استيقظ العالم الأحد على خبر مفجع، رحل الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر السابق.
رحل الأمير حمد في هدوء، مضى والعالم المضطرب اليوم في أمس الحاجة إلى حكمته وبصيرته.
لن أتحدث عن مآثر الأمير الراحل على بلده، الذي وضعه في المكان الذي يليق به، حيث ترتفع جودة التعليم ومستويات الصحة ورفاه المجتمع مما يحقق رضا الجميع في دولة قطر.
حينما تولى الشيخ حمد مقاليد الحكم في دولة قطر في عام 1995، كنت وقتها أعمل على رأس منظمة الملكية الفكرية العالمية بالأمم المتحدة، وأستند إلى خبرة قانونية ومعرفة سياسية مكنتني من تتبع الرصيد الإيجابي الذي صنعه الأمير الشاب وقتها.
تمكن الشيخ حمد في وقت وجيز من العبور بدولة قطر في المخيلة العالمية من مجرد دولة صغيرة وثرية إلى قوة إقليمية ومحطة مهمة للتسويات السياسيةفقد تمكن الأمير الشاب في وقت وجيز من العبور بدولة قطر في المخيلة العالمية من مجرد دولة صغيرة وثرية إلى قوة إقليمية ومحطة مهمة للتسويات السياسية، كلما استعصى ملف كانت الدوحة المكان الأنسب للتفاوض.
بات ذلك سمة للدبلوماسية القطرية إلى يومنا هذا حيث تنشط الدوحة في إعادة الهدوء إلى الشرق الأوسط وتأمين مسارات الملاحة البحرية.
حينما كانت منطقة الشرق الأوسط تعيش في سباق تسلح، كان الأمير الشيخ حمد ينظر في اتجاه آخر.
رأى ضرورة أن تستثمر بلده في الدبلوماسية الناعمة حيث انطلقت من الدوحة، وبرعاية وسند شخصي من الأمير حمد شبكة الجزيرة الإعلامية، لتعيد تشكيل المشهد العربي والعالمي لاحقا، حيث انطلقت شبكات إعلامية من عواصم أخرى في المنطقة التي كانت تستورد قوت يومها من الأخبار من العالم الأول.
أن توجد مكانا لبلدك تحت الشمس دون أن تطلق رصاصة أو تشتري دبابة لهو أمر جدير بالاهتمام والاحتذاء.
الدرس الثالث الذي قدمه الشيخ حمد هو تنازله طوعا في عام 2013، وفي قمة العنفوان السياسي، عن السلطة في قطر إلى جيل جديد يقوده سمو الأمير الشيخ تميم.
وكانت تلك بادرة تؤسس للحكم الراشد، وفتحت الطريق لقيادات جديدة في معظم دول المنطقة، حتى بعد تقاعده لم يشتق إلى أضواء الكاميرات مثل غيره من الزعماء، بل عاش في الظل وسط أهله ينظر إلى تجربة بلده بزهو وفخر.
رأى ضرورة أن تستثمر بلده في الدبلوماسية الناعمة حيث انطلقت من الدوحة، وبرعاية وسند شخصي من الأمير حمد شبكة الجزيرة الإعلامية، لتعيد تشكيل المشهد العربي والعالمي لاحقاأياديه البيضاء على السودانكان الأمير الراحل أحد قلائل في المنطقة من تعلقت قلوبهم بأرضنا السمراء والتي بادلته حبا بحب، حيث زار السودان في عدة مناسبات رسمية، إلا أن زيارته للخرطوم في عام 2018 كانت ذات وقع مختلف.
حيث جاء ليشارك السودانيين في حزنهم الأكبر برحيل الرئيس السوداني الأسبق المشير عبد الرحمن سوار الذهب.
وهنا تكمن قيمة أخرى حظي بها الأمير الوالد كما يطيب لأبناء شعبه مخاطبته.
فلم تكن مشاركته في العزاء مجرد إجراء مراسمي، بل قيمة في الوفاء حيث كان المشير سوار الذهب أحد مساعدي الأمير الراحل في بناء وتحديث مؤسسات الجيش القطري في مطلع سبعينيات القرن الماضي.
فاض اهتمام الأمير حمد بالسودان وشعب السودان حينما رعت الدوحة مفاوضات الفرقاء السودانيين، والتي امتدت لسنوات، وتوجت باتفاقية الدوحة للسلام في عام 2011، وصحب ذلك عون قطري كبير لإعمار ما دمرته الحرب في دارفور.
فاض اهتمام الأمير حمد بالسودان وشعب السودان حينما رعت الدوحة مفاوضات الفرقاء السودانيين، والتي امتدت لسنواتكان اهتمام الأمير الراحل بالسودان ممتدا حتى لتاريخ بلدنا وآثارها، حيث سجلت زوجته الشيخة موزة زيارة للسودان في عام 2017، ووقفت على الآثار التاريخية والحضارية في إطار مشروع قطري يهدف لترميم وحماية الآثار في السودان، وكانت روح الأمير الراحل في كل تفاصيل تلك الرحلة وذاك المشروع.
لم يتوقف الاهتمام القطري على حدود السودان، بل واصلت الدبلوماسية القطرية الحضور في ملفات القرن الأفريقي، وسجل أمير قطر الراحل زيارات لمعظم دول القرن الأفريقي حاملاً غصن الزيتون، ومرمما للتصدعات التي تحدث بين الأشقاء في القرن الأفريقي بسبب اختلاف التقديرات السياسية.
حينما فرضت الحرب الظالمة على أهل السودان في أبريل/نيسان 2023 كان ميراث الأمير الوالد حاضرا في إغاثة الملهوف، وتضميد جراح من طالتهم يد الغدر.
سيرت الدوحة قوافل من العمل الإنساني لنجدة شعب السودان، وكانت الدوحة في ركب السابقين الذين آزروا شعب السودان في وقت الضيق، كما ظلت الدوحة وفية لميراث الأمير الراحل، ووقفت مع السودان ودعمته دبلوماسيا واقتصاديا وسياسيا.
كان نصيرا للشعوب المستضعفة في فلسطين وأفغانستان والسودان والصومال، وحاول فوق وسعه أن يصنع سلاما وازدهارالو كان العالم منصفا لتم تكريم الأمير الراحل على مبادراته الجريئة، في كل مبادرة كان الأمير الراحل يرى من وراء الحجب.
عبر دبلوماسية مستقلة ومتوازنة جعل بلده مركز ثقل دبلوماسي حيث يتم تفكيك أشق الملفات، وعبر استثماره في الدبلوماسية الناعمة أضاء دياجير المنطقة التي بدأت تتنافس فيما بينها في مجال الإعلام الحر والمهني.
وعبر اختياره الطوعي للتقاعد في أوج عمر العطاء منح ثقة للأجيال الجديدة في كل المنطقة.
كما كان نصيرا للشعوب المستضعفة في فلسطين وأفغانستان والسودان والصومال، وحاول فوق وسعه أن يصنع سلاما وازدهارا.
إن لم تنصف الجوائز العالمية الأمير الراحل على أي من تلك الأدوار، فإن التاريخ سينصفه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك