طوال السنوات الماضية، جرى النظر إلى حكومة إقليم كوردستان بوصفها حكومة إدارة أزمات أكثر من كونها حكومة استقرار طبيعي.
وهذا توصيف مهم عند تقييم أدائها، لأنها عملت في بيئة شديدة التعقيد شملت الانسداد مع بغداد، والأزمات المالية، والضغط الأمني الإقليمي، فضلًا عن انعكاسات التباينات بين القوى الكوردية نفسها.
وفي ما يتعلق بالانسداد السياسي داخل الإقليم، رأت قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني أن الأزمة لا تُحل بالتمسك بمنصب محدد، بل عبر تسوية أوسع تتعلق بتشكيل السلطة وتوزيعها.
كما أن هذا الحزب كان يميل، في بعض المراحل، إلى خيار إعادة الانتخابات إذا بقيت المفاوضات عالقة، في إشارة إلى رغبته في كسر الجمود بدل القبول بتسوية لا تحقق توازناً سياسياً مرضياً.
ومن هذا المنطلق، كان يرى أن الأزمة لا ترتبط بالحزبين الرئيسيين فقط، بل تمتد أيضاً إلى تشابك الحسابات بين أربيل وبغداد.
وعند إستعراض أداء حكومة السيد مسرور بارزاني خلال تلك السنوات الصعبة، يمكن التوقف عند المحاور الآتية:حافظت الحكومة على حضور إقليم كوردستان في التفاوض مع بغداد، ولم تفقد موقعها التمثيلي، وهو أمر يُحسب لها في بيئة عراقية معقدة.
لكن في المقابل، بقيت العلاقات مع بغداد عرضة للتوتر المتكرر، خصوصاً بسبب ملفات النفط والإيرادات والصلاحيات، ما جعل الإنجاز السياسي جزئيًا أكثر منه حاسماً.
كما ركز خطاب الحكومة على حماية الحقوق الدستورية للإقليم، لكن المناكفات السياسية حالت دون تحويل هذا الخطاب إلى تسويات مستقرة طويلة الأمد.
وعلى الصعيد الخارجي، تمكنت حكومة الإقليم من توسيع مستوى التفاهم والتنسيق مع مختلف الدول الإقليمية والدولية، بالاضافة طبعاً الى (العلاقة المميزة) مع الدول العظمى والمنظمات الدولية مستفيدة من الخبرة السياسية المتراكمة لدى رئيس الحكومة وعلاقاته السياسية الممتدة منذ عهد الوالد الزعيم مسعود بارزاني، كما ولازالت توجيهاته وعلاقاته السياسية لها النفوذ المؤثر داخلياً وخارجياً.
إحتفظ الإقليم بدرجة عالية نسبياً من الاستقرار الداخلي مقارنة بكثير من مناطق العراق، وهو عنصر مهم يُحسب للحكومة.
غير أن هذا الاستقرار جاء في بيئة إقليمية مضطربة، جعلت التحديات الأمنية في كوردستان متشابكة ومركبة.
وأبرز هذه التحديات تمثل في خمس دوائر رئيسية:1-تهديدات الطائرات المسيّرة والصواريخ، إذ تأثر الإقليم مباشرةً بموجات التوتر بين إيران والولايات المتحدة، وما رافقها من رسائل عسكرية عبر الأراضي العراقية.
2-نشاط الفصائل المسلحة، حيث شكّل وجود قوى خارج سيطرة الإقليم الكاملة تحدياً مستمراً للأمن والاستقرار.
3-التوتر في المناطق المتنازع عليها، ولاسيما في محيط كركوك ومخمور وسنجار، وهي مناطق يمكن أن يتحول أي اهتزاز أمني فيها إلى أزمة سياسية بين أربيل وبغداد.
4-ملف الجماعات المعارضة الكوردية المسلحة، وهو من أكثر الملفات حساسية بسبب ما يترتب عليه من ضغوط إقليمية، خاصة من جانب تركيا وإيران.
5-الإرهاب والجريمة المنظمة، إذ بقيت الحكومة تعمل تحت ضغط تهديدات أمنية غير تقليدية، من دون أن تسمح بتحولها إلى انهيار أمني واسع.
وبالمحصلة، نجحت حكومة مسرور بارزاني في منع الانفلات الأمني الكبير داخل الإقليم، لكنها لم تستطع أن تعزل كوردستان تماماً عن ارتدادات الصراع الإقليمي والعراقي الأوسع وهو موقف لا تلام عليه الحكومة لانه أكبر من إمكانيات أي دولة إقليمية.
لذلك، يمكن القول إن نجاحها الأمني كان دفاعياً بالدرجة الأولى، أي نجاحاً في الاحتواء ومنع التدهور والمحافظة على وحدة وسلامة الاقليم.
تبدو الصورة أكثر تعقيداً.
فهناك من يرى أن الحكومة دفعت باتجاه تحديث الإدارة، وتوسيع مشاريع الرقمنة، وتحفيز الاستثمار والبنية التحتية.
لكن في المقابل، ظل الملف المالي شديد الهشاشة بسبب أزمة الرواتب، والخلافات النفطية، والاعتماد الكبير على التفاهمات مع بغداد.
ولهذا، يمكن وصف الأداء الاقتصادي بأنه تقدم واضح في بعض المسارات، لكنه تقدم ظل مثقلًا بكلفة سياسية ومالية عالية.
بالمحصلة وإذا أخذنا الظروف الداخلية والإقليمية الصعبة بعين الاعتبار، فالحكم الأقرب إلى الإنصاف هو أن حكومة السيد مسرور بارزاني حققت قدرة ملحوظة على الصمود وسط متغيرات كبرى.
فقد نجحت في إبقاء مؤسسات الإقليم تعمل، ومنعت الانهيار، وحافظت على مستوى مقبول من التماسك السياسي والأمني بل وحتى الاجتماعي.
لكن التحدي الأكبر ما يزال قائماً في تحويل هذه القدرة على إدارة الأزمات إلى تسوية مستدامة مع بغداد، وإلى تفاهم أعمق داخل البيت الكوردي نفسه.
والمؤشرات الايجابية تبدو واضحة من خلال العلاقة المتنامية بين بغداد واربيل والمبنية على التفاهم والتنسيق والرؤية المشتركة على كافة الأصعدة وأول هذه المؤشرات هو التعاون والتنسيق المشترك في مكافحة الفساد وإستعادة الأموال المنهوبة التي كانت موجودة داخل الاقليم مع تسليم المطلوبين في الحملة الاخيرة.
لذلك، يمكن القول إننا أمام حكومة ثبات وإنجازات، وهي أيضاً تقف على أعتاب تحوّل كبير نحو إصلاح أعمق وأكثر استدامة، مع توافر الظروف المساعدة لذلك الداخلية والخارجية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك