عادة ما يتفنن كبار الفاسدين ولصوص المال العام في إخفاء أموالهم المنهوبة، وطمس معالم جرائمهم المالية سواء كانت رشى أو غسل أموال قذرة أو نهب مال عام أو مشاركة عصابات في جرائم الإثراء غير المشروع والاتجار في تجارة الآثار والمخدرات والرقيق الأبيض.
يحدث هذا الإخفاء مرة عبر تهريب تلك الأموال للخارج وإيداعها في مصارف غربية أو استثمارها في بورصات وسندات ومعادن نفيسة، ومرة عبر غسلها في ملاذات خارجية آمنة ولدى دول وجزر في المحيط الهادئ تتغذى على حصائل الجرائم المالية من غسل أموال وتهرب ضريبي وغيرهما، فعلى الأقل يتم إخفاء تلك الأموال في أماكن من الصعب تعقبها أو كتابتها بأسماء أقارب ومعارف.
لكن ما حدث في العراق ينم إما عن غباء اللصوص والفاسدين بشأن التصرف في حصائل الأموال المنهوبة، أو حجم جرأة شديدة من قبل هؤلاء على المال العام واطمئنانهم الشديد إلى أن يد العدالة لن تمتد إليهم، وأن حصيلة الأموال المنهوبة باتت محصنة من أي ملاحقة قضائية، أو عدم قدرة على تهريب الأموال للخارج، ولذا أخفى هؤلاء الأموال والذهب المنهوب داخل المنازل والسراديب والحوائط، بل وداخل زجاجات مياه فارغة وبراميل بلاستيكية وكراتين ورقية.
ما حدث في العراق ينم إما عن غباء اللصوص والفاسدين بشأن التصرف في حصائل الأموال المنهوبة أو حجم جرأة شديدة واطمئنانهم إلى أن يد العدالة لن تمتد إليهمقبل أيام أطلقت الحكومة العراقية حملة واسعة لملاحقة الفاسدين وناهبي المال العام، ومحاولة تجفيف منابع الفساد عبر حملة" صولة الفجر" التي أطاحت بالفعل بشبكات معقدة واستردت مليارات الدنانير، وأسفرت عن اعتقال عشرات المسؤولين الحاليين والسابقين ونواب بالبرلمان وشخصيات نافذة بالدولة متهمة بارتكاب جرائم فساد مالي وإداري.
وقادت الحملة إلى اعترافات كشفت عن خريطة شبكات فساد معقدة تستولي على المال العام وتجذرها داخل مؤسسات الدولة.
كما تحركت هيئة النزاهة العراقية لملاحقة الفاسدين وإعداد ملفات لاسترداد مئات المتهمين المقيمين خارج البلاد، وتقديم طلبات للمساعدة القانونية بهدف تتبع أموال يُشتبه في تهريبها إلى الخارج.
الحملة في العراق تبدو طبيعية وتحدث من وقت لآخر وتستهدف وقف نزيف النهب للمال العام في ظل أرقام مرعبة وفلكية تشير إلى أن الدولة تعوم على بحار من الفساد، وأن حجم الأموال المهدورة والمختلسة تقدر بنحو 700 مليار دولار منذ عام 2003، وأن فاتورة الفساد تتجاوز قيمتها نصف تريليون دولار، وهو ما يعادل نحو 30% من إيرادات الدولة، وأن الفساد تسبب في إفقار العراقيين وتجويعهم ونشر البطالة والعشوائيات وعجز السكن، وتأجيل تنفيذ المشروعات الخدمية والتنموية المتعلقة بالمواطن والذي تم حرمانه من أبسط الحقوق، بل وإغراقه في الظلام والتضخم وزيادة كلفة المعيشة وتآكل العملة وتهاوي المدخرات.
قادت الحملة إلى اعترافات كشفت عن خريطة شبكات فساد معقدة تستولي على المال العام وتجذرها داخل مؤسسات الدولةلكن ما يستوقفك في التحقيقات المتعلقة بملفات وقضايا الفساد الحالية هو حجم جرأة الفاسدين وإخفاء الأموال المنهوبة داخل مخابئ بدائية، أو اللجوء إلى طرق بدائية ومثيرة للاستغراب، مثل دفنها تحت الأرض وفي حفر عميقة، أو تخبئتها في أماكن سرية يظنون أنه من الصعب الوصول إليها، أو الاحتفاظ بالأموال خارج البنوك العراقية، أو في صورة خيول وعقارات فارهة، مع بناء شبكة مالية معقدة.
في قضية نائب وزير النفط عدنان الجميلي، الذي جرى اعتقاله قبل أيام، ضبطت السلطات 375 كيلوغراماً من الذهب مخبأة داخل منزله في مدينة تكريت، و14 مليار دينار (نحو 10.
6 ملايين دولار) إضافية مخبأة داخل حفرة لتصريف الأمطار، فضلاً عن العقارات والسيارات، وفي قضية أخرى تم ضبط أموال داخل زجاجات مياه بلاستيكية، كما عثرت السلطات خلال مداهمة منزل النائبة هند العباسي على 57 مليون دولار نقداً، و27 كيلوغراماً من الذهب الخالص، ومقتنيات ثمينة أخرى، جرى التحفظ عليها.
ما يستوقفك في التحقيقات المتعلقة بملفات وقضايا الفساد الحالية هو حجم جرأة الفاسدين وإخفاء الأموال المنهوبة داخل مخابئ بدائية أو اللجوء إلى طرق بدائية ومثيرة للاستغرابتكرر المشهد مع 21 مسؤولا متهما بالضلوع في قضايا فساد مالي وإداري جرى اعتقالهم قبل أيام من قبل الحكومة، فقد ابتكر بعض هؤلاء طرقاً عدة لإخفاء الأموال المنهوبة، وقبل أيام ضبطت السلطات مبالغ تقدّر بعشرات ملايين الدولارات مخبّأًة في حفرة بعمق أربعة أمتار تحت الأرض، وأخفى فسدة 20 مليون دولار أسفل قناة مائية، ولجأ المتهم وكيل وزارة النفط والمدير العام الأسبق لشركة نفط ميسان علي معارج البهادلي إلى وضع الأموال خلف حائط وهمي وبالقرب من حمام سباحة خاص، وأخرجت قوات الأمن" رُزم" دولارات من داخل جهاز تكييف بمنزل أحد المتهمين بقضايا الفساد، بل وصل الأمر ببعض العراقيين إلى حد إطلاق مزاعم حول ضبط ملابس داخلية مصنوعة من الذهب بحوزة إحدى المتهمات في قضايا الفساد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك