تتجه اليابان إلى طريق جديد في محاولاتها لإنقاذ الين، إذ قرأ المستثمرون تصريحات وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما، باعتبارها إشارة سياسية واقتصادية مختلفة، فبدلاً من اللجوء إلى التدخل المباشر في سوق العملات، أو التوجه نحو إنفاق المزيد من احتياطيات النقد الأجنبي، تفتح الحكومة باباً جديداً يعيد توجيه المدخرات اليابانية الضخمة نحو الداخل بهدف دعم العملة وتنشيط الاقتصاد.
وقالت كاتاياما، إن الحكومة ستبحث سبل تشجيع صناديق التقاعد، وفي مقدمتها صندوق المعاشات الحكومي GPIF، على زيادة استثماراتها في الأصول اليابانية، وهي تصريحات دفعت الين للارتفاع، كما عززت أسعار السندات الحكومية والأسهم المحلية، وسط رهانات بأن طوكيو قد تكون بصدد تغيير أحد أهم ملامح سياستها الاستثمارية خلال العقد الماضي.
يعود التأثير الكبير لتصريحات وزيرة المالية اليابانية إلى أن GPIF ليس صندوق تقاعد عادياً، بل يُعد الأكبر من نوعه في العالم، إذ يدير أصولاً تقارب 294 تريليون ين (نحو 1.
8 تريليون دولار)، ويملك قرابة 931 مليار دولار في أصول أجنبية، بينها أكثر من 232 مليار دولار من سندات الخزانة الأمريكية.
اعتمدت اليابان سابقاً على أدوات تقليدية لمواجهة ضعف عملتها، والتي شملت التدخل في سوق الصرف والإبقاء على سياسة نقدية شديدة التيسير، ولكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن الحكومة بدأت تنظر إلى المدخرات المحلية باعتبارها أداة أكثر استدامة لدعم الين.
صحيفة" فاينانشال تايمز" البريطانية، تؤكد أن المستثمرين تعاملوا مع تصريحات وزيرة المالية باعتبارها نوعاً من" التدخل غير المباشر" في سوق العملات، لأن إعادة توجيه جزء من استثمارات صناديق التقاعد نحو الأصول المقومة بالين قد تعزز الطلب على العملة المحلية بصورة أكثر استدامة من التدخلات قصيرة الأجل في سوق الصرف.
وتذكر وكالة رويترز، أن هذه الخطوة تُعد انقلاباً على النهج الذي اتبعته اليابان منذ عهد رئيس الوزراء الراحل شينزو آبي، حين شُجعت المؤسسات الاستثمارية الكبرى على زيادة استثماراتها الخارجية سعياً وراء عوائد أعلى، في ظل أسعار الفائدة المحلية المتدنية للغاية.
أما اليوم، فتبدو الحكومة أكثر ميلاً إلى إعادة جزء من هذه الأموال إلى الداخل، مع ارتفاع العوائد على السندات اليابانية وتحسن أداء الأسهم المحلية.
لكن قراءة الخطوة باعتبارها محاولة لإنقاذ العملة فقط، تبسيط لمشهد أكثر تعقيداً، إذ يرى البروفيسور إينار تانغين، الزميل البارز في مركز الابتكار في الحوكمة الدولية ورئيس Asia Narratives، أن ما يجري" يتجاوز كثيراً مسألة دعم الين"، معتبراً أن الحكومة اليابانية باتت تدرك أن النموذج الاقتصادي الذي اعتمدت عليه لعقود وصل إلى حدوده.
ويقول تانغين في حديثه لـ" 24"، إن الاقتصاد الياباني قام لسنوات طويلة على ثلاثة أعمدة رئيسية؛ النمو القائم على التصدير، وأسعار الفائدة المنخفضة للغاية، وتحقيق عوائد أعلى من خلال الاستثمار في الخارج.
غير أن التغيرات الجيوسياسية، وتباطؤ الطلب العالمي، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، دفعت طوكيو إلى البحث عن نموذج مختلف، يقوم على توظيف المدخرات المحلية في تمويل الابتكار والصناعات المتقدمة والبنية التحتية داخل اليابان.
وبحسب تانغين، فإن الرسالة الأساسية للحكومة أصبحت واضحة: " نريد أن يعمل رأس المال الياباني من أجل اليابان مرة أخرى".
البروفيسور إينار تانغين، الزميل البارز في مركز الابتكار في الحوكمة الدولية ورئيس Asia Narrativesأموال كثيرة.
ومستهلك حذرعلى الرغم من أن اليابان تمتلك ما يكفي من المدخرات لتمويل تحول اقتصادي واسع، إلا أن سبب الأزمة يعود إلى أن جزءاً كبيراً من الأموال ظلت بعيدة عن الاستثمار المنتج، ويعود ذلك إلى سلوك الأسر بعد تجربة الانكماش الطويلة وضعف الأجور وتراجع الثقة في المستقبل، إذن إن الأسر اليابانية تُفضل الاحتفاظ بأموالها في حسابات البنوك والودائع بسبب القلق المتزايد.
ولهذا عملت الحكومات اليابانية المتعاقبة على نقل الأسر تدريجياً من" الادخار إلى الاستثمار"، من خلال توسيع حسابات الاستثمار المعفاة من الضرائب المعروفة باسم NISA، وتشجيع الأفراد على شراء الأسهم وصناديق الاستثمار بدلاً من ترك الأموال في الودائع.
ووصف بنك اليابان هذا التحول بأنه جزء من محاولة أوسع لبناء مركز متقدم لإدارة الأصول وتغيير تعامل الأسر مع ثرواتها المالية.
لكن تغيير الحوافز لا يعني بالضرورة تغيير السلوك سريعاً.
يقول تانغين إن الحكومات تستطيع تعديل القواعد الضريبية وتوجيه المؤسسات المالية في وقت أقصر كثيراً من الوقت اللازم لتغيير قرارات الأسر، موضحاً أن زيادة الاستثمار وحدها لن تدفع اليابانيين إلى الإنفاق ما لم ترتفع الدخول بصورة مستقرة، ويشعر الشباب والعائلات بقدر أكبر من الثقة في المستقبل.
نقص العمالة والانكماش السكانييرى تانغين أن أزمة اليابان أعمق من نقص رأس المال؛ إذ تعاني البلاد من شيخوخة السكان وتراجع عددهم.
ويؤكد أن الاستثمار قد يرفع الإنتاجية، لكنه لن يعوض نقص العمالة أو يوقف الانكماش السكاني، في وقت تجاوزت فيه نسبة من هم فوق 65 عاماً 30% من السكان.
ويضاف إلى ذلك عبء الدين الحكومي، فوفق صندوق النقد الدولي، من المتوقع أن يلامس إجمالي الدين العام 203% من الناتج المحلي الإجمالي للعام الحالي، وهي نسبة تظل الأعلى بين الاقتصادات المتقدمة، حتى مع توقع تراجعها تدريجياً خلال السنوات المقبلة.
وتزداد حساسية هذه الديون كلما ارتفعت أسعار الفائدة.
فاليابان اعتادت لعقود تمويل عجزها بتكلفة منخفضة للغاية، لكن عوائد السندات طويلة الأجل ارتفعت بقوة مع خروج بنك اليابان تدريجياً من عصر الفائدة شديدة الانخفاض، وتصاعد قلق المستثمرين من الإنفاق الحكومي وضعف الين.
دعم حقيقي.
لكن ليس علاجاً كاملاًوعلى الرغم من تعقيد الوضع، إلا أن توجيه جزء من أموال التقاعد إلى الداخل الياباني، من المحتمل أن يترك أثراً ملموساً، لأن زيادة شراء السندات والأسهم المحلية تقلل تدفقات رأس المال إلى الخارج وترفع الطلب على الأصول المقومة بالين، ما ظهر فور تصريحات كاتاياما؛ إذ ارتفعت العملة بنحو 0.
6%، بينما تراجعت عوائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات بمقدار 11.
5 نقطة أساس، في أكبر هبوط يومي لها منذ أكثر من عام.
ويتوقف استمرار هذا التأثير على تحويل هذه التصريحات إلى قرارات فعلية، لأن الصندوق لا يتبع وزارة المالية، بل تشرف عليه وزارة الصحة والعمل والرفاه، وأي تغيير يحتاج إلى توافق أوسع داخل حكومة اليابان.
وفي تطور لاحق، نقلت صحيفة" نيكاي" اليابانية، أن الحكومة تدرس رفع حصة الاستثمارات البديلة، مثل الأسهم غير المدرجة والعقارات، من مستواها الحالي البالغ 1.
7% باتجاه السقف المسموح به عند 5%، ومن شأن ذلك، حال تنفيذه، أن يوجه جزءاً أكبر من الأموال إلى الشركات والمشروعات المحلية، بدلاً من الاقتصار على شراء الأسهم والسندات المتداولة.
لكن وزارة الصحة والعمل والرفاه، المشرفة على الصندوق، لم تعلق على التقرير، وفق وكالة" رويترز".
تريد طوكيو أن يصل جانب من هذه الأموال إلى قطاعات تستطيع رفع إنتاجية الاقتصاد، مثل الروبوتات والذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم والبنية الرقمية، إذ يقول تانغين إن هذه الاستثمارات قد تحسن أرباح الشركات وتدعم نمو الأجور، لكنها لن تعالج وحدها نقص العمالة أو تراجع السكان، ولذلك يتوقع أن تكون مكاسبها تدريجية لا تحولية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك