قناه الحدث - بقيمة 80 مليون دولار.. نظام أميركي جديد لتعطيل المسيرات العربي الجديد - الهوارين.. أسير فلسطيني محرر يروي أهوال الإهمال الطبي بسجون الاحتلال روسيا اليوم - بوتين: رد روسيا على هجمات العدو سيكون أقوى بأضعاف مضاعفة قناه الحدث - الإرياني: الحوثيون يحتجزون طائرة للصليب الأحمر وطاقمها في صنعاء روسيا اليوم - الدفاع الروسية تعلن شن هجمات دقيقة على بنى تحتية تستخدمها قوات كييف في موانئ أوكرانية العربي الجديد - ترامب يعلن إعادة فرض الحصار على مضيق هرمز العربي الجديد - الخارجية الأميركية ترحب بالجهود الليبية نحو حل شامل Euronews عــربي - أموال ولقاءات سرية ووعود بالسلطة.. مزاعم مثيرة عن علاقة أحمدي نجاد بالموساد الإسرائيلي روسيا اليوم - صديقة مهاجم نرويجي تتلقى تهديدات بالقتل (فيديو) التلفزيون العربي - الطائرة الإيرانية تهبط بالحديدة.. هل تعود الحرب إلى اليمن؟
عامة

براعم التلوث... مجمع صناعي إسرائيلي يسمم بيئة الضفة الغربية

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 58 دقيقة

على أراضي طولكرم في الضفة الغربية المحتلة، استقرت مستوطنة" تيتساني شالوم" الصناعية التي يعني اسمها بالعربية" براعم السلام"، بيد أن حقيقتها على العكس تماماً، إذ تلوث غازاتها السامة البيئة وتقطع أرزاق ا...

على أراضي طولكرم في الضفة الغربية المحتلة، استقرت مستوطنة" تيتساني شالوم" الصناعية التي يعني اسمها بالعربية" براعم السلام"، بيد أن حقيقتها على العكس تماماً، إذ تلوث غازاتها السامة البيئة وتقطع أرزاق الأهالي.

- عقب رشفات سريعة من الشاي الساخن، تفقد عدي الطنيب الوقت ليجد أن الساعة قاربت العاشرة صباحاً، بادر إلى تنبيه والدته منى الطنيب إلى ضرورة التعجيل في إنهاء جني محصول الفلفل ومغادرة أرضهما الزراعية الواقعة في محافظة طولكرم شمال غربي الضفة الغربية المحتلة، في محاولة لتجنب أن تلمحهما أعين جنود الاحتلال الإسرائيلي الذين تبدأ دورياتهم على طول جدار الفصل العنصري في العاشرة والنصف صباحاً.

وبدلاً من الفرح بالإنتاج، خيمت خيبة الأمل عليهما، فالمحصول بالكاد ملأ أكياساً معدودة، أما الأعشاب التي حاولوا زراعتها قبل أشهر بهدف بيعها، فذبل معظمها من جراء انبعاثات المجمع الصناعي الإسرائيلي المجاور لهم من جهة الشرق.

ليس هذا فحسب، فلعائلة طنيب تاريخ من المعاناة، يبدأ من مصادرة جدار الفصل العنصري أجزاءً واسعةً من أرضها لتتقلص إلى ثلث مساحتها تقريباً، وحتى ما تبقى منها يحاصره الجدار الفاصل من جهة الغرب، ومجمع صناعي إسرائيلي من جهة الشرق، بعدما تأسس منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وقتها سمع سكان قرية" ارتاح"، جنوب مدينة طولكرم، لأول مرة، اسم" جيشوري" وهو مصنع تقرر إنشاؤه على مساحة تبلغ ما بين 20 إلى 30 دونما، بتشجيع من الحكومة الإسرائيلية، ويقع اليوم في المنطقة" ج" على بعد بضع مئات من الأمتار من منازل أهالي المنطقة، ويضم الشركات والمصانع الإسرائيلية المتخصصة في إعادة تدوير النفايات، والبلاستيك، والأسمنت، والأخطر تلك المتخصصة في إنتاج المواد الكيميائية التي غادرت تدريجياً دولة الاحتلال لتستحوذ على المنطقة، فما بدأ على شكل منشأة واحدة تشغل بضعة دونمات، توسع بشكل مطرد ليتحول إلى تجمع يضم 13 مصنعاً زراعياً وصناعياً، مشكّلاً مستوطنة" تيتساني شالوم" الصناعية التي يعني اسمها" براعم السلام"!

أبجديات الاحتلال الإسرائيليفي عام 1995، قسمت اتفاقيات أوسلو الثانية الضفة الغربية إلى المناطق" أ" و" ب" و" ج": تخضع المنطقة" أ" للسيطرة المدنية والأمنية الفلسطينية الكاملة، وتخضع المنطقة" ب" للسيطرة المدنية الفلسطينية والسيطرة الأمنية الإسرائيلية، بينما تظل المنطقة" ج" تحت السيطرة المدنية والعسكرية الإسرائيلية الكاملة، وهي تشكل حوالي 61% من الأراضي، ورغم أن الاتفاقية نصت على أن تنتقل هذه المنطقة تدريجياً إلى الولاية القضائية الفلسطينية، إلا أن إسرائيل لم تتخل عن سيطرتها على هذه الأراضي، بل إن حكومة نتنياهو الحالية تحركت لجعل أي عملية نقل مستقبلي أمراً غير ممكن.

يصطدم تقييم الأثر البيئي للمنطقة الصناعية بالقيود العسكرية الإسرائيليةتأسس مصنع" جيشوري" في الأساس في منطقة تُعرف باسم" تل موند" في سهل الشارون، التي تتبع طولكرم، لكنه كان محوراً لمعارك قانونية شرسة واحتجاجات مجتمعية واسعة بسبب مخالفاته البيئية، وفقاً لما ورد في وثيقة صادرة عن الكنيست الإسرائيلي عام 1999.

وفي حين دفع مالكو المصنع، بن صهيون جيشوري والعميد ديفيد شامير إلى جانب المدير التنفيذي الدكتور رعنان جيشوري، بأن خطوة الانتقال من موقعه الأصلي جاءت بسبب الحاجة إلى مساحة أكبر ولدواع أمنية، إلا أن منتقدين لقرار النقل، مثل عضو الكنيست السابق عصام مخول، أكدوا أن الإجراءات القانونية هي التي أجبرت المصنع على تعليق عملياته في الموقع الأصلي بسبب الأضرار التي لحقت بالصحة العامة، ومن ثم الانتقال إلى منطقة يمكن فيها تجاوز معايير السلامة والبيئة والتحايل عليها بسهولة أكبر.

وعلى مدار العام الماضي، وثق فريق التحقيق آلية عمل منطقة" نيتساني شالوم" الصناعية من ناحية المخالفات القانونية، والقيود العسكرية، وتغييب القوانين البيئية أو عدم تطبيقها.

وتخضع المنطقة لقيود وصول مشددة نظراً إلى تصنيفها" عسكرية مغلقة"، ما يعوق إجراء أي تقييم مستقل لتلوث التربة والمياه الجوفية، ويحد كذلك من قدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم وفلاحتها، ومع ذلك، عبر صور الأقمار الاصطناعية، أمكن التأكد من افتقار هذه المنشآت إلى البنية التحتية اللازمة لمعالجة المياه المستهلكة في العمليات الصناعية، ما يؤدي إلى تدفق النفايات السامة إلى الأراضي الزراعية والصوبات الفلسطينية المحيطة.

وتظهر سجلات التخطيط وصور الأقمار الاصطناعية أن الموقع شهد توسعاً كبيرا بمرور الوقت، وذلك على الرغم من الاعتراضات الرسمية التي قدمها السكان وبلدية طولكرم.

وتثبت نتائج التحقيق أيضا كيف تمارس الشركات المرتبطة بأوروبا أعمالها التجارية من خلال شركات محلية في المنطقة أو جنباً إلى جنب معها، في مأزق سياسي وتنظيمي، فبينما يعتبر الاتحاد الأوروبي المستوطنات غير شرعية بموجب القانون الدولي، لا توجد تشريعات ملزمة تحظر التجارة مع الصناعات المرتبطة بالمستوطنات.

كما أن السياسات التي تستثني منتجات المستوطنات من المعاملة التفضيلية الجمركية تُطبق بشكل غير متسق، ما يخلق إطاراً لا تخضع فيه الروابط التجارية مع هذه المواقع الصناعية إلى تنظيم أو قيود موحدة في الأسواق الأوروبية.

تُؤسس المستوطنات وتُدار من خلال ما يُعرف بالإدارة المدنية الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة.

وفي هذا الإطار، يتولى مجلس التخطيط فيها مسؤولية إصدار القرارات والموافقة على الخطط الرئيسية، بما في ذلك تلك المتعلقة بالبناء والتوسيع وشبكات الطرق والبنية التحتية المرتبطة بها، لذا وجد أصحاب المصانع الإسرائيليين في الضفة الغربية بيئة أسهل بكثير لإقامة المنشآت الصناعية مقارنة بداخل دولة الاحتلال، بحسب مراد المدني، المستشار القانوني في الهيئة الفلسطينية لجودة البيئة، مشيراً إلى أنه" حتى يومنا هذا، لا تعترف إسرائيل بقانون البيئة الفلسطيني الصادر عام 1999، وبدلاً من ذلك، تطبق السلطات الإسرائيلية اللوائح التي ترى أنها تنطبق على الضفة الغربية".

وتابع المدني قائلاً: " يستفيد أصحاب المصانع من قيود أقل في ما يتعلق بالتخلص من النفايات وإدارة مياه الصرف الصحي، ما يقلل بشكل كبير من تكاليف التشغيل".

بالتالي، تنقل هذه السياسات المخاطر البيئية إلى المناطق الفلسطينية بعيداً عن المدن الإسرائيلية، فعلى مدى السنوات الماضية، توسعت المنطقة الصناعية بشكل مطرد، وتغطي وفقاً لما أوردته هيئة جودة البيئة التابعة للسلطة الفلسطينية، ما يقارب 180 دونماً.

واليوم، يرتبط وجود هذه الصناعات في طولكرم بتلوث غير خاضع للرقابة يؤثر سلباً على إنتاجية الأراضي الزراعية وارتفاع في أمراض الجهاز التنفسي للسكان الأصليين، الذين يعيشون على بعد لا يتجاوز 20 متراً من المصانع، في ظل ارتفاع معدلات الإصابة بالربو بين الأطفال.

أضرار تمكن رؤيتها من الفضاءيصطدم تقييم الأثر البيئي للمنطقة الصناعية الإسرائيلية بالقيود المفروضة على الوصول إليها، وهو ما جعل إجراء البحوث الميدانية المستقلة أمراً صعباً على مدى أكثر من عقد من الزمن.

ومع ذلك، توفر صور الأقمار الاصطناعية سجلاً جزئياً.

إذ تُظهر التوسع المطرد للمنطقة الصناعية بالتزامن مع تدهور ملحوظ في التنوع البيولوجي وتآكل الطابع الزراعي للمنطقة، خصوصاً بعد عام 1983، أي عقب إنشاء مستوطنة" نيتساني شالوم"، وبين أعوام 2013 و2021، جرّفت" الإدارة الإسرائيلية" المساحات الخضراء المتبقية داخل المنطقة لإفساح المجال أمام منشآت جديدة، فمنذ عام 2013، طرحت الإدارة مخططاً لتوسيع المنطقة الصناعية، وهو ما دفع منظمة" بيمكوم" (Bimkom) الحقوقية الإسرائيلية (تركز على سياسات التخطيط العادل) إلى تقديم اعتراض رسمي نيابة عن بلدية طولكرم والأهالي، إذ رفع المقترح نسبة البناء المسموح بها من 80% إلى 200%، (كامل الأرض مضافاً إليها مساحة الطوابق) وفقاً لما تقوله ديانا ماردي، الباحثة الميدانية في منظمة" بيمكوم"، بل وسمح بزيادة ارتفاع المباني من طابقين إلى ستة طوابق".

وأشارت إلى أنه، نظراً إلى قرب المنطقة الصناعية من طولكرم، فإن المخطط افتقر إلى المبررات القانونية وتجاهل النزاعات القضائية والمخالفات البيئية.

وأضافت: " لم يكن الأمر مجرد توسيع للمنطقة الصناعية، بل كان وسيلة لإضفاء الشرعية على مبانٍ خطرة وغير قانونية".

ومع ذلك، رُفض اعتراض منظمة" بيمكوم" في النهاية، وحظي مخطط التوسع بالموافقة.

واللافت أنه في السنوات الأخيرة، استحوذت ثلاث شركات على الحصة الأكبر في المنطقة الصناعية، وهي شركة" بريما للأسمنت" (Prima Cement) المملوكة لشركة" سيمينت آي إس" (Ciment IS) وكان يملكها سابقاً جيشوري عبر شركة" كيشيت بريما" (Keshet Prima)، والشركة الثانية هي" تال إيل" (Tal El) المتخصصة في إدارة النفايات، والشركة الثالثة هي" مارغال" (Margal) المعروفة سابقاً باسم" بيليغاس" (Pelegas) وهي متخصصة في تصنيع وإنتاج خزانات الغاز للمركبات والسيارات.

أما الآثار الأكثر عمقاً في ذاكرة الأهالي، والتي رصدتها أيضاً صور الأقمار الاصطناعية، فهي تلك المرتبطة بحوادث اشتعال النيران والانفجارات الكبرى التي تقع داخل هذه المنشآت الصناعية وما ينجم عنها من أبخرة وغازات سامة، فقد وثّق جهاز الدفاع المدني في طولكرم خمسة حوادث من هذا النوع في المنطقة في الأعوام 2009 و2013 و2015 و2020 و2022، تتحول فيها النيران إلى سحابة سوداء غطت المنطقة بأكملها محملّة بأبخرة وغازات سامة ودخان أسود استمر عدة أيام، لدرجة تدفع السكان إلى مغادرة المنطقة، " فالوضع خانق ويهدد حياتنا، أضطر وأطفالي وأفراد عائلتي إلى مغادرة المنطقة حتى تنتهي آثار الحريق والدخان"، كما يقول الستيني أديب عوض، من سكان" ارتاح"، ويقع منزله على بعد 20 متراً فقط من المنطقة الصناعية.

ويتكرر حرق هذه النفايات السامة وما يتصاعد منها من أبخرة وأدخنة بشكل روتيني مرتين إلى ثلاث مرات في الأسبوع، بحسب شهادات من عمال سابقين في مصنع" ياميت" (الذي كان يعمل في قطاع معالجة المياه في" نيتساني شالوم" حتى عام 2023)، منهم أحمد المصري، الذي يوضح أنه طوال 29 عاماً قضاها في المصنع، لم تكن تأتي السلطات البيئية الإسرائيلية للتفتيش إلا حينما ترتفع أعمدة الدخان عالياً جداً، خاصةً إذا اشتكى سكان المستوطنة الاسرائيلية" نيتساني عوز"، بينما على الناحية الأخرى، تتجاهل هذه السلطات نفسها شكاوى السكان الفلسطينيين، بالرغم من أن المصانع تقع على مسافة ما بين 100 متر إلى 500 متر فقط من منازلهم.

وعلى عكس ما تبدو عليه المصانع من الأعلى، إذ تعلوها مرشّحات الغبار لفلترة الأدخنة الصاعدة منها، تكشف الصور الملتقطة لها عن طبقة الغبار الأبيض التي تغطي الأسطح والأفنية للمناطق السكنية المجاورة، ما يؤكد أنها مجرد واجهة شكلية أو أنها غير كافية لامتصاص حجم الغبار الهائل عن هذه الصناعات، مما يدمر المحاصيل الزراعية في الأراضي المحيطة، منها تلك الخاصة بفايز الطنيب الذي لم تسعفه الصوبات الزراعية لحماية نباتاته، إذ يلتصق الغبار المنبعث من المصانع بالغلاف البلاستيكي للصوبات، ويحجب أشعة الشمس، فيدمر كل شيء، وينتج محصولاً لا يمكن بيعه، ناهيك عن مياه الصرف الصحي والمجاري التي تتدفق إلى الحقل، ويضطر إلى حفر قناة لإعادة توجيهها بعيدا عن المنطقة في محاولة للحد من أضرارها.

حديث فايز تؤكده صور الأقمار الاصطناعية، بأن هذه المصانع على الأرجح لا تمتلك نظاماً فعالا لمعالجة مياه الصرف الصحي.

فبالنظر إلى كم المنشآت المنتقل إلى المنطقة، لا تكفي الخزانات الموجودة أسفل هذه المباني لاستيعاب حجم المخلفات، رغم خطورتها على الأراضي الزراعية، خصوصاً تلك الصادرة عن مصانع الأسمنت والتي تؤدي إلى إتلاف جذور النباتات مباشرة.

وتوضح الصور التي حللها فريق التحقيق أن هذه المياه تُصرف مباشرة صوب الحقول المزروعة.

سعى باحثون من جامعات طولكرم ونابلس وبيرزيت إلى كشف علاقة تلوث الهواء الناتج عن المنطقة الصناعية الإسرائيلية بالأمراض المنتشرة في المنطقة، إلا أن عملهم يواجه عقبات كبيرة بسبب نقص البيانات والقيود الميدانية، وتزداد هذه التحديات بسبب الجيش الإسرائيلي، الذي يفرض رقابة صارمة على الوصول إلى المنطقة والحقول المجاورة بذرائع أمنية.

وبناءً على طلب فريق التحقيق، أعد كل من الأستاذ المشارك باسل النتشة والمهندسة الزراعية والباحثة صفاء حمدان، وكلاهما يتبع لقسم البيئة والزراعة المستدامة بجامعة فلسطين التقنية (PTUK)، مراجعة للبحوث الأكاديمية والبيئية المتاحة بخصوص أضرار مجمع نيتساني شالوم، أشارا فيها بوضوح إلى وجود تدهور بيئي يطاول التربة والمياه الجوفية وجودة الهواء والتنوع النباتي، فضلاً عن مخاطر صحية محتملة تحدق بالأهالي في المناطق السكنية المحيطة بالمصانع، وقد وصل الأكاديميان الفلسطينيان إلى هذه النتائج رغم ما وصفاه من فجوات بحثية في ما يتعلق بدراسة المنطقة، ووفقاً لهما، تظل" سلطة جودة البيئة" الفلسطينية واحدة من المؤسسات القليلة التي حاولت تقييم الآثار البيئية والصحية والاجتماعية والاقتصادية في آن واحد.

وبالنظر إلى المستقبل، حذر كل من النتشة وحمدان من أن" الوضع البيئي في طولكرم قد يتفاقم إذا استمرت مصادر التلوث الحالية دون اتخاذ تدابير فعالة"، وشددا على الحاجة إلى إجراءات وقائية، بما في ذلك الرصد المستمر للمياه والتربة، وزيادة الوعي المجتمعي، واتباع ممارسات زراعية أكثر أماناً، ومعالجة المياه الملوثة قبل استخدامها.

وفي إفادة مكتوبة، اتفق البروفيسور نيكولا ديلساندرو، الأستاذ المشارك في قسم العلوم بجامعة" غابرييل دانونزيو" التي تقع في مدينتي كييتي وبيسكارا في إقليم أبروستو وسط إيطاليا والخبير في الكيمياء الخضراء والمحفزات البيئية، مع مخاوف الباحثين الفلسطينيين نفسها بشأن غياب تقييمات بيئية شاملة، وأن" التقارير العلمية المتاحة قليلة وأُعدت منذ مدة طويلة"، وحذر من أن مادة مثل" الديوكسينات" وهي الملوثات المعروف وجودها ضمن النفايات الصناعية، تسبب أضراراً صحية خطيرة، تشمل السرطان واضطرابات الغدد الصماء وتضرر جهاز المناعة ومشاكل في النمو، مؤكداً أن الكشف عن تبعات إلقاء النفايات السامة يتطلب عملية جمع دقيقة للبيانات تأخذ في الاعتبار المؤشرات البيئية الأكثر شيوعاً، وبحسب إفادته، تبدأ من الفحوصات البسيطة للهواء والماء وصولاً إلى قياسات أكثر تفصيلاً لمستويات الآفات والمعادن وما تحتويه من" الديوكسين".

اللافت أنه على الرغم من اللوائح الصارمة للاتحاد الأوروبي في ما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، حافظت المنطقة الصناعية" نيتساني شالوم" على علاقاتها التجارية مع شركات ومستهلكين أوروبيين، وتعد الشركات المملوكة لعائلة جيشوري أحد أبرز الأمثلة على ذلك، فقد اجتازت شركته المصنعة للإسمنت" بريما سيمنت" اختبارات مراقبة الجودة في إسبانيا، ما يعني أنها حصلت على الموافقة للتسويق في منطقة اليورو.

وهناك أيضاً شركة" بيليغاس" (المعروفة حالياً باسم مارغال) التي لا تزال تصدّر منتجاتها إلى رومانيا، الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى البرازيل وجورجيا وتركيا، رغم كونها الوحيدة في" نيتساني شالوم" التي أدرجتها مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (OHCHR) عام 2020 في قائمتها الدورية التي تحلل فيها الانتهاكات الإسرائيلية في الضفة الغربية، ويشمل ذلك المناطق الصناعية والشركات الفردية، وذلك بسبب" استخدامها الموارد الطبيعية، لا سيما الأراضي والمياه، لأغراض تجارية".

ولم يرد مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان على طلباتنا للتعليق حول سبب عدم إدراج شركات أخرى تابعة لنيتساني شالوم في قوائمها.

وتعتبر شركة بريما سيمنت المورد الرئيسي لشركتي" أوربوند" ( Orbond )، و" تامبور" Tambour، اللتين تستحوذان معًا على 80% من إنتاج الجبس في إسرائيل، الذي كان في السابق يُستخرج محلياً، ولكن مع توقف إنتاجه عام 2020، اعتمدت هذه الشركات على استيراده من اليونان، وكذلك من تركيا، حيث استحوذت شركة" سيمنت آي إس" وهي الشركة الأم لـ" بريما سيمنت"، على حصة الأغلبية في شركة" أونات بان" التركية المتخصصة في إنتاج ألواح الجبس، إلا أنه في أعقاب تدهور العلاقات التجارية بين تركيا وإسرائيل نتيجة الحرب الأخيرة على غزة، انتقلت" سيمنت آي إس" إلى استيراد المواد الخام من مصر.

واستحوذت" كناوف" (Knauf)، وهي شركة ألمانية متعددة الجنسيات متخصصة في إنتاج مواد البناء، على شركة" أوربوند" عقب 5 أعوام من تأسيسها عام 1993، وقد شغل مديرها التنفيذي كريستوف دورن بين 2024 و2025 منصب رئيس جمعية الاتحاد الأوروبي لصناعة الجبس (Eurogypsum) ومقرها بروكسل، ورغم العلاقة بين" أوربوند" وبريما سيمنت"، لم يفرض الاتحاد الأوروبي أي عقوبات أو قيود على كناوف الألمانية.

بل تخالف العلاقة مع بريما سيمنت مدونة كناوف الأخلاقية التي للمفارقة تنص المادة الأولى منها على وجوب امتثال مورديها" للقوانين واللوائح الوطنية والدولية المعمول بها، بما في ذلك الإعلان العام لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة"، وهو ما لا يتسق مع استمرار علاقتها مع الشركة التي تعمل في منطقة تُعتبر محتلة بموجب القانون الدولي.

وتخالف أيضاً المادة 4.

1 التي تنص على إلزام الموردين بالامتثال لقوانين البيئة، في حين أن إسرائيل لا تعترف بقانون البيئة الفلسطيني لعام 1999، بل إن مصنع بريما سيمنت نُقل، بحسب التقارير، إلى الضفة الغربية للتحايل على اللوائح الإسرائيلية، وبينما تنص المادة 4.

2 على ضرورة اتخاذ تدابير سليمة لتجنب التلوث وتوليد النفايات ومياه الصرف الصحي وانبعاثات الهواء، تدمر مياه الصرف الصحي غير المعالجة والسامة من مصانع نيتساني شالوم الأراضي الزراعية الفلسطينية وتهدد أدخنتها سكان طولكرم بازدياد حالات أمراض الجهاز التنفسي.

ورغم كل ذلك، أصر المتحدث باسم شركة كناوف في إفادة مكتوبة على التالي: " ملتزمون بإدارة أعمالنا وفقاً لأخلاقيات العمل والقانون والمسؤولية الاجتماعية.

ونتوقع من موردينا مشاركة هذا الالتزام وبذل جهود معقولة لتعزيز امتثال مورديهم ومقاوليهم من الباطن للمبادئ المنصوص عليها في مدونة قواعد سلوك الموردين الخاصة بنا".

أما شركة" تامبور"، فهي مسجلة في إسرائيل ولكنها مملوكة لمجموعة" كوستو"، وهي شركة قابضة كازاخستانية مُسجلة في سنغافورة، وتمتد أنشطتها لتشمل قطاعات متعددة، بما في ذلك الوقود الأحفوري والمبيدات الحشرية ومواد البناء.

ومن دولة الاحتلال تمتد أنشطة" كوستو" إلى إيطاليا، وتحديداً إلى الشركات صغيرة ومتوسطة الحجم في منطقتي فينيتو وتوسكانا.

وفي عام 2018، استحوذت تامبور على شركة الكيماويات الإيطالية" كولوريفيشيو زيتاجي" (Colorificio Zetagi) التي من خلالها استحوذت في عام 2024 على حصة 80% في شركة" فيرينلينيو" (Verinlegno) المصنعة للدهانات الصناعية.

وعلى الرغم من التغيرات الهيكلية التي جرت في ما يتعلق بملكية شركة" بريما" للإسمنت بعد الاستحواذ عليها من شركة" سيمنت آي إس" في عام 2022، فإن العلاقات التجارية مع العملاء الأوروبيين لم تتوقف، بل اتخذت أشكالاً أكثر تعقيداً.

فعلى سبيل المثال، أحد مالكي الحصص في" ٍسيمنت آي إس" هو مجموعة" إس كيه" (SK Group) التي تعمل في مجال بناء السفن، بما في ذلك السفن العسكرية وإدارة الموانئ والاستيراد والتصدير، وتنشط شركات أخرى تابعة لها في صناعة الأسلحة، وكما هو الحال في قطاعات أخرى من الاقتصاد الإسرائيلي، فإن صناعة البناء تتكامل بشكل وثيق مع المؤسسة العسكرية.

ووفقاً لقاعدة بيانات الصادرات العسكرية والأمنية الإسرائيلية، فإن إحدى الشركات التابعة لشركة" إس كيه" هي شركة" Israel Shipyards" التي لديها علاقات تجارية واسعة مع أوروبا، حيث تصدر منتجاتها إلى دول مثل قبرص (سفن الدوريات البحرية)، واليونان (زوارق الصواريخ من فئة" ساعر" )، ورومانيا (زوارق الدوريات السريعة من فئة" شالداغ" )، بالإضافة إلى دول أخرى حول العالم على رأسها أذربيجان وتشيلي وساحل العاج وهندوراس والمكسيك والفيليبين وجنوب أفريقيا وسريلانكا.

وتلعب سفن" شالداغ" التابعة لشركة" إسرائيل لبناء السفن" دوراً محورياً في الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة وتدميره.

وقد حاولنا الحصول على تعليق من عائلة جيشوري، وكذلك من جميع الشركات التي تمتلك روابط بمنطقة نيتساني شالوم، لكننا لم نتلق أي رد حتى تاريخ النشر.

تجارة أوروبية مستمرة مع المستوطناتيقر الاتحاد الأوروبي بأن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانونية بموجب القانون الدولي، لكنه في الوقت نفسه، لا يتبنى تشريعاً على مستوى الاتحاد يحظر التجارة أو العلاقات الاقتصادية معها، بل يعتمد بدلاً من ذلك على تدابير تنظيمية محدودة.

وفي عام 2025، حظرت إسبانيا وسلوفينيا، الدولتان العضوان في الاتحاد الأوروبي، الاستيراد من المستوطنات.

ارتفاع معدلات الإصابة بالربو بين الأطفالويؤكد محمود نواجعة، المنسق العام لحركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS)، أن المسألة لا تقتصر على المستوطنات بحد ذاتها، بل تشمل جميع الأراضي المحتلة عام 1967، والتي تضم الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية.

وفي واقع الأمر، يتبنى الاتحاد الأوروبي موقفاً حازماً بعدم الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على هذه الأراضي تماشياً مع القانون الدولي.

وأفادت المفوضية الأوروبية في ردها بأن" حظر التجارة و/أو الخدمات مع المستوطنات غير القانونية لم يكن جزءاً من حزمة التدابير التي اقترحتها المفوضية في سبتمبر/أيلول 2025، والتي تضمنت تعليق الأحكام التجارية للاتفاقية الأورومتوسطية بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، باعتبارها مسألة ذات أولوية قصوى"، مشيراً إلى أن البضائع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية" لا يحق لها الاستفادة من أي معاملة جمركية تفضيلية بموجب الاتفاقيات التجارية القائمة".

وهو ما علق عليه محمود نواجعة لافتا إلى أن قانون 2015 الذي يميز منتجات المستوطنات عن غيرها" غير كاف"، بل إن" بعض دول الاتحاد الأوروبي لم تلتزم به، وينبغي بذل جهود لتجريم دخول منتجات المستوطنات إلى دول الاتحاد الأوروبي".

وقال فيلي سوفندال، عضو البرلمان الأوروبي الدنماركي عن كتلة الخضر/التحالف الأوروبي الحر، إنه بصفته وزيراً للخارجية، ساهم في اتخاذ إجراء وضع ملصقات تعريفية على البضائع القادمة من المستوطنات غير الشرعية، لكنه كما يقول لمعدّي التحقيق، لم يحقق الأثر المرجو منه، داعياً إلى حظر الاتحاد الأوروبي التجارة مع المستوطنات، لأن نقل الإنتاج الملوث إلى الأراضي المحتلة يُعدّ وسيلة أخرى لتضييق الخناق على الفلسطينيين، و" على الاتحاد الأوروبي أن يوائم أفعاله مع التزامه المعلن بحل الدولتين وحقوق الإنسان، بما في ذلك تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل"، على حد قوله.

صمود المزارعين الفلسطينيينيذكر موقع مجموعة أحواض بناء السفن الإسرائيلية أن الإسمنت الذي تنتجه شركة" سيمنت آي إس" " يستوفي المعايير البيئية ويتميز بجودة أداء عالية وراحة في العمل"، على عكس ما توصل إليه التحقيق، وهو ما يتقاطع بالنسبة لبعض السكان الفلسطينيين في أن المنطقة غير قابلة للعيش، ما دفعهم للرحيل؛ بينما يصر آخرون على البقاء متمسكين بأرضهم على الرغم من الظروف المحيطة.

يظهر هذا بوضوح في تفاصيل الحياة اليومية، فالمزارع فايز الطنيب لم يعد قادراً على الذهاب إلى أرضه للعمل بعد إصابته بمرض رئوي يُرجح أنه ناجم عن سنوات من التعرض لتلوث الهواء.

وباتت مزرعته، المعروفة باسم" حاكورتنا" خاوية، بعد أن كانت تستضيف عشرات طلاب الجامعات سنوياً وتضج بالناشطين البيئيين من مختلف أنحاء العالم الراغبين في التعرف على نظام الغاز الحيوي وإنتاجها العضوي.

ومع ذلك، وفي تمام الساعة السادسة من صباح كل يوم، تسير زوجة فايز وابنه على طول المحيط الخارجي لمجمع" نيتساني شالوم" الصناعي.

وعبر طريق ترابي، يتفحصان المنطقة للتأكد من عدم وجود الجنود قبل محاولة الوصول إلى الأرض كغيرهم من العائلات الفلسطينية التي تحاول العمل والنضال من أجل الحفاظ على ما تبقى حتى مع تحول التربة إلى بقعة سامة وتراجع المحصول موسماً تلو الآخر.

ومع ذلك بعد عام ونصف عام من تلك القيود الصارمة، تسلمت عائلة الطنيب مؤخرا إنذارا بهدم منشأتين زراعيتين صادر عن الإدارة الإسرائيلية في الضفة الغربية.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك