الطفل الذي دخل المدرسة قبل بلوغه الثالثة، أظهر نبوغاً مبكراً في تعلّم لغة المستعمِر ومعارفه، وتلقى دروس التمرد ضدّه أيضاً.
هكذا يصف الروائي والكاتب المسرحي النيجيري وول سوينكا بدايات تشكّل الوعي في سيرته" آكية… سنوات الطفولة" (ترجمة: سمير عبد ربه، مؤسسة هنداوي، القاهرة، 2025)، وهو يستمع إلى نقاشات مدرسيه وجيرانه حول عنصرية الأوروبيين وجرائمهم، ويعلق بذاكرته سؤال استنكاري بسيط يختصر كلاماً كثيراً: لماذا يسمح الرجل الأبيض للطلبة في بلاده ارتداء ثياب ذات جيوب، بينما يمنع الأطفال في الدول الأفريقية التي استعمرها أن يمتلكوا جيوباً في ثيابهم؟يُحرم الأفريقي من التفكير في امتلاك أي شيء، فهو مجرد كائن عاجز عن إدارة شؤونه ما يعفي الغربي من مساءلة ماضيه والإقرار بخطاياه ودفع تعويضات عنها، ويمنحه الحق في مواصلة استغلاله حتى اليوم.
هذا ما أكده سوينكا الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1986، بأن" تجارة الرقيق لا تزال قائمة بأشكال حديثة في جميع أنحاء أفريقيا، مستشهداً باختطاف الأطفال والشباب والاتجار بهم في ما وصفه بأسواق الرقيق المعاصرة"، خلال كلمة ألقاها في مؤتمر استضافته العاصمة الغانية أكرا، في 18 الشهر الماضي، حول" الخطوات التالية" بعد قرار الأمم المتحدة باعتبار الاتجار بالأفارقة المستعبَدين أفظع جريمة ارتُكبت ضد الإنسانية"، في مارس/آذار 2026.
وانتقد سوينكا الذي يتم اليوم الاثنين عامه الثاني والتسعين، الدول التي عارضت القرار وهي الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل والأرجنتين، وتلك التي امتنعت عن التصويت وفي مقدمتها دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا.
فهذه الدول لا تنكر حقوق الضحية فحسب، إنما تغض الطرف عن استمرار" اختطاف أطفال المدارس والشباب في أفريقيا بغرض الاتجار بهم، ولا يزال بعضهم محتجزين في غابات مهجورة، لإرسالهم إلى أسواق الرقيق".
يقول الكاتب النيجيري إن تجارة الرقيق لا تزال قائمة بأشكال حديثة في جميع أنحاء أفريقياتوثق أحدث الأرقام وجود حوالي سبعة ملايين أفريقي يعيشون في" العبودية الحديثة" من أصل خمسين مليون مستعبَد في مختلف أنحاء العالم، وفق تقديرات منظمة" Walk Free"، لأسباب تتعلق بالفقر والنزاعات الأهلية، بالإضافة إلى المهاجرين الذين يقع كثير منهم في أيدي المتاجرين بالبشر قبل وصولهم البحر المتوسط.
تحذيرات سوينكا ليست جديدة حيث تشغله القضية منذ سنوات طويلة، متحدثاً عنها في مؤتمرات ومناسبات عديدة، وكذلك في كتابه" لأفريقيا" (2012) مشيراً إلى أن العبودية لم تنته، ولا يزال مئات الآلاف من صائدي الرقيق اليوم يقتحمون القرى ويحرقون المحاصيل، ويذبحون الماشية، ويُسممون الآبار، ويمارسون الاغتصاب والتدمير.
لكنه لا يغفل ضرورة اعتراف الأفارقة بتحملهم جزءاً من المسؤولية، عبر مشاركة كثير منهم الأوروبيين في استرقاق إخوتهم.
يحتفل سوينكا بعيد ميلاده على طريقته، مخصصاً لقاءين مع الشباب للرد على أسئلتهم حول تجربته ومشاغلهم؛ الأول يعقده في منتصف الشهر الجاري في مدينة أبيوكوتا بنجيريا، مكان إقامته، ضمن تقليد اتبعه على مدار سبعة عشر عاماً ماضية، والثاني في لندن بعد أيام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك