لم تكن الشابة الألمانية لزلي ترمونتيني تتوقع أن يقودها شاعر عراقي إلى رحلة ستغيّر مسار حياتها.
فمن خلال قصائد بدر شاكر السياب، تعرّفت إلى العراق ووقعت في حب ثقافته وأدبه، لتنشأ بينها وبين هذا البلد علاقة عميقة تركت بصمتها على حياتها الشخصية والعلمية.
وبين شوارع بغداد وأزقة البصرةوجبال كركوك، عاشت ذكريات لا تُنسى، وكان العراق أيضًا المكان الذي التقت فيه زوجها للمرة الأولى.
وتعود بداية الحكاية إلى مطلع ثمانينيات القرن الماضي، عندما سمعت لزلي قصيدة" أنشودة المطر" في قاعة بجامعة الكويت.
وتستعيد تلك اللحظة قائلة: " عندما سمعت القصيدة لأول مرة، أسرتني كلماتها واستحوذت على كامل اهتمامي.
ورغم أنني لم أكن أفهم كل كلمة، فإن أجواء القصيدة واختيار مفرداتها سحرتني بشدة".
كانت تلك أول مرة تتعرف فيها إلى شعر السياب، وقد فوجئت بعالم شعري مختلف تمامًا عما ألفته من قبل.
لكن هذه القصة لا تبدأ مع السياب أو العراق، بل مع سؤال أقدم وأبسط: كيف بدأت علاقة لزلي ترمونتيني باللغة العربية وأدبها، وما الذي قادها إلى هذا العالم الساحر؟لماذا الأدب العربي بالتحديد؟اعتادت لزلي منذ طفولتها على حياة التنقل والسفر.
فطبيعة عمل والدها كانت تفرض على العائلة الانتقال المستمر، ونادرًا ما كانوا يقيمون أكثر من ثلاث سنوات في بلد واحد.
وبين محطات عديدة في الشرق، وُلدت لزلي في باكستان، حتى إن شهادة ميلادها كُتبت باللغة الأردية.
وتقول: " عندما كبرت ورأيت شهادتي بلغة لم أعرفها، أثار ذلك فضولي، فقررت حينها تعلمها، لكن في تلك الحقبة من الثمانينيات لم تتوفر مثل هذه الدراسات في الجامعات الألمانية، فقررت تعلم اللغة العربية لأن أحرفها تشبه اللغة الأردية".
هذه الصدفة قادت لزلي إلى عالم الأدب العربي، وإلى الخوض في الكلمات الشعرية لإيليا أبي ماضي وغيره من الشعراء الذين ما زالت تحفظ قصائدهم إلى الآن، رغم مرور أكثر من خمسة وأربعين عاماً.
كان شغفها بالأدب محط اهتمامها منذ أن كانت طالبة في المدرسة، فكانت تقرأ الأدب الفرنسي والإنكليزي والألماني، وهذا ما جعلها تهتم بالأدب العربي عندما دخلت جامعة مونستر في ألمانيا، ومن هنا بدأت ملامح التحول في علاقتها بالأدب العربي تظهر بوضوح.
قبل أن تزور لزلي العراق، وقبل أن تتعرف على شعر بدر شاكر السياب، وأثناء دراستها للغة العربية، قررت تعلم اللغة في بلد عربي، واختارت حينها جامعة الكويت.
وكان من المقرر أن تدرس دورة اللغة في مركز اللغات لمدة عام فقط، لكن بعد انتهاء السنة قررت لزلي البقاء لسنة أخرى كمستمعة، وسكنت في سكن جامعي للبنات.
وتتذكر: " كنا في الجامعة نسمع صوت الصواريخ بين إيران والعراق.
هذا ما كنت أسمعه وأعرفه عن العراق، أنه في حالة حرب، لكن عندما سمعت أنشودة المطر اندهشت بكلمات الأنشودة وشدني ذلك لمعرفة المزيد عن هذا الشاعر وعن العراق".
ما أثار اهتمام لزلي بالسياب هو نقله صورة حية عن الإنسانية والسياسة في العراق من خلال قصائده.
وتقول: " لم تكن قصائده مجرد كلمات شعرية، بل صورة حية لما يعيشه العراقي في تلك الحقبة".
وهذا ما زاد حب لزلي لقصائده.
بعدما عادت لزلي إلى ألمانيا، طرحت فكرة كتابة أطروحة الدكتوراه عن بدر شاكر السياب على أستاذها في الجامعة، لكنه لم يكن يعرفه، واقترح عليها كتابة أطروحة عن الأدب الكلاسيكي لشاعر عربي آخر.
ورغم محاولة لزلي الكتابة عنه، فإنها بعد عام أصرت على اختيار بدر شاكر السياب موضوعاً لأطروحتها.
وفي هذا السياق برز اسم السياب كمنعطف مهم في مسارها البحثي.
في أواخر عام 1987 كانت أول مرة تزور فيها لزلي العراق من خلال منحة دراسية من ألمانيا، والتي كان من المقرر أن تستمر نصف عام فقط، لكنها بقيت هناك لمدة ثلاثة أعوام.
كونت خلالها صداقات مع عراقيات وألمانيات متزوجات من عراقيين، وكان الانخراط في المجتمع العراقي سلساً بالنسبة لها.
وبهذا الصدد تقول: " في كل خطوة كنت أصادف الماضي بحضارته وآثاره، وتميز الناس بعفويتهم دون تكلف".
وتضيف: " أعتقد أن كل من يزور بغداد يشعر بالانبهار من الآثار وكمية التاريخ العريق الذي يحتويه العراق".
كان اندماج لزلي في المجتمع العراقي آنذاك سهلاً بالنسبة إليها، وذلك يعود إلى ملامحها القريبة من الملامح الشرقية وإتقانها للغة العربية، فكان الناس يندهشون عندما يسمعونها تتكلم باللهجة العراقية، ويندهشون أكثر عندما تذكر أنها تكتب أطروحتها عن بدر شاكر السياب.
وتتذكر لزلي: " حتى سائق سيارة الأجرة كان ملماً بشعر السياب، وكان كل من أقابله، سواء كان إنساناً بسيطاً أم أكاديمياً، يتقن شيئاً من الشعر والثقافة، وهذا ما كان يثير اندهاشي بهم.
فرغم زيارتي لعدة بلدان عربية أخرى، إلا أن العراق هو البلد الوحيد الذي كان فيه حتى الإنسان البسيط، وحتى البستاني، مثقفاً".
النخيل المقطوع.
لحظة فهمت فيها السيابكان السياب شاعراً ملتزماً ومتشبثاً بحب العراق، ويظهر اهتمامه السياسي في أشعاره وقصائده.
وهذا ما لاحظته لزلي عند قراءتها له، وما بقي في ذاكرتها إلى الآن.
وتعتقد أنه بهذه الطريقة تمكن من ممارسة النقد السياسي من خلال شعره، دون أن يقع في الأسلوب الوعظي أو التلقيني، بل ظل شعره إبداعياً وجمالياً يعكس موهبة شاعر حقيقي.
وفي سؤال من DW عربية للزلي عن كيف أثرت زيارتها للعراق في قراءتها لشعر السياب نفسه، أجابت: " خلال زيارتي للبصرة للمرة الأولى، بعد نهاية حرب الخليج الأولى، رأيت آثار الحرب والدمار في كل مكان، لكن ما شد انتباهي هو غابات النخيل التي كتب عنها السياب في قصائده، والتي كانت مقطوعة الرؤوس.
هذا المنظر أثر عليّ بشدة، وفهمت قصائده أكثر، وخاصة جمال هذه المنطقة والحياة الريفية التي طور السياب من خلالها أشعاره، وصار مشهوراً عالمياً بفضلها".
وفي الختام تحدثت لزلي عما بقي معها من العراق بعد كل هذه السنوات وقالت لـDW: " عندما كنت في بغداد تعرضت لحادث سيارة، وذهبت بعدها مع أصدقائي في زيارة إلى كركوك شمال العراق، وهناك تعرفت على زوجي الإيطالي، الذي كان يعمل في شركة للنفط حينها.
تزوجنا وعشنا في بغداد والبصرة، وأنجبت ابنتي في العراق.
بسبب ذلك الحادث كونت أسرة هناك، وكانت هذه مرحلة مفصلية في حياتي، تركت في داخلي ارتباطاً عاطفياً قوياً مع العراق".
حتى اللهجة العراقية ما زالت لزلي تتقنها بشكل جيد، وعندما تسمع أحداً يتكلم باللهجة العراقية تحن إلى البلد وإلى أهله وناسه.
وما زالت لزلي ترمونتيني تحافظ على علاقاتها مع أصدقائها من تلك الحقبة، وتتواصل معهم إلى الآن، كما زارت النجف وكربلاء قبل سنوات قليلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك