في الرابع عشر من يونيو/حزيران الماضي، احتفى الرئيس ترامب بتوقيع اتفاق مع إيران أُطلق عليه" مذكرة تفاهم"، باعتباره خطوة لإعادة فتح مضيق هرمز، وكتب على منصة التواصل الاجتماعي" تروث سوشال" محتفياً: " يا سفن العالم، أديري المحركات، ودَعي النفط يتدفق"، غير أنه، بعد ما يقارب شهراً، لا يزال يحاول إبعاد سيطرة إيران على المضيق.
وبحسب صحيفة" نيويورك تايمز"، فإن صياغة هذا الاتفاق والغموض في بعض العبارات المهمة فيه منحا إيران سلطة رسمية في المضيق، كما قال خبراء إن الاتفاق أعطى الطابع الرسمي للواقع الذي حاول المسؤولون الإيرانيون فرضه خلال مدة الحرب، وهو أنهم يسيطرون الآن على" هرمز".
وبعد أيام قليلة من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، أُغلق مضيق هرمز بفعل الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي شنتها طهران على السفن التجارية.
وبعد وقف إطلاق النار المؤقت في 8 إبريل/نيسان الماضي، بدأت بعض ناقلات النفط في العبور من خلال مسار بالقرب من السواحل العُمانية، بعيداً عن الساحل الإيراني، حيث كانت هذه الناقلات تغلق أجهزة الإرسال والاستقبال لتجنب رصدها أثناء العبور، تحت غطاء جوي ومتابعة من الجيش الأميركي، قبل أن يُكشف الأمر، مما أدى إلى عبور نحو 800 سفينة.
واليوم، من خلال شن الهجمات، تسعى إيران إلى إجبار السفن على الإبحار عبر مياهها الإقليمية الواقعة على الجانب الشمالي، بدلاً من المرور في المياه الدولية وفي الطريق المحفوف بالمخاطر قرب الساحل العُماني، في محاولة منها للسيطرة على حركة الملاحة في المضيق، وذلك في إطار مساعيها المستقبلية لفرض رسوم عبور أو مقابل للخدمة، بينما اعتبر الجانب الأميركي أن إيران تخالف الاتفاق، وشن الجيش الأميركي، رداً على ذلك، هجمات الأسبوع الماضي تجاوزت 310 ضربات على أهداف عسكرية إيرانية.
وطبقاً لمسؤولين أميركيين سابقين ومحليين، فإن الأزمة الحالية هي نتيجة متوقعة لاتفاق شهر يونيو/حزيران، حيث أشاروا إلى أن الاتفاق يتضمن عبارات مبهمة غامضة، خاصة في الفقرة الخامسة التي نصت على أن تتخذ إيران" الترتيبات وتبذل قصارى الجهد لضمان المرور الآمن للسفن التجارية عبر المضيق"، حيث ذكرت إيران أن أي سفينة يجب أن تحصل على موافقة مسبقة.
وقال السفير الأميركي السابق لدى المملكة العربية السعودية، مايكل راتني: " لا يمكن أن نُفاجأ من أن إيران اعتبرت هذه العبارة بمثابة حصولها على تصريح دائم للتحكم في حركة مرور السفن عبر المضيق"، مضيفاً أنه من الواضح أنها مستعدة للمخاطرة بتجدد الصراع، وحتى انهيار وقف إطلاق النار، من أجل الحفاظ على السيطرة كورقة ضغط قوية.
وكان مسؤولو إدارة ترامب، وعلى رأسهم نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، قد صرحوا بأن سبب الاتفاق هو إعادة فتح مضيق هرمز والحفاظ على حرية الملاحة.
وأكد فانس أن مطلب حرية الملاحة سيكون في أي اتفاق مستقبلي مع إيران.
ويعتبر خبراء أن ترامب أقر بهذا الوضع الراهن الذي فرضته إيران خلال مدة الحرب، بمنع مرور السفن إلا تحت سيطرتها ومن الممر المائي الخاضع لها، في الاتفاق الذي وقعه مع إيران في 14 يونيو/حزيران الماضي، حيث تقر هذه الوثيقة، التي وقعها الطرفان والمكونة من 14 بنداً، بنفوذ إيران.
وتحظر هذه المذكرة فرض أي رسوم عبور أو أموال على السفن، ولكن لمدة 60 يوماً فقط، لحين إجراء المفاوضات من أجل التوصل إلى اتفاق آخر.
وإضافة إلى ذلك، تخلو من وجود بند يضمن قدرة السفن على الإبحار بأمان في المضيق، كما يمنح البند الختامي إيران دوراً محورياً في إدارة المضيق، حيث ينص على أنها" تجري مع سلطنة عمان نقاشات لتحديد الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز".
وبينما اعتبر ترامب الاتفاقية بمثابة عودة لحرية الملاحة في المضيق، استند إليها المسؤولون الإيرانيون لتحديد مسار إبحار السفن والسعي إلى إلزامها بالمسار القريب من الساحل الإيراني، وهاجموا السفن التي تحاول المرور بعيداً عن هذا المسار، وهو ما اعتبرته واشنطن انتهاكاً للاتفاق، فيما اعتبرت إيران أن واشنطن تنتهك الاتفاق بتدخلها في محاولة إدارة المضيق.
وقال مستشار الأمن القومي الأسبق دينيس روس، إن نظرة إيران إلى الاتفاق كانت واضحة، وهي أنه سيتم فتح المضيق شرط سيطرتها، بينما نقلت" نيويورك تايمز" عن مسؤول أميركي شارك في المفاوضات أن موافقة إيران على" بذل قصارى الجهد لضمان المرور الآمن" كانت تعني عدم شنها هجمات على السفن التي تستخدم ممر العبور قرب سلطنة عمان، موضحاً أنها كانت، خلال المفاوضات، تدرك أن السفن تستخدم هذا المسار وهاجمتها بطائرات مسيّرة، وبالتالي فإن المرور الآمن يعني عدم مهاجمتها.
ويرى خبراء أن إيران تحاول فرض أمر واقع يمكّنها مستقبلاً من إعادة فرض رسوم عبور بعدما توقفت بسبب مذكرة التفاهم، ويبدأ حالياً بإجبار السفن على المرور من المضيق القريب منها، في الوقت الذي ترفض فيه واشنطن ودول في المنطقة والعالم ذلك.
وقال دان ألاماريو، كبير الاستراتيجيين الجيوسياسيين في شركة أبحاث الاستثمار" ألبيت ماكرو"، إن المخاطر التي تواجهها شركات الشحن قد تتزايد في ظل الأوضاع الحالية واستمرار استخدام القوة العسكرية، مضيفاً أن السؤال هو: " أي اقتصاد سينهار أولاً: الإيراني أم العالمي؟ ".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك