تعد المازوركا من أكثر الرقصات الشعبية حضوراً في عالم الباليه الكلاسيكي، حيث انطلقت تلك الرقصة الريفية البولونية من موطنها الأصلي في إقليم مازوفيا في بولندا، لتصبح جزءاً من التراث الفني الأوروبي والعالمي.
منذ القرن السادس عشر نشأت المازوركا كرقصة شعبية تؤدى في المناسبات الاجتماعية وحفلات الزفاف والأعياد، فكانت فناً فطرياً أو إبداعاً جماعياً، ارتبط بمجموعة من الناس في مكان معين، ثم انتقلت من الريف إلى قصور النبلاء، ثم إلى المسارح الكبرى.
أعاد صياغتها مؤلفون من عباقرة الموسيقى الكلاسيكية، وقدمها مصممو الباليه الكلاسيكي ضمن تقنيات الباليه، مع الحفاظ على جذورها الشعبية وخصائصها الحركية المميزة.
المازوركا رقصة جماعية جميلة تعتمد على التفاعل بين الرجل والمرأة، حيث يجتمع الراقصون أزواجاً، وتتميز بإيقاعها الثلاثي السريع المفعم بالحيوية، ودق القدمين وقرع الكعبين وخطوة الهالوبيك، أو الدوران الذي يقوم به كل زوج من الراقصين.
كما أنها من الرقصات التي تثير المشاعر القومية، حيث الخيلاء والاعتزاز بالهوية، خصوصاً مع القوة الإيقاعية المتمثلة في الضربة الثانية أو الثالثة.
تضم هذه الرقصة عدة أشكال أو ألوان حركية، كالمازور الأسرع والأكثر حيوية، والكوجافياك الأكثر هدوءاً وشاعرية، والأوبيريك السريع القائم على الدوران.
ارتبطت المازوركا بالموسيقار فريدريك شوبان بشكل كبير، حيث ألف 55 قطعة موسيقية في هذا القالب الموسيقي، الذي ارتقى من خلاله برقصة شعبية وأضافها إلى القوالب الموسيقية الكلاسيكية.
لم ينقل شوبان الألحان الشعبية نقلاً حرفياً، بل أعاد صياغتها بلغة موسيقية هارمونية، وقام بالتعبير عن خصائصها الإيقاعية واللحنية، بتعبير فني عميق وجماليات رفيعة.
تجاوز شوبان الوظيفة الراقصة للمازوركا، وقام بتوسيع هذا القالب وإمكانياته التعبيرية، من خلال التلوين الهارموني، والمرونة الإيقاعية والتحولات المقامية، وكون من عناصرها نسيجاً موسيقياً جديداً، فأصبحت مؤلفاته للمازوركا نموذجاً فريداً يجمع بين الفولكلور والابتكار الموسيقي، ويعكس الهوية والوجدان القومي، وتبرز جانباً كبيراً من أسلوب شوبان التأليفي.
ألف شوبان معظم مازوركاته بعد أن غادر بولندا واستقر في باريس، فكانت تلك المقطوعات تعبيراً عن الحنين للوطن ومحاولة للتشبث بالهوية الوطنية، وربما هذا ما يمنحها الطابع التأملي الذي لا يقدم صورة مباشرة للرقصة الشعبية، وإنما يعكس ذكريات وانطباعات شاعرية عنها.
تتنوع مازوركات شوبان من حيث البناء والتعبير والمعالجة الهارمونية، وتعد من أهم المقطوعات الكلاسيكية التي يسعى إليها أمهر العازفين، وقد أسهمت في ترسيخ مكانة المازوركا كقالب موسيقي بديع، وألهمت بعض مؤلفي الموسيقي الكلاسيكية بأن يستمدوا الخصائص الموسيقية القومية في أعمالهم، مقتدين بشوبان الذي حول رقصة شعبية بسيطة إلى عالم موسيقي بالغ الثراء.
المازوركا في عالم الباليهتعد المازوركا في باليه كوبيليا من أشهر الأمثلة على حضور هذه الرقصة القومية البولندية في الباليه الكلاسيكي، جاءت الرقصة ضمن احتفالات قروية لتعبر عن البهجة والحياة الاجتماعية، على عكس بعض الباليهات الأخرى، التي قدمت فيها المازوركا ضمن حفلات البلاط الملكي، حافظت الرقصة في هذا العمل على خصائصها الأصلية من إيقاع ثلاثي، والخطوات ذات الطابع القوي الواثق، والدورانات والقفزات الخفيفة، والتفاعل الجماعي بين الراقصين.
وفي باليه «الجميلة النائمة» تأتي المازوركا ضمن المشهد الاحتفالي الضخم في القسم الأخير، وتظهر في صورة أكثر أرستقراطية تتناسب مع أجواء البلاط الملكي.
على وقع موسيقى تشايكوفسكي ذات الإيقاع الحيوي، تنتقل الطاقة الاحتفالية الكبيرة بين مجموعات الراقصين بتشكيلاتهم الدقيقة، حيث تتناغم حركة الأزواج مع المجموعات الكبيرة لتخلق تكوينات مبهرة.
وفي باليه آخر من باليهات تشايكوفسكي هو «بحيرة البجع»، تظهر المازوركا كرقصة قومية تضيف تنوعاً ثقافياً وإيقاعياً إلى هذا العمل الفذ الخالد.
تأتي الرقصة في الفصل الثالث خلال الاحتفال الكبير في قصر الأمير، حيث تتجمع الأميرات والضيوف من النبلاء من مختلف البلاد، في محاولة لإيجاد عروس مناسبة للأمير، وتكون المازوركا واحدة من ضمن رقصات قومية أخرى يضمها العمل.
احتفظ تشايكوفسكي بالسمات الأساسية للرقصة البولندية الشعبية، من الإيقاع الحيوي إلى الطابع الاحتفالي، لكنه صاغ كل ذلك بلغة موسيقية أوركسترالية فخمة تناسب مكان وأجواء القصة.
أما الرقص فجاء في صورة جماعية بطبيعة الحال، يعتمد على التشكيلات المنظمة للأزواج، والخطوات ذات الطابع الأرستقراطي، والقفزات الخفيفة والحركات التي تعبر عن الفخر والبهجة في الوقت نفسه.
كما نجد حضوراً للمازوركا في أكثر من باليه كلاسيكي، نجد لها حضوراً مختلفاً في عمل آخر هو «باليه شوبينيانا»، الذي قدم معالجة فنية مغايرة تماماً لمفهوم المازوركا في الباليه الكلاسيكي.
صمم ميشيل فوكين هذا العمل على مجموعة من مؤلفات شوبان، من دون أن يعتمد على قصة أو أحداث درامية، بل سعى إلى تجسيد الحالة الشعرية الكامنة في الموسيقى نفسها، وهنا لا نرى المازوركا كرقصة قومية بملابسها وخطواتها الفولكلورية، وإنما نراها كعنصر تعبيري يذوب داخل نسيج التصميم الراقص.
عبر فوكين عن الحيوية الإيقاعية والنبض المميز لمازوركات شوبان، لكنه استبدل الخطوات والضربات القوية التي تميز المازوركا التقليدية، بحركات أكثر خفة وانسياباً، حيث الخطوط الممتدة والانتقالات الناعمة، والإحساس المستمر بالتحليق.
وهكذا تحولت المازوركا في هذا العمل إلى ما يشبه التأمل الشاعري في الإيقاع، وليس استعراضاً للهوية القومية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك