«الوفاء للمُعلم» وجبر الخواطر يكشفان معدن الأمير الوالدمساء يوم الإثنين 29 نوفمبر 2010، فاجأتنا المواقع الإخبارية المصرية والعربية، بخبر أعدت قراءته حينها عدة مرات: «أمير قطر في زيارة خاصة وخاطفة للقاهرة، ويقدم التعازي في وفاة مُدرس مصري من رواد التعليم في قطر».
أما التفاصيل فحملت أموراً عدة تدعو للفخر بوجود شخصية بحجم ومكانة فقيد الأمة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة في العالم العربي.
كثير ممن قرأوا الخبر حينذاك عبَّروا عن دهشتهم ولمعت عيناهم من فرط الإعجاب بهذا الإخلاص والوفاء، لكن كل من عمل في قطر أو زارها لم يستغربوا تصرفاً كهذا من «الأمير الوالد».
قطر يعيش فيها ويستظل بأمنها نحو 95 جنسية من عرب وعجم وبلاد تركب الأفيال، أفارقة وآسيويون.
أوروبيون ولاتينيون، وغيرهم من شرق المعمورة إلى غربها، مروراً بشمالها وجنوبها.
يعرف أبناء هذه الجاليات الكثير عن الأمير الراحل وتواضعه، وحبه وتقديره للعلم والعلماء.
كما سمع هذا الخليط من البشر عن سمات سموه الإنسانية.
يكفى أنه رحمه الله اعتاد دائماً خاصة في الأعياد أن يستهل يومه بلقاء الأطفال الأيتام، في لفتة تكشف عن عمق مشاعره وإحساسه.
ما فعله سموه قبل 16 عاماً، وحرصه على زيارة القاهرة رغم مشاغله ومسؤولياته، والتوجه لمنزل أسرة مُعلمه «أحمد علي منصور»، وتقديم واجب العزاء بنفسه يحمل دلالات ومعاني عن سر النهضة العملاقة التي بدأتها قطر في عهد الشيخ حمد.
إن معنى «الوفاء» لأحد من ساهموا في نهضة التعليم في قطر، يؤكد أن «النُّبل» هو عنوان تعامل الأمير الوالد مع شعبه وكل من يعمل في بلاده.
كما أن شخصية «الراحل أحمد علي منصور» كأحد العاملين في حقل العلم، ومدى التقدير الذي لاقاه في حياته بإعطائه الجنسية القطرية، فضلاً عن التقدير المضاعف بعد رحيله وشرف تلقي أسرته العزاء من رأس الدولة القطرية وحضوره شخصياً إلى القاهرة لأداء هذا الواجب، وقبل هذا وبعده قراره بإطلاق اسم «أحمد منصور» على إحدى المدارس بالدوحة، كلها أمور تعكس أن تحول هذا البلد إلى قلعة للعلم في الشرق الأوسط لم يأتِ من فراغ.
إذ إن كل هذا التكريم لأحد رواد التعليم، يوضح أن «العلم» هو أساس انطلاقة النهضة القطرية في عهد الشيخ حمد بن خليفة، الذي قاد بلاده لمسايرة ركب التقدم عالمياً، وجعلها نموذجاً مشعاً في المنطقة، وسخَّر إمكانات الدولة في هذا المجال للتنمية في أغلى ما تملك.
«الإنسان»، وهنا كانت نقطة البداية لأن يحظى التعليم والجامعات في قطر بسمعة طيبة على المستوى العالمي.
لا شك أن هذا التصرف الإنساني الراقي لصاحب السمو الأمير الوالد مع «مُعلمه وإخوته في أول مدرسة ابتدائية في قطر، قبل أن ينتقل لتعليمهم في المرحلتين الإعدادية والثانوية في المدرسة والمنزل» - وفق ما ذكره حينها نجل الأستاذ أحمد منصور - مجرد نموذج للحب الذي ربط الراحل الكبير بأبناء أمته العربية والإسلامية.
المفارقة أن قيام سموه بهذا الأمر النبيل، كان في طريق توجهه - رحمه الله - إلى زيورخ، حيث الحدث الكبير الذي جعل الدوحة بعد 12 عاماً محور اهتمام مختلف جماهير العالم.
فقد استضافت المدينة السويسرية حفل الإعلان عن الدولة التي تنال شرف تنظيم مونديال 2022.
ثم القصة معروفة.
انحاز التاريخ إلى قطر بعد منافسة حامية مع أباطرة السياسة والتكنولوجيا و»البزنس» والرياضة.
انظروا إلى الأسماء: الولايات المتحدة الأمريكية.
اليابان.
كوريا الجنوبية وأستراليا.
إذا كان فوز الملف القطري في ذلك اليوم المشهود 2 ديسمبر 2010، هو حصاد لتخطيط سياسي واقتصادي طويل أشرف عليه الأمير الوالد، وتبعه إستراتيجية محكمة للدولة جعلت من «قطر 2022» عروس البطولات العالمية على الإطلاق، فإن الخصال الإنسانية و»جبر الخواطر» اللذين اشتهر بهما الشيخ حمد بن خليفة، جعلا توفيق الله حليفه في مشواره ورحلته الحافلة بالتحديات والنجاحات والإنجازات.
والمؤكد أن الزيارة الغالية لسموه إلى منزل مُعلمه في «مصر المحروسة»، ستبقى راسخة في العقول والقلوب إلى الأبد، كاشفة عن معدن رجل غيّر وجه المنطقة، وقاد بلاده لتكون رقماً مهماً في المعادلة العالمية.
رحمك الله يا رمز الوفاء.
s.
abdelghany@alarab.
qa.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك