ما زال تتبّع سيرة السجون السورية يأخذ القارئ إلى مناطق لم يعرفها، وربما لم يتوقع وجودها في حياته، بالرغم من أن كثيرين كتبوا شهاداتهم عن مرحلة الاعتقال، إضافة إلى صدور أعمال أدبية تقوم على هذه الثيمة.
في كتاب" صيدنايا.
من مدونة سجون الأسد" (دار كنعان، دمشق، 2026)، يروي ستّة عشر شخصاً تجربة الاعتقال التي خاضوها في أوقات مختلفة خلال حكم النظام البائد؛ في نصوص مكتوبة بالتفاصيل واليوميات والذكريات حول الزمن القاتم الذي عاشه السوريون وراء الجدران العالية، في الأقبية والزنازين والمهاجع الجماعية.
يحيل عنوان الكتاب الذي أشرف عليه وقدمه الكاتب والباحث الفلسطيني السوري ماجد كيالي، إلى سجن صيدنايا الذي صار أشهر العلامات على المأساة السورية، إلا أنه لا يتناول هذا السجن وحده، بل يجعل منه مدخلاً لفهم تجربة السجن في سورية كلها.
يضم العمل شهادات لنساء سوريات اعتُقلن في مراحل مختلفة، وتوضح تجاربهن أن الأمكنة التي سُجنّ فيها يتشابه فيها ما تعيشه النساء مع ما كان يعيشه الرجال في المعتقلات الأخرى؛ فما كان يجري مع الجميع في العتمة هو تقليد كرّسه نظام الأسد أسلوباً للحكم والسيطرة، يقوم على عزل البلد وسكانه عما يجري خارجه، بحيث تصبح محاولات التواصل جريمة.
ومن هنا تصبح الحالة السجنية هي النموذج الذي يتوجب على موظفي القمع أن يكرّسوه لدى الأفراد والجماعات، لتنتهي المعادلة بحقيقة أن السجون التي مرّ بها أصحاب التجربة في هذا الكتاب كانت مبنية لتؤثر فيهم، ليكونوا النموذج الذي يجب أن يخاف منه كل السوريين.
يشكّل الكتاب مدخلاً لفهم تجربة السجن في سورية كلهافي تقديم الكتاب، يقول كيالي: " لا يمكن التعرف إلى تاريخ سورية، وقصة علاقة النظام بشعبه، وإلى أحوال السوري الكبير، من دون التعرف إلى تاريخ السجون والمعتقلات السورية، أي السجون الرسمية والسجون غير الرسمية (في أقبية أجهزة المخابرات)، التي تُعدّ بالعشرات، وذلك في حكايات السوريين، وشهاداتهم عن السجن السوري، وخصائصه الفظيعة، بما تجلّى في شهادات أو روايات من عاشوها، أو كتبوا عنها".
ومن هذا المنطلق يلمس القارئ أن الذاكرة عن الأمكنة هي المشهد الكبير الذي تمثله جغرافية صيدنايا؛ فهي هنا ليست مجرد حيز، بل رمز لأثر القمع والإرهاب والديكتاتورية في تاريخ سورية ونفوس أبنائها.
وإذا تتبعنا الشهادات الواردة فيه، سنجد أن الحياة داخل السجن كانت امتداداً للحياة خارجه، فكلتاهما كانتا تخضعان للمنطق نفسه: قمع الإنسان.
يخصص أصحاب الشهادات مساحة للحديث عن علاقاتهم ببعضهم بعضاً، وعن علاقتهم بالسجانين، فتتفكك فكرة السجن إلى حكايات صغيرة وتفاصيل يومية لا يمكن المرور عليها مرور الكرام.
ومن خلال هذه القصص نواجه مشاهد قاسية ومؤلمة، عن حالات قتل تحت التعذيب حدثت في أوقات مبكرة، وعن مديري السجون الذين يفرّغون أمراضهم النفسية في أجساد ضحاياهم من المعتقلين، وعن رئيس فرع أمن يعذب السجناء ثم ينال جائزة عن صناعته حديقة جميلة في فناء الفرع، ويستحوذ على المصادرات من بيوت الموقوفين مهتماً بالكتب على وجه التحديد التي صارت مكتبة ضخمة في بيته.
كما أننا نكتشف أيضاً أشكالاً من السلوكيات الفانتازية التي ابتكرها السجناء لمقاومة واقعهم.
ويُبرز الكتاب، على نحو خاص، كيف أن إرادة الحياة كانت أقوى من محاولات السجانين لكسرها، ويتجلى ذلك في تجربة المسرح التي أُنشئت داخل سجن دوما للنساء، وكذلك في سجن صيدنايا.
وتستحق هذه التجربة أن تُروى مراراً، لأنها تكشف إصرار السجناء على البقاء أحياء، وعلى التمسّك بالفن بوصفه شكلاً من أشكال مقاومة الموت.
من الصعب تجاوز دلالات سقوط صيدنايا، بوصفه الحد التاريخي الفاصل بين منظومة القمع الأسدية، وزمن الحرية السورية الجديدة.
وإذا كان اقتحام الباستيل قد دشّن في الذاكرة الفرنسية عهداً مغايراً، فإن اقتحام صيدنايا كان لحظة الانهيار الفعلي للديكتاتورية، وممهداً مباشراً لسقوط النظام ودخول دمشق.
بهذا المعنى، تتبلور فكرة الكتاب الأساسية: سورية كانت صيدنايا، وصيدنايا كانت سورية.
شارك في الكتاب كل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، ومي بركات، وبلال بيلغيلي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك