خلال العقود الأخيرة، تحولت مذكرات اللاعبين وكتابات المشجعين إلى نوع أدبي قائم بذاته، تتقاطع فيه السيرة الذاتية مع التاريخ الاجتماعي، وتتجاور فيه الحكاية الفردية مع ذاكرة جماعية أوسع.
من مذكرات نجوم كبار مثل مارادونا وزلاتان إبراهيموفيتش، إلى نصوص المشجعين التي كتبها نيك هورنبي، تتشكل ملامح ما يمكن تسميته أدب كرة القدم.
بين الاعتراف وصناعة الأسطورةنسج لاعب الأرجنتين الأسطوري دييغو مارادونا (1960 – 2020) علاقة شخصية مع الزعيم الكوبي، الذي استقبله في هافانا خلال فترة علاجه، قبل أن تتحول هذه العلاقة إلى صداقة معلنة، عبّر عنها مارادونا في تصريحات متعددة، وبوشم يحمل صورة كاسترو على جسده.
كان كاسترو حاضراً كذلك في مذكرات مارادونا المنشورة عام 2000 تحت عنوان" أنا دييغو" عبر هذا الإهداء الموجه له: " إلى فيدل كاسترو، ومن خلاله إلى الشعب الكوبي".
يرسم الكتاب صورة حقيقية ومركبة لشخص متقلب المزاج، خرج من أحد الأحياء الفقيرة في العاصمة الأرجنتينية ليجد نفسه فجأة في قلب دوائر النفوذ.
في هذا الكتاب قدم مارادونا قراءة صريحة ومباشرة لحياته خارج المستطيل الأخضر، بكل ما فيها من تناقضات وصراعات.
يوثق الكتاب مواجهته لضغوط الشهرة الطاغية، التي جعلت منه في فترة ما الشخصية الأكثر حضوراً في المجال العام، كذلك يرصد صداماته مع السلطة بمختلف أشكالها.
لم يتخل مارادونا في مذكراته عن جرأته المعتادة في التعبير، إذ تناول أكثر القضايا حساسية، من التمييز الذي شهده في إيطاليا ضد أبناء الجنوب خلال تجربته مع نابولي، إلى انتقاداته لفساد الكنيسة الكاثوليكية، مروراً بصراعه مع الإدمان، وعلاقاته المتوترة مع السياسيين الذين سعوا إلى استغلاله.
كتب مارادونا عن التمييز العنصري وعلاقته المتوترة مع السياسيينبعد صدور هذا الكتاب بعقد تقريباً، نشر المهاجم السويدي زلاتان إبراهيموفيتش مذكراته تحت عنوان" أنا زلاتان إبراهيموفيتش".
لا تتشابه مذكرات كل من اللاعب السويدي ومارادونا في العنوان فقط، إذ تتشابهان أيضاً في الجرأة نفسها.
في هذه المذكرات يقدم زلاتان انطباعات شخصية صريحة عن العديد من زملائه والشخصيات التي التقاها خلال مسيرته الكروية، وهو يصف مثلاً مدربه السابق بيب غوارديولا بأنه جبان وعديم النخوة.
وعلى الرغم من هذه الصراحة المفرطة في الاعتراف والكتابة، إلا أن الكتاب قوبل بترحاب لافت، حتى إنه رشح لواحدة من أهم الجوائز الأدبية في السويد (جائزة أوغست) وحقق نجاحاً استثنائياً على مستوى المبيعات.
ربما استمتع الناس بكتاب زلاتان، لأنه اتسم بالصراحة وكشف عن جوانب لم تكن معروفة في شخصية هذا اللاعب.
وُلد زلاتان في حيٍّ فقيرٍ في السويد لأبوين لاجئين هاربين من البوسنة التي مزّقتها الحرب، مع إخوةٍ غير أشقاءٍ مدمنين للمخدرات وأب مُدمن للكحول، فاستخدم مهارته وقدراً كبيراً من دهاء الأحياء الفقيرة للخلاص من هذا الفقر.
في هذا الكتاب كما في كتابه الثاني الصادر عام 2022 تحت عنوان" أدرينالين"، أعاد زلاتان تقديم نفسه إلى الجمهور، شخصاً خرج من هامش اجتماعي صعب، ليصنع أسطورته الخاصة، مستخدماً لغة مباشرة، وأحياناً صادمة، تعكس شخصيته داخل الملعب وخارجه.
لا تقتصر هذه الظاهرة على النجوم المثيرين للجدل، فهناك نماذج أكثر هدوءاً مثل كتاب اللاعب الإيطالي أندريا بيرلو" أنا أفكر إذن أنا ألعب" (2013)، الذي يميل إلى التأمل، ويعتمد على سرد مواقف دقيقة من داخل غرف الملابس أو الملعب.
كذلك تمثل سيرة اللاعب والمدرب الاسكتلندي أليكس فيرغسون الصادر أيضاً في 2013 تحت عنوان" سيرتي الذاتية" امتداداً لهذا النوع، إذ تكشف عن عالم الإدارة الكروية، وصناعة القرارات داخل الأندية الكبرى، خصوصاً أنه قاد نادي مانشستر يونايتد لما يزيد على عقدين.
هذا النوع من الكتابة يعد وثيقة مهمة، لأنه يقدم رواية من الداخل، حتى وإن كانت انتقائية أو منحازة، تتيح للقارئ الاطلاع على تفاصيل لا تظهر في التغطيات الإعلامية التقليدية.
إذا كانت مذكرات اللاعبين تنطلق من داخل الملعب، فإن أدب المشجعين يبدأ من المدرجات، فكرة القدم هنا هي جزء من الحياة اليومية.
ويُعد كتاب" حمى الملعب" (1992) للكاتب البريطاني نيك هورنبي من أهم النصوص في هذا السياق.
يتناول الكتاب تاريخ نادي أرسنال، رابطاً بين مسيرته مشجعاً وتحولات حياته الشخصية، من الطفولة إلى النضج، بحيث تصبح المباريات نقاطاً زمنية تُقاس بها الذاكرة.
يكتب هورنبي عن الهزائم كما يكتب عن الانتصارات، وعن القلق الذي يسبق المباريات، والفراغ الذي يليها، مقدماً كرة القدم حالةً نفسيةً مستمرةً.
هذا النوع من الكتابة فتح الباب أمام جيل كامل من المشجعين لاعتبار تجربتهم مادة تستحق التدوين، سواء في كتب أو مقالات أو حتى مدونات رقمية.
التشجيع تعبيراً عن المدينة، أو الطبقة، أو حتى الموقف السياسيفي السياق نفسه، يقدم الكاتب البريطاني بيت ديفيز في كتابه" لُعبت حتى النهاية" (1990) نموذجاً مختلفاً لأدب المشجعين، إذ يوثق رحلته مع جماهير إنكلترا خلال كأس العالم في إيطاليا، كاشفاً عن ثقافة المدرجات خارج الصورة النمطية المرتبطة بالعنف، ومبرزاً البعد الإنساني والاجتماعي لتجربة التشجيع الجماعي.
وفي السنوات الأخيرة، ظهرت نماذج تعكس تحولات تجربة التشجيع وتبدل علاقة الجمهور باللعبة، من بينها كتاب" برشلونة: صناعة أعظم فريق في العالم" (2012) للصحافي البريطاني غراهام هنتر، الذي يكتب من موقع المشجع العارف بأدق تفاصيل اللعبة وكواليسها، جامعاً بين الشغف الشخصي والتحليل.
كذلك يقدم دانيال غراي في كتابه" وقت إضافي" (2021) تأملاً في تجربة المشجع المعاصر، خصوصاً في ظل التحولات الاقتصادية والإعلامية التي أعادت تشكيل اللعبة، من ارتفاع أسعار التذاكر إلى هيمنة البث التلفزيوني.
ما يميز نصوص المشجعين أنها تعكس أبعاداً اجتماعية وسياسية، حيث ترتبط الأندية بهويات محلية أو طبقية، فالتشجيع حينها قد يكون تعبيراً عن المدينة، أو الطبقة، أو حتى الموقف السياسي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك