى أن الشيخ حمد راهن، مثل غيره من القادة، على عملية السلام في فلسطين في مرحلة من المراحل، غير أنه حين تطلّب الأمر وقفة، وقف بالفعل ولم يتراجع.
واعتبر بشارة أن من أهم اللحظات التي عاشها معه مباشرة كانت لحظة التحضير لقمة غزة، مشيراً إلى أن الطريقة التي تجنّد بها الأمير الوالد لنصرة غزة خلال حرب 2008-2009 كانت من اللحظات المفصلية في مساره.
وأوضح أن ما صدمه حينها أن تعقد قمة دفاعاً عن غزة ثم تقاطع من دول عدة، وهو ما جعل موضوع غزة يتحول إلى قضية شخصية بالنسبة له، فاتخذ مواقف تتجاوز الحسابات السياسية الخاصة بقطر، وانحاز إلى الوقوف مع المظلوم.
ووصف المفكر العربي الأمير الوالد بأنه صاحب قلب كبير، مشيراً إلى أن الواقع السياسي المركّب الذي واجهته قطر، وما سماه" لعنة الجغرافيا"، تطلّبا منه درجة غير محدودة من القدرة على المناورة السياسية، إذ كان على البلاد أن تؤدي دوراً إقليمياً في ظل معطيات بالغة التعقيد.
وأوضح أن هاجس قطر ومكانتها كانا حاضرين عند الشيخ حمد منذ شبابه، بحسب ما كان يحدّثه به مباشرة، وهو ما دفعه إلى إطلاق عدة مشاريع تصب جميعها في هذا الاتجاه، ورسم مساراً واضحاً لموقع البلاد الإقليمي والدولي.
وأشار إلى أن الأمير الوالد حين سلّم السلطة، سلّمها وهو مرتاح، إذ كان يعتقد أنه جاء إلى الحكم من أجل مهمة معينة، وقد أنجزها بالفعل.
وأضاف أن الشيخ حمد حدّثه قبل عامين من الاستقالة بأن الجيل الجديد جاهز لتسلّم المسؤولية، وأن الانتقال حين حصل كان سلساً وحقيقياً، إذ ابتعد فعلاً عن الحكم بعد التسليم رغم كل الشائعات التي رافقت تلك المرحلة.
واعتبر بشارة أن الأمير الوالد بذلك قدّم نمطاً جديداً للقيادة في الوطن العربي.
وفي حديثه عن أثمان الخيارات التي اتخذها الأمير الوالد، نقل بشارة عنه موقفاً يختصر شخصيته السياسية، إذ لم يكن يتهيّب الدخول في المواجهات، غير أنه في الوقت نفسه كان يجازف بخطى محسوبة ومدروسة.
واعتبر أن هذا النهج تجلّى في ملفي الغاز والإعلام على حد سواء، وأن ثمار هذه المجازفة تظهر اليوم في كون جميع الدول في الوطن العربي باتت تحتاج إلى الإعلام القطري، وهو ما يؤكد أن حرية الإعلام رغم أثمانها على الدولة نفسها، كانت مفيدة في وضع قطر على الخريطة العالمية وتعزيز حضورها.
وأشار بشارة إلى أنه لا يوجد اليوم عدو حقيقي لقطر سوى إسرائيل، وذلك بفعل الجهد الذي بذلته البلاد في تثبيت موقعها ضمن السياق الإقليمي، وتحسين مكانتها في مجالات الرياضة والتعليم والإعلام والغاز.
معتبراً أن اللهجة العدائية الإسرائيلية تجاه الدوحة تعود إلى أن تل أبيب لا تريد لأحد أن يسعى لوقف الحرب، وهي تعرف براعة قطر في الوساطة، سواء في الملف الإيراني أو في غزة.
وصف بشارة الشجاعة عند الأمير الوالد بأنها سمة راسخة في شخصيته، تجلّت في رفضه القاطع للإملاءات، وإصراره على استقلالية قرار البلاد، ورفضه لأي نوع من الوصايةوضرب بشارة مثالاً على هذه العقلية بموقف قطر خلال ذروة التحريض الدولي على إيران في ملف السلاح النووي، إذ كانت الدوحة تطرح دائماً مبدأ" تجريد المنطقة من السلاح النووي"، بما يشمل الجميع وليس إيران وحدها، مؤكدةً أن" حلّ الخلافات مع طهران يجب أن يكون بالطرق السلمية".
واعتبر أن هذه هي العقلية التي كانت حاضرة عند الأمير الوالد، وأن الإجماع القائم اليوم على هذا الرجل يعكس بحدّ ذاته ما فعله خلال حياته وما تركه من أثر.
أما على المستوى الشخصي، فأكد بشارة أنه لمس عند الشيخ حمد تعاطفاً أصيلاً مع المظلومين، وفضولاً بلا حدود للتعرف على الأشخاص الذين يمكن أن يقدّموا شيئاً مفيداً للبلاد.
وأشار إلى أنه كان إذا سمع بكاتب أو مثقف أو صاحب أفكار، بحث عنه وسعى إلى جلبه وهو ما أثمر في المحصلة عن حضور نوعي لهذه البلاد على الصعيدين الفكري والثقافي.
ووصف بشارة الشجاعة عند الأمير الوالد بأنها سمة راسخة في شخصيته، تجلّت في رفضه القاطع للإملاءات، وإصراره على استقلالية قرار البلاد، ورفضه لأي نوع من الوصاية، حتى أنه كان يصل في ذلك إلى الرفض التام لأي دولة تتحدث بلغة الوصاية تجاه قطر مهما كان ثقلها.
غير أن هذا الإصرار على الاستقلالية لم يكن معزولاً عن انتماء أعمق، إذ كان عروبياً في العمق، تهمّه القضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
وأشار مدير المركز العربي إلى أن الشيخ حمد زار غزة وزار جنوب لبنان، وهما زيارتان حملتا بُعداً تضامنياً واضحاً، ونوعاً من المظاهرة السياسية.
واستعاد بشارة أنه بعد الثورة الليبية، كان الأمير الوالد راغباً في زيارة ليبيا ومتحمساً لذلك، وقد تأثر تأثراً عميقاً حين رأى نداءات أهالي بنغازي عبر الشاشات، حتى أنه كان يتصل بأمين عام الأمم المتحدة آنذاك ويوقظه من النوم متابعاً الملف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك