بدأت قصة الأسير المحرر يعقوب الهوارين (35 سنة) حين اعتقل بعدما قفز من نافذة منزله في رام الله وسط الضفة الغربية، وذلك بعدما فجر جنود الاحتلال الإسرائيلي بابه ثم افلتوا كلباً عليه عضه في رجله اليمنى.
وحين سقط الهوارين على شرفة البيت المجاور أطلق قناص إسرائيلي الرصاص عليه ثم وجد نفسه بعد 25 يوماً في سرير موصول بأجهزة طبية.
أصابت رصاصات عدة كلتا رجلي الهوارين، وتسببت في معاناته لمدة عامين من الإهمال الطبي في السجون، ثم أفرج عنه الاحتلال نهاية الأسبوع الماضي.
يروي لـ" العربي الجديد" أن أحد الأطباء قال له" لا علاج للإرهابيين أمثالك.
وحصل ذلك قبل عشرين يوماً من الإفراج عني علماً أنني قضيت نحو عام في عيادة سجن الرملة، وهو سجن يضم أسرّة حديدية خرجت منه من دون إجراء العملية الجراحية التي احتاجها، وحين نُقلت إلى سجون عادية خسرت حق الحصول على الأدوية اللازمة".
أجريت العملية الأولى للهوارين بعد أسره مباشرة، لكنها لم تنجح على غرار عملية ثانية بعد ستة أشهر.
وهو فقد جزءاً من طول رجله بسبب تفتت العظم نحو 3 سنتيمترات.
وبعدها بقي نحو عام في السجون العادية من دون رعاية طبية، وظل جهاز التثبيت الخارجي في رجله اليسرى حتى خروجه من السجن.
وأجرى الهوارين صوراً طبية عدة، وأبلغه الأطباء أنه يحتاج إلى عملية جراحية أخرى، لكن إدارة سجون الاحتلال لم تسمح له بإجراء العملية بحجه أن دوره لم يصل، وكان يعاني من أوجاع شديدة في كثير من الأحيان، ومن خروج قيح وصديد من رجله بسبب جهاز التثبيت، من دون أن يتعالج بمضادات حيوية أو حتى مسكنات الآلام.
وخرج بالتالي وهو لا يستطيع السير من دون مساعدة، وقال: " لو حصلت على العلاج اللازم لكنت خرجت بعد عامين من إصابتي وأنا أمشي على قدمي.
وحالياً لا أعرف بعد أيام من الإفراج عني ما خطة العلاج والإجراءات الطبية التي أحتاج إليها وأيضاً إذا كنت سأمشي بشكل طبيعي أو شبه طبيعي".
ويؤكد الهوارين أن العلاج شبه منعدم داخل السجون، خصوصاً إذا لم يكن المريض أو الجريح في عيادة سجن الرملة الذي يضم عدداً قليلاً منهم يأخذون في العادة أدوية في شكل منتظم، لكن منذ 7 أكتوبر / تشرين الأول 2023، أي منذ حرب الإبادة، لم يحصل أسرى مختلف السجون على علاجات فعّالة، ومن عانوا من أمراض لم ينقلوا للعلاج أو إلى المستشفى إلا حين بلغوا حال الخطر الشديد.
وحتى من أصيبوا بمرض سكابيوس الجلدي (الجدري) لم يتوفر لهم علاج او مراهم إلا بعدما تفشت دمامل في أجسامهم".
وقبل حرب الإبادة أعلنت مؤسسات الأسرى ومنها نادي الأسير الفلسطيني، في تقارير، وجود نحو 600 مريض داخل السجون يعانون من أمراض بدرجات مختلفة، منهم أكثر من 20 مصاباً بالسرطان وأورام بدرجات متفاوتة.
وبعد 7 أكتوبر لم تستطيع هذه المؤسسات إحصاء عدد الأسرى المرضى بدقة.
وقالت رئيسة قسم المعلومات والتوثيق في نادي الأسير الفلسطيني آية شريتح لـ" العربي الجديد": " ليس لدينا معلومات دقيقة عن المرضى والجرحى لأن الأعداد بالآلاف، خصوصاً بعدما تفشى مرض سكابيوس الجلدي في السجون، وانتشر التجويع الممنهج، ومعظم أسرى سجون الاحتلال يمكن تصنيفهم بأنهم مرضى وجرحى".
وأفادت بيانات نادي الأسير بأن الاحتلال" يستخدم المرض أداةً لتعذيب الأسرى في السجون، خصوصاً مرض سكابيوس، الذين يعمّد إداريو السجون الإبقاء على الظروف المسببة له من خلال تقليل مواد التنظيف والمطهّرات، وحرمان الأسرى من الاستحمام المنتظم، وعدم توفير الملابس النظيفة، إذ يملك معظم الأسرى غياراً واحداً فقط، وهم يجبرون على غسل ملابسهم يدوياً، ويمنعون من تجفيفها في الهواء، ما يُبقيها رطبة ويساهم في نشر الأمراض الجلدية".
ولخص المحامي المتخصص بشؤون الأسرى حسن عبادي، في حديثه لـ" العربي الجديد"، الوضع الطبي في سجون الاحتلال والتغيرات التي حصلت بعد 7 أكتوبر 2023 بأن" الوضع كان مختلفاً قبل هذا التاريخ.
ورغم أنني كنت أسمي الرملة بالمسلخ، لكن كان يتوفر علاجات وفحوصات الطبية داخله.
وبعد 7 أكتوبر تحوّل الأمر إلى إهمال طبي مطلق، فالفحوص معدومة تقريباً، ولا علاجات لمرضى السكري والسرطان والحوامل، وأيضاً لمن يعانون من أوجاع في الأسنان تتزايد بسبب نوع الطعام الجاف، كما انتشر مرض سكابيوس (الجرب)".
وأكد عبادي أن" انتشار الأمراض نتيجة مباشرة لظروف السجن والنظافة.
وزرت أخيراً أسيرتين في سجن الدامون، وعُصبت عينا إحداهما بكيس أسود مثل الكيس الذي يستخدم للقمامة، والأخرى بكمامة طبية من الواضح أنها مستخدمة، ما يزيد احتمال الإصابة بأمراض.
وينتشر سكابيوس (الجرب) بسبب الملابس المتسخة وعدم التهوية وإغلاق الغرف وانعدام مواد النظافة، وأيضاً بسبب عدم توفير العلاج، ما يؤدي إلى حكة دائمة له على مدار 24 ساعة، وعدم القدرة على النوم، والإرهاق والتعب النفسي والجسدي.
وعن عيادة أو مستشفى سجن الرملة، يكرر عبادي وصفه بأنه" مسلخ، والممرضون والأطباء داخله سجانون، والمرضى يكبلون بالسرير بالأصفاد على مدار 24 ساعة".
وهو ينتقد الإهمال القانوني من المؤسسات العامة المحلية أو الدولية في متابعة هذا الملف المهم في ظل غياب زيارات الصليب الأحمر الدولي للسجون بعدما منعها الاحتلال بعد 7 أكتوبر 2023، والمعالجة القانونية لهذا الملف هزيلة ولا ترقى إلى حجمه".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك