(ضمن سلسلة- نحو تجديد اليسار السوداني – المقال الخامس)لا توجد فكرة أثارت من الجدل داخل اليسار العالمي بقدر ما أثاره مفهوم" المركزية الديمقراطية"فأنصارها يرون فيها الضمانة الأساسية لوحدة الحزب وفاعليته، بينما يعتبرها منتقدوها المدخل الذي قاد كثيراً من الأحزاب إلى الجمود التنظيمي والبيروقراطية وإقصاء الاختلافلكن قبل إصدار الأحكام، ربما ينبغي أن نبدأ بسؤال أكثر بساطة- لماذا ظهرت هذه الفكرة أصلاً؟ وهل ما زالت الظروف التي أوجدتها قائمة؟لنعد إلى عام 1902، حين كتب فلاديمير لينين كتيبه الشهير “ما العمل؟ ”و لم تكن روسيا القيصرية تشبه الدول الحديثة التي نعرفها اليوم.
كان النشاط السياسي يجري في الخفاء، وكانت أجهزة الأمن تلاحق الناشطين، ويُعاقب الانتماء إلى التنظيمات الثورية بالنفي أو السجن أو الإعدامو لم تكن هناك صحافة حرة، ولا وسائل اتصال سريعة، ولا فضاء عام يسمح بالنقاش المفتوحفي مثل هذه البيئة، لم تكن المركزية الديمقراطية خياراً فلسفياً بقدر ما كانت استجابة تنظيمية لظروف استثنائية.
فقد احتاج الحزب إلى قيادة موحدة، وسرعة في اتخاذ القرار، وانضباط يحمي التنظيم من الاختراق الأمنكان المطلوب بناء تنظيم قادر على البقاء والعمل في ظل القمع، لا مجرد إدارة نقاشات فكريةلهذا فإن قراءة المركزية الديمقراطية خارج سياقها التاريخي تفضي إلى سوء فهمها.
لقد كانت، في أصلها، حلاً عملياً لمشكلة تنظيمية، أكثر منها مبدأً صالحاً لكل زمان ومكانكثيراً ما يُختزل المفهوم في كلمة “المركزية”، بينما تُنسى كلمة “الديمقراطية”ففي التصور اللينيني الأصلي كان النقاش الداخلي مفتوحاً قبل اتخاذ القرار، وكان للأعضاء حق إبداء الرأي والاعتراض داخل المؤسسات الحزبية.
لكن بعد أن يُحسم القرار بالأغلبية، يصبح الالتزام بتنفيذه واجباً على الجميعفي ظروف العمل السري، بدا هذا التوازن منطقياً؛ فالتردد والانقسام كانا قد يؤديان إلى انهيار التنظيم أو اختراقهولذلك كانت وحدة التنفيذ تُعد شرطاً لبقاء الحزب، لا وسيلة لإلغاء الحوارلم تبدأ الأزمة مع لينين نفسه، بل بدأت عندما تحولت الاستجابة التاريخية المؤقتة إلى نموذج دائمفمع تغير الظروف، وقيام الدولة السوفيتية، وتطور مؤسساتها ووسائل الاتصال، كان من الطبيعي أن تخضع الصيغة التنظيمية للمراجعةغير أن ما حدث في كثير من التجارب الشيوعية هو العكس؛ إذ تعززت المركزية تدريجياً، ولا سيما في ظل ظروف الحرب الأهلية ثم خلال الحقبة الستالينية، حتى أصبحت تميل إلى حماية البنية التنظيمية أكثر من تشجيع الحوار الداخليوهكذا تحولت الأداة التي صُممت لحماية الحزب من القمع الخارجي، في بعض التجارب، إلى وسيلة للحد من النقد الداخلي والمراجعة الفكريةوهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى في تاريخ التنظيم السياسي- فالأداة التي نشأت لحماية الثورة من أعدائها، أصبحت أحياناً تحمي التنظيم من أفكار أعضائهماذا يقول علم التنظيم الحديث؟إذا تجاوزنا السجال الأيديولوجي، ونظرنا إلى تطور علوم الإدارة والتنظيم خلال العقود الأخيرة، سنجد أن كثيراً من النظريات الحديثة تدعو إلى مراجعة النماذج التنظيمية الصلبةيتحدث بيتر سينج عن “المنظمة المتعلمة”، التي تقاس قوتها بقدرتها على التعلم الجماعي أكثر من قدرتها على تنفيذ الأوامرويرى هنري مينتزبرغ أن فاعلية الهياكل التنظيمية تعتمد على طبيعة البيئة التي تعمل فيها؛ فكلما ازدادت البيئة تعقيداً وسرعة في التغير، ازدادت الحاجة إلى المرونة وتوزيع المعرفة، لا إلى التشدد في المركزيةأما مانويل كاستيلز فيصف عالمنا بأنه “مجتمع شبكي”، حيث لم تعد السلطة والمعرفة تتدفقان من قمة الهرم إلى قاعدته، بل أصبحتا تنتشران عبر شبكات أفقية متداخلةويؤكد رونالد هيفيتز أن القيادة في البيئات المعقدة لم تعد تعني امتلاك الإجابات، بل القدرة على إشراك الآخرين في إنتاجهابينما تثبت أبحاث إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحاً هي تلك التي توفر لأعضائها “الأمان النفسي”، أي القدرة على الاختلاف، وطرح الأسئلة، والاعتراف بالأخطاء دون خوف من العقابهذه الأدبيات لا تدعو إلى الفوضى التنظيمية، لكنها تطرح سؤالاً مهماً: هل ما زالت المركزية الصارمة تحقق الكفاءة نفسها في عصر المعرفة الرقمية؟ماذا تغير اليوم؟ والإجابة تبدو واضحةلم تعد المعرفة حكراً على القيادة، ولم يعد الحزب المصدر الوحيد للوعي السياسيفالمعلومات أصبحت متاحة للجميع، والخبرات موزعة بين المجتمع والجامعات ومراكز البحث ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية، بل وحتى أدوات الذكاء الاصطناعيفي هذا العالم، لم تعد القيادة تقاس بقدرتها على احتكار المعرفة، بل بقدرتها على تنسيق المعرفة الموزعة، والاستماع للمجتمع، وتحويل تعدد الخبرات إلى رؤية مشتركةولهذا فإن التنظيم الذي يعتمد حصرياً على مركزية القرار قد لا يصبح أكثر سرعة، بل قد يصبح أقل قدرة على رؤية الواقع بكل تعقيداتهالسودان… الدرس الذي ينبغي قراءتهتقدم التجربة السودانية مثالاً يستحق التأملفقد كشفت ثورة ديسمبر 2018 أن الحراك الاجتماعي لم يعد يتحرك وفق النموذج الحزبي التقليدي وحده، بل أصبح نتاجاً لتفاعل معقد بين الأحزاب، وتجمع المهنيين، ولجان المقاومة، والشبكات الشبابية، ووسائل التواصل الاجتماع.
ورغم ما واجهته هذه التجربة من تحديات، فإنها كشفت تحولاً مهماً في الثقافة السياسية السودانية؛ إذ أصبح قطاع واسع من الشباب يميل إلى الأشكال التنظيمية الأكثر مشاركة ومرونة، والأقل هرميةولا يعني ذلك أن الأحزاب فقدت دورها، وإنما يعني أن المجتمع سبقها في اكتشاف أدوات جديدة للتنظيم والتعبئةومن هنا تتسع الفجوة بين تنظيم ما زال يفكر بمنطق القرن العشرين، ومجتمع يتفاعل بمنطق القرن الحادي والعشرينلهذا لا أعتقد أن السؤال المطروح أمام اليسار السوداني، وفي مقدمته الحزب الشيوعي السوداني، هو-هل نلغي المركزية الديمقراطية؟بل السؤال الأهم هو-بكيف يمكن إعادة تعريفها بحيث تصبح أداة للتنسيق لا وسيلة للاحتكار؟فالمطلوب ليس إلغاء التنظيم، ولا استبدال المؤسسات بالفوضى، وإنما الانتقال من نموذج القيادة التي تحتكر المعرفة إلى نموذج القيادة التي تنظم المعرفة الموزعة داخل المجتمع والحزبقد تبقى الحاجة إلى وحدة البرنامج والانضباط في تنفيذ القرارات، لكن ذلك لا ينبغي أن يعني احتكار التفكير، أو تجميد الحوار، أو الخلط بين الانضباط والطاعةمن حماية التنظيم إلى تجديدهربما لم يعد السؤال اليوم- هل نتمسك بالمركزية الديمقراطية أم نتخلى عنها؟ بل أصبح: كيف نبني تنظيماً يجمع بين وحدة الرؤية وحرية التفكير؟فالأحزاب لا تتراجع لأنها تسمح بالنقاش، وإنما لأنها تخشى التعلم.
وإذا كان القرن العشرون قد احتاج إلى تنظيمات تتقن إصدار الأوامر في ظروف السرية والمواجهة، فإن القرن الحادي والعشرين يحتاج إلى تنظيمات تتقن إدارة المعرفة، والاستماع للمجتمع، والتكيف مع عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقةإن المفارقة الكبرى أن المركزية الديمقراطية ظهرت يوماً لحماية الحزب من القمع الخارجي، لكنها تحولت في بعض التجارب إلى حاجز أمام التجديد الداخليولذلك فإن الوفاء الحقيقي لتراث اليسار لا يكون بتكرار صيغه التنظيمية كما هي، بل بإحياء روحه النقدية التي جعلت من مراجعة الواقع شرطاً دائماً للتقدمفالأفكار الكبرى لا تبقى حية لأنها تقاوم التغيير، وإنما لأنها تمتلك الشجاعة لتعيد النظر في نفسها كلما تغيّر العالم , وهذا، في تقديري، هو التحدي الحقيقي الذي يواجه اليسار السوداني اليوم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك