عاد مضيق هرمز إلى صدارة المشهد الإقليمي مع تصاعد التهديدات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت تداخلت فيه الحسابات العسكرية مع رهانات التفاوض، وبرزت أسئلة جديدة حول من يملك حق حماية الممر البحري الأهم في العالم، ومن يستطيع فرض قواعد المرور فيه، وما إذا كانت الساعات المقبلة ستقود إلى مواجهة أوسع تتجاوز هرمز نحو باب المندب واليمن.
ورأى المشاركون في حلقة" نقاش الساعة" على قناة الجزيرة أن المنطقة تتجه إلى مرحلة جديدة عنوانها" الحصار مقابل الإغلاق"، بعد انهيار مذكرة التفاهم، مع اختلاف واضح في تقدير مآلات هذه المواجهة وحدودها العسكرية والسياسية.
ورسم نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابق سيرجيو ديلا بينيا ملامح المقاربة الأمريكية من خلال النقاط التالية:إدارة الرئيس دونالد ترمب اختارت العودة إلى سياسة الحصار باعتبارها أداة ضغط رئيسية.
الهدف النهائي هو إبقاء مضيق هرمز مفتوحا أمام الملاحة الدولية.
لا تزال قنوات التواصل مع إيران مفتوحة، بما يتيح إمكانية العودة إلى المفاوضات.
العمليات العسكرية قد تستمر، لكن ضمن سقف يسمح ببقاء المسار الدبلوماسي قائما.
جميع الخيارات، بما فيها الخيار البري، ما زالت مطروحة إذا تطلبت التطورات ذلك.
في المقابل، اعتبر مدير المركز العربي للدراسات الإيرانية محمد صالح صدقيان أن طهران استوعبت الرسائل والتهديدات الأمريكية الأخيرة، وبدأت الاستعداد لمرحلة مختلفة من الصراع عنوانها السيطرة على حركة الملاحة في مضيق هرمز.
وقال إن إيران تلقت إشارات واضحة عقب إعلان انتهاء مذكرة التفاهم، وإنها تتجه إلى إغلاق المضيق بالكامل إذا دخل الحصار الأمريكي حيز التنفيذ، بحيث تشمل الإجراءات الإيرانية جميع مسارات العبور شمالاً وجنوباً.
ورجح ألا تقتصر المواجهة المقبلة على الرد على العقوبات، بل ستدور حول فرض السيطرة على المضيق وفرض معادلات جديدة فيه، مؤكداً أن باب المندب واليمن يشكلان أيضاً جزءاً من أوراق الضغط التي تمتلكها طهران في المرحلة المقبلة.
واتفق عدد من ضيوف" نقاش الساعة" على أن المنطقة لا تتجه نحو العودة إلى الحرب الواسعة التي شهدتها في السابق، وإنما إلى مرحلة جديدة من الصراع تقوم على عمليات عسكرية محدودة تترافق مع ضغوط اقتصادية وتحركات دبلوماسية متقطعة.
وفي هذا السياق، رأى أستاذ النزاعات الدولية الدكتور إبراهيم فريحات أن المشهد سيعود إلى ما كان عليه قبل توقيع مذكرة التفاهم، مع اتجاه إيران إلى إعادة إغلاق مضيق هرمز واستئناف الولايات المتحدة سياسة الحصار البحري، بالتزامن مع عودة الوسطاء لمحاولة احتواء التصعيد.
واعتبر أن طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب فرض رسوم بنسبة 20% على السفن العابرة يمثل تطورا جديدا في الأزمة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن فتح المضيق بالقوة العسكرية، وإن كان ممكنا من الناحية النظرية، فإنه سيكون باهظ الكلفة سياسيا وعسكريا وبشريا، بما يجعل اللجوء إليه خياراً شديد التعقيد.
أما الخبير العسكري والإستراتيجي العميد إلياس حنا، فرأى أن الضربات الأخيرة على السواحل الإيرانية لا يمكن فصلها عن التحضيرات الأمريكية لمرحلة الحصار الجديدة.
ويشرح حنا هذا التقدير عبر:الضربات الحالية تستهدف إضعاف القدرات الإيرانية الساحلية.
الهدف هو تأمين مرور السفن عبر المسار الجنوبي للمضيق.
السيطرة العسكرية على هرمز تتطلب حربا بحرية وجوية وبرية في آن واحد.
أي تدخل بري يحتاج إلى أعداد ضخمة من القوات وغطاء سياسي وتشريعي أمريكي.
فرض الرسوم على الملاحة يثير أيضا إشكالات قانونية وسياسية.
وأثار إعلان الرئيس الأمريكي عزمه فرض رسوم بنسبة 20% على السفن العابرة لمضيق هرمز واحدا من أكثر محاور النقاش إثارة، بعدما انقسم الضيوف بين من نظر إليه باعتباره جزءا من إستراتيجية فرض الحماية الأمريكية للممر البحري، ومن اعتبره إجراء يفتقر إلى أي سند قانوني، بينما رأى آخرون أن كلفته ستنعكس في نهاية المطاف على المستهلكين.
وتبلورت أبرز مواقف ضيوف" نقاش الساعة" حول هذه النسبة في النقاط التالية:الدكتور إبراهيم فريحات أوضح أن نسبة الـ20% تعني عمليا فرض نحو 20 مليون دولار على ناقلة نفط تبلغ قيمة حمولتها قرابة 100 مليون دولار، مقارنة بنحو مليون دولار فقط تدفعه السفن لعبور قناة السويس، معتبرا أن الفارق يعكس حجم الرسوم المقترحة.
العميد إلياس حنا رأى أن الرسوم تمثل خروجا على قواعد القانون الدولي، معتبرا أن واشنطن، وهي تتهم إيران بانتهاك القانون الدولي، تطرح بدورها إجراء يثير الإشكالات القانونية نفسها.
سيرجيو ديلا بينيا شدد على أن ما طرحه ترمب لا يزال مجرد مقترح قابل للنقاش، موضحا أن الرئيس الأمريكي استخدم عبارة" يجب أن تكون 20%"، بما يعني أن النسبة قد ترتفع أو تنخفض تبعاً لتطورات الميدان والمفاوضات، وأن الهدف الأساسي هو تشكيل جبهة موحدة لضمان أمن الملاحة.
محمد صالح صدقيان نقل وجهة النظر الإيرانية، معتبرا أن من يقدم خدمات الحماية للملاحة من الطبيعي أن يتقاضى مقابلا ماليا، مشيرا إلى أن سلطنة عمان تنفق عشرات الملايين سنويا على إدارة حركة العبور، وأن إيران تتحمل بدورها كلفة كبيرة لتأمين سواحلها، إضافة إلى الرسوم التي تتقاضاها شركات التأمين، ورأى أن إنشاء آلية منظمة لفرض رسوم على خدمات الملاحة ليس أمراً مستبعداً.
الدكتور سليم زخور رفض الطرحين الأمريكي والإيراني معا، مؤكدا أن المضائق الدولية لا تخضع لرسوم عبور تفرضها دولة بعينها، وأن القانون الدولي لا يجيز لأي طرف استيفاء مثل هذه الرسوم، سواء كانت الولايات المتحدة أو إيران.
الدكتور إبراهيم فريحات عاد ليحذر من أن أي رسوم جديدة ألا تتحملها شركات الشحن، بل ستضيفها إلى كلفة البضائع، ما يعني أن المستهلك النهائي في المنطقة والعالم سيكون هو من سيدفع ثمن هذه الزيادة.
وفي قراءة للمشهد السياسي الإيراني، رأى الباحث في مركز الجزيرة للدراسات الدكتور لقاء مكي أن طهران وصلت إلى حدود قدرتها على الردع العسكري المباشر، وأن المرحلة المقبلة ستبقى محكومة بضربات متبادلة محدودة مع استمرار جهود الوساطة.
ويستند مكي في تحليله إلى عدة مؤشرات، أبرزها:إيران لا تمتلك حاليا أدوات كافية لردع الولايات المتحدة بصورة مباشرة.
الوسطاء الإقليميون باتوا أقل تفاؤلا بإمكان نجاح التسويات.
هناك مؤشرات على انقسامات داخل دوائر صنع القرار الإيراني، وبعض التيارات داخل إيران تفضل استمرار المواجهة على العودة إلى التفاوض.
واشنطن تسعى إلى تكريس نفسها باعتبارها الضامن الوحيد لأمن الملاحة الدولية.
وبرز خلال النقاش خلاف واضح حول احتمال توسع المواجهة إلى حرب برية، إذ رأى الدكتور محمد الشرقاوي أن تعقيدات الصراع تتزايد وقد تدفع إلى سيناريوهات أكثر خطورة، بينما استبعد العميد إلياس حنا هذا الاحتمال لأسباب عملياتية وعسكرية.
أما الأكاديمي والخبير في سياسات الشرق الأوسط الدكتور محجوب الزويري، فركز في قراءته على البعد الداخلي الإيراني، معتبراً أن تطورات الأزمة لا يمكن فهمها بمعزل عن التفاعلات داخل مؤسسات صنع القرار في طهران.
ورأى أن هناك مؤشرات على وجود انقسام داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية، يقابله تباين في الرؤى بين مراكز القرار بشأن كيفية إدارة الأزمة مع الولايات المتحدة.
وأضاف أن القيادة الإيرانية تعمل في الوقت نفسه على إعادة ترتيب البيت الداخلي، وهو ما ينعكس على قراراتها الخارجية، في حين يوفر استمرار التوتر الإقليمي هامشاً زمنياً لإعادة تنظيم المشهد الداخلي.
كما اعتبر أن جولات التفاوض السابقة افتقدت إلى الآليات الفنية والمؤسسية القادرة على إدارة الخلافات بصورة مستدامة، الأمر الذي أسهم في تعثرها وإعادة الأزمة إلى مربع التصعيد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك