نسجت دولة قطر مع قطاع غزة علاقة استثنائية، قوامها الدعم الصادق، والإغاثة، والإعمار، والوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني في أحلك الظروف.
ولعل من أبرز المحطات التي جسدت هذا الالتزام التاريخي الزيارة التاريخية التي قام بها سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى قطاع غزة عام 2012، كأول زعيم عربي يزور القطاع منذ سنوات الحصار، حيث حملت الزيارة رسالة سياسية وإنسانية أكدت وقوف دولة قطر إلى جانب الشعب الفلسطيني، وتوجت بتدشين عدد من مشاريع إعادة الإعمار والتنمية التي أسهمت في تعزيز صمود أهل غزة عبر اللجنة القطرية لإعادة إعمار غزة، التي تحولت على مدار سنوات إلى عنوان للأمل في حياة الغزيين.
فمن خلال إشرافها المباشر على عشرات المشاريع السكنية والصحية والتعليمية والطرق والبنية التحتية، لم تكن اللجنة تشيد المباني فحسب، بل كانت تعيد إلى الناس شيئا من شعورهم بالاستقرار والكرامة.
وقد ارتبط حضورها في وجدان أهل غزة بمرحلة رأوا فيها رافعات البناء تسبق ركام الحروب، فكانت كل مدرسة تفتح، وكل بيت يسلم، وكل شارع يعبد، رسالة تقول إن الحياة ما زالت قادرة على أن تنهض رغم الحصار والدمار.
كان مجمع قصر العدل، في طريق الزهراء وسط قطاع غزة، تحفة معمارية أخرى أنشأتها دولة قطر" كأنك تزور قطعة من قطر! " هكذا كنا نردد كلما قصدنا مدينة حمد في محافظة خان يونس.
كانت مدينة صغيرة في مساحتها، كبيرة في جمالها، تضم عشرات البنايات السكنية المتناظرة، وكأنها لوحة فنية رسمت بعناية فائقة وذوق رفيع.
لم يكن جمالها يقتصر على مظهرها الخارجي، بل امتد إلى أدق تفاصيلها؛ فقد شطبت الشقق السكنية بأعلى المواصفات، وخصص لكل مربع سكني حديقة رحبة ومساحات تنبض بالحياة الاجتماعية، إلى جانب إنشاء مدرسة، ومستشفى، وجامع يخص سكانها.
كان لأختي شقة في هذه المدينة الجميلة، وكانت زيارتها بالنسبة إلينا رحلة قصيرة إلى عالم مختلف، بعيد عن ازدحام مدينة غزة وضجيجها.
وكان زوج أختي شديد الحرص على نظافة الشقة وجمالها، حتى من الخارج، بل كان يحمل معه أشتالا من غزة ليزرعها في حديقة البناية، وكأنه يريد أن يزرع قطعة من روحه في كل زاوية منها.
ولم يكن يبخل علينا يوما بحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة.
ومع اندلاع الحرب، كان يأمل أن يصطحب زوجته وأطفاله الستة إلى مدينة حمد، ظنا منه أنها ستكون أكثر أمانا.
لكن القدر كان أسرع من أحلامه؛ فقد استشهد بعدما أصابته قذيفة دبابة أمام منزل عائلته.
أما مدينة حمد نفسها، فقد امتدت إليها يد البطش الإسرائيلي، فعاثت في كثير من مبانيها هدما وإحراقا.
ومع ذلك، بقي كثير من أبنيتها صامدا، يحتضن أصحابها وآلاف النازحين.
وبقيت شقة أختي سالمة، تؤويها مع أطفالها اليتامى، شاهدة على أن بعض الجدران قد تنجو، لكن الأرواح التي كانت تملؤها دفئا لا تعود.
وكان مما يزيد رحلاتنا بهجة أننا كنا نتعمد المرور عبر شارع الرشيد، ذلك الطريق الساحلي الذي أسهمت دولة قطر في إنشائه على مدار عدة سنوات.
شارع طويل، فسيح، منظم، يمتد بمحاذاة البحر المتوسط من جنوب قطاع غزة إلى شماله، وكأنه شريان يربط البحر بالناس.
كانت أعمدة الإنارة تضيء ليالي الشاطئ، فتتجمع العائلات على المقاعد الإسمنتية المطلة على البحر، تستمتع بنسيمه وصوت أمواجه.
وكان لكل مقعد حكاية؛ إذ كتبت بلدية غزة على ظهر كل واحد منها اسم قرية فلسطينية هجر أهلها واحتلتها إسرائيل.
أما أنا، فكنت أبحث دائما عن المقعد الذي يحمل اسم قرية المحرقة؛ قرية أجدادي التي تبعد نحو خمسة عشر كيلومترا عن مدينة غزة، والتي محا الاحتلال اسمها من الجغرافيا، وأقام على أرضها لاحقا مستوطنة تدعى" تيقوما".
كنت أجلس هناك، وأشعر أن الاسم وحده قادر على أن يهزم النسيان.
وقبل أن نصل إلى مدينة حمد في خان يونس، كنا نمر بمدينة الأسرى على الجهة المقابلة للبحر.
كانت تحمل الروح العمرانية نفسها؛ التصاميم ذاتها، والألوان ذاتها، والحدائق ذاتها، وإن كانت أصغر حجما.
سكنها الأسرى المحررون الذين عادوا إلى الحرية بعد سنوات طويلة في سجون الاحتلال.
كانت صديقتي، زوجة أحد الأسرى المحررين، تعيش فيها.
كثيرا ما وعدتها بزيارتها، لكن دوامة الحياة كانت تؤجل الوعد مرة بعد أخرى.
وكانت كلما هاتفتها أو هاتفتني تحدثني بشغف عن حياتها هناك؛ عن شقتها المرتبة، وحديقة البناية الجميلة الهادئة، وأوقات اللعب مع أطفالها، وعن ذلك الإحساس العميق بالأمان الذي طالما افتقدته.
استشهدت صديقتي، وزوجها، وجميع أطفالها، في بداية الحرب، ودمرت شقتها، بل دمرت المدينة بأكملها.
ولم يبق منها سوى أعمدة مائلة، تقف كأنها تنوح بصمت، وترثي أناسا عاشوا بين جدرانها أياما مليئة بالفرح، ثم تحولوا إلى رفات تحت حجارتها.
مع استمرار الحصار، أصبحت رحلة العلاج خارج القطاع شديدة الصعوبة، فكان إنشاء مستشفى الشيخ حمد للتأهيل والأطراف الصناعية بارقة أمل لآلاف المرضىكان مجمع قصر العدل، في طريق الزهراء وسط قطاع غزة، تحفة معمارية أخرى أنشأتها دولة قطر.
دخلته ثلاث مرات لإنجاز بعض المعاملات القانونية الخاصة بي.
كانت ابنة عمي، أمل، تعمل فيه، وتحظى بمحبة زملائها واحترامهم.
وما إن أصل حتى تستقبلني بابتسامتها المعهودة، وتجلسني في مكتبها، ثم تتولى بنفسها متابعة معاملتي، حتى لا أشعر بعناء الانتظار.
كانت أمل سعيدة بانتقالها إلى العمل في هذا المجمع؛ لقربه من منزلها، وكانت تقول عنه إنه" مكان يفتح النفس للعمل"، وإنه" بيتها الثاني"، كما كان يطيب لها وصفه.
كان المبنى شامخا، يحتضن أهم المؤسسات القضائية، ويوفر بيئة حديثة للعاملين والمراجعين، وأسهم في تحسين الخدمات العدلية للمواطنين.
استشهدت أمل في نهاية الشهر الأول للحرب، مع سبعة من أبنائها الشباب، إثر قصف صاروخي استهدف مكان نزوحهم في مدينة رفح.
ودمر بيتها الأول، كما دمر بيتها الثاني.
لقد أصبح مجمع قصر العدل شاهدا مؤلما على ذروة الظلم الذي طال البشر، والشجر، والحجر.
مستشفى الشيخ حمد للتأهيل والأطراف الصناعيةتوالت الحروب على غزة، وتصاعدت وتيرتها منذ عام 2008، وكان الاحتلال يتعمد تكبيد سكان قطاع غزة أكبر عدد من الخسائر الجسدية، إما بالموت أو الإعاقة الدائمة.
ومع استمرار الحصار، أصبحت رحلة العلاج خارج القطاع شديدة الصعوبة، فكان إنشاء مستشفى الشيخ حمد للتأهيل والأطراف الصناعية بارقة أمل لآلاف المرضى.
فقد قدم خدمات التأهيل والعلاج الطبيعي، وزود آلاف مبتوري الأطراف بأطراف صناعية مجانا، إلى جانب خدمات صحية متخصصة أخرى.
كنت أشعر بالفخر كلما رأيت هذا الصرح الطبي في شمال القطاع، وهو يضم نخبة من الأطباء والمتخصصين.
دخلت أحد أقسام المبنى أرافق والدتي التي احتاجت علاجا طبيعيا، فكان الترحيب والحفاوة ودفء الإنسانية يتوهج في عيون القائمين على القسم قبل أيديهم، مما جعل والدتي، التي كانت تخشى الذهاب في البداية، تشعر بالراحة والدافعية لإكمال جلسات العلاج.
إلا أن والدتي لم تتمكن من إكمال جلسات العلاج؛ فقد شنت إسرائيل حربها على شمال القطاع قبل جنوبه، وتوقفت كافة خدمات المستشفى، بل أصبح المكان، وكل ما يحيط به من أبنية، مهجورا، بعدما نزح الآلاف قسرا عن ديارهم.
وتعرض المستشفى لعدة اعتداءات، لكنه بقي صامدا، وكأنه يصر على بقاء رسالته التي أصبحت أكثر قوة وإلحاحا بعدما أصبح أكثر من نصف سكان القطاع بلا أطراف.
بقي اسم الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حاضرا في ذاكرة أهل غزة، لا لأن المباني حملت اسمه فحسب، بل لأن معاني العطاء التي ارتبطت به بقيت شاهدة في تفاصيل الحياة اليومية؛ في البيوت التي آوت الأسر، وفي الطرق التي عبرها الناسالشيخ حمد بن خليفة آل ثانيوما ذكرته ليس إلا غيضا من فيض مما قدمته دولة قطر، قيادة وحكومة وشعبا، لفلسطين عموما، ولقطاع غزة على وجه الخصوص.
فما بين بيت احتضن أسرة، وطريق سهل حركة الناس، ومستشفى أعاد الأمل إلى جريح، ومشروع أعاد للحياة شيئا من ملامحها، تتجلى قصة عطاء لم تكن مجرد أرقام أو مبان من حجر، بل كانت أثرا إنسانيا امتد إلى حياة الآلاف.
ولم يكن لهذا العطاء أن يبلغ ما بلغه لولا رؤية قائد أدرك أن مكانة الدول لا تقاس فقط بما تملكه من قوة أو ثروة، بل بما تحمله من مسؤولية تجاه الإنسان، وبقدرتها على تحويل القرار السياسي إلى عمل يلمس حياة الشعوب.
فقد حمل سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رؤية جعلت من دعم الأشقاء ومساندة القضايا الإنسانية جزءا من الدور الذي تؤديه الدولة في محيطها العربي والإقليمي، فرأى في إعمار غزة أكثر من مجرد إعادة بناء للحجر؛ رآه إعادة لنبض الحياة، وصونا لكرامة الإنسان، وترميما لمساحات الأمل التي أنهكتها سنوات الحصار والحروب.
لقد بقي اسم الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حاضرا في ذاكرة أهل غزة، لا لأن المباني حملت اسمه فحسب، بل لأن معاني العطاء التي ارتبطت به بقيت شاهدة في تفاصيل الحياة اليومية؛ في البيوت التي آوت الأسر، وفي الطرق التي عبرها الناس، وفي المستشفيات التي خففت آلام المرضى، وفي المدارس والمرافق التي منحت الأجيال مساحة للحلم، وفي كل زاوية حاولت أن تعيد لمدينة أنهكتها الحروب شيئا من قدرتها على النهوض.
إن القادة الحقيقيين لا تخلد أسماؤهم بما يكتب في السجلات فقط، بل بما يتركونه من أثر في حياة الناس.
وقد ارتبط اسم الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في وجدان كثير من أهل غزة بمشاريع حملت رسالة تتجاوز البناء المادي، لتقول إن الإنسان هو الغاية الأولى، وإن التضامن في أوقات الشدة قيمة لا تنسى.
وإن كنا في هذا اليوم الحزين نفارقه جسدا، فإن روحه الطاهرة ستبقى حية في ذاكرة الأمة جمعاء، وفي ذاكرة غزة الجريحة وقلوب أهلها، وستبقى أعماله شاهدة على أن ما يبنى لخدمة الإنسان يبقى حاضرا في ذاكرة الأوطان، وأن العطاء الصادق لا يغيب برحيل أصحابه.
نسأل الله أن يعظم أجر شعب قطر، حكومة وشعبا، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدم، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناته، وأن يرحمه رحمة واسعة، ويجعل قبره روضة من رياض الجنة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك