لم تعد الأسئلة الكبرى التي تواجه العراق تبدأ من بغداد وتنتهي عند حدودها، بل أصبحت تمتد إلى واشنطن وطهران، مروراً بعواصم الخليج وأنقرة وأوروبا، حيث يعاد رسم خرائط النفوذ، وتتشكل تحالفات جديدة، وتتنافس القوى الكبرى على الممرات التجارية والطاقة والتكنولوجيا أكثر مما تتنافس على ميادين القتال.
وفي قلب هذه التحولات يقف العراق، لا باعتباره مجرد دولة نفطية، بل بوصفه عقدة جغرافية وسياسية واقتصادية تمتلك من المقومات ما يؤهلها للانتقال من هامش الأحداث إلى مركزها، إذا ما أحسن استثمار اللحظة التاريخية التي يعيشها.
ولذلك، فإن زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن لا يمكن النظر إليها من زاوية البروتوكول الدبلوماسي أو العلاقات الثنائية وحدها، لأن ما يدور خلف أبواب الاجتماعات يتجاوز الملفات التقليدية، ليمتد إلى مستقبل الشراكة الاستراتيجية، وأمن الطاقة، وإصلاح القطاع المالي والمصرفي، واستقطاب الاستثمارات، وتحديث البنية التحتية، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز التعليم، والاقتصاد الرقمي، وربط العراق بالمشروعات الإقليمية الكبرى التي ستحدد خريطة التجارة العالمية خلال العقود المقبلة.
فالعالم لم يعد يسأل كم برميلا ينتج العراق يومياً، بل يسأل ايضاً: هل يستطيع أن يكون معبراً للطاقة، ومركزا للنقل، وحلقة وصل بين الخليج وتركيا وأوروبا، ومنصة لسلاسل الإمداد التي تبحث عن مسارات أكثر أمناً واستقراراً؟غير أن الاقتصاد، في السياسة الدولية، لا يتحرك منفصلًا عن الأمن، ولا تنفصل الاستثمارات عن الاستقرار، ولا تأتي الشركات العالمية إلى بيئة يطغى عليها الغموض القانوني أو الاضطراب السياسي.
ولهذا، فإن الإصلاح المالي، وتطوير القطاع المصرفي، وترسيخ الحوكمة، ومكافحة الفساد، وحماية العقود، وتسريع الإجراءات، وتعزيز استقلال القضاء، ليست مطالب اقتصادية فحسب، بل مفاتيح لبناء الثقة بين العراق وشركائه الدوليين، وتحويل الإمكانات النظرية إلى مشاريع واقعية تُسهم في تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط الخام.
وفي المقابل، لا يمكن فصل هذه المعادلة عن التوازن الدقيق الذي يفرضه موقع العراق بين الولايات المتحدة وإيران.
فالعراق يرتبط مع واشنطن بشراكات أمنية واقتصادية وسياسية، كما يرتبط مع طهران بحدود طويلة، ومصالح تجارية واسعة، وروابط اجتماعية ودينية وجغرافية لا يمكن تجاهلها.
ومن هنا، فإن نجاح السياسة العراقية لا يكمن في الانحياز إلى أحد الطرفين، بل في بناء علاقة متوازنة مع كليهما، تُدار وفق معيار السيادة والمصلحة الوطنية، بما يحول دون جرّ العراق إلى سياسة المحاور أو تحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
ولعل التحدي الأكبر يتمثل في أن المنطقة تعيش مرحلة تتداخل فيها العقوبات الاقتصادية مع أمن الملاحة، والملف النووي مع أسواق الطاقة، والمنافسة الجيوسياسية مع الاقتصاد العالمي.
وهذا يجعل أي خطوة عراقية موضع متابعة دقيقة من القوى الإقليمية والدولية، ويضاعف الحاجة إلى سياسة خارجية رصينة قادرة على توسيع الشراكات الدولية من دون الإضرار بالعلاقات مع دول الجوار، وإلى خطاب سياسي يرسخ أن العراق يسعى إلى بناء الجسور لا إلى تعميق الانقسامات.
وفي الداخل، تبدو الصورة أكثر وضوحاً؛ إذ لا يمكن لأي انفتاح خارجي أن يحقق أهدافه إذا بقيت الملفات الوطنية الكبرى معلقة.
فاستقرار العلاقة بين بغداد وأربيل، وحسم القضايا المرتبطة بالنفط والغاز، والموازنة العامة، ورواتب الموظفين، وإدارة المنافذ الحدودية، وتوحيد الرؤى الاقتصادية، كلها أصبحت عناصر ينظر إليها المستثمرون والمؤسسات المالية الدولية بوصفها مؤشرات مباشرة على استقرار الدولة العراقية وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها.
ومن هنا، فإن بناء الثقة يبدأ من الداخل قبل أن يُترجم إلى شراكات في الخارج.
وفي هذه المعادلة، تبرز رئاسة إقليم كوردستان بوصفها شريكا دستوريا في ترسيخ الاستقرار، ودعم الحوار بين بغداد وأربيل، وتقريب وجهات النظر في القضايا السيادية والاستراتيجية، بما يعزز وحدة الموقف العراقي، ويمنح الدولة قدرة أكبر على التفاوض مع شركائها الدوليين من موقع أكثر تماسكاً.
فكلما تعززت الشراكة الدستورية بين مؤسسات الدولة الاتحادية والإقليم، ازدادت ثقة المجتمع الدولي بقدرة العراق على إدارة موارده، وتنفيذ التزاماته، وتحويل التنوع السياسي إلى عنصر قوة، لا إلى سبب للخلاف.
كما أن مستقبل العراق لن يتحدد بحجم احتياطاته النفطية وحدها، بل بقدرته على استثمار الغاز، وتطوير الصناعات التحويلية، وتوسيع إنتاج الكهرباء، والاندماج في مشاريع الربط الكهربائي، وإنجاز طريق التنمية، وتحديث الموانئ والسكك الحديدية، وتهيئة بيئة تشريعية وإدارية تجعل البلاد نقطة جذب للاستثمارات، لا سوقاً تنتظر تقلبات أسعار النفط.
فالدول التي تتقدم اليوم هي تلك التي تصنع قيمة مضافة من موقعها ومؤسساتها، لا تلك التي تكتفي بتصدير مواردها الخام.
ويبقى أن مستقبل العراق لن يُحسم في اجتماع واحد، ولا في زيارة واحدة، ولا في عاصمة واحدة.
إنه يُحسم عندما تتحول الرؤية إلى سياسة، والسياسة إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى إنجازات يشعر بها المواطن قبل أن يقرأها العالم في التقارير الدولية.
وعندها فقط، يمكن للعراق أن ينتقل من دولة تتأثر بصراعات الآخرين إلى دولة تؤثر في معادلات المنطقة، وأن يتحول من ساحة تتقاطع فوقها المصالح إلى شريك فاعل في صياغة مستقبل الشرق الأوسط، مستندا إلى سيادته، ووحدة مؤسساته، وشراكاته المتوازنة، وقدرته على جعل الجغرافية مصدرا للقوة، لا عبئا تفرضه الجغرافية السياسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك