الرجل الذي جعل قطر قوة لا تقاس بمساحتهاحتما، لم يترك" الأمير الوالد" الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وراءه دولة أكبر مساحة أو أكثر سكانا، لكنه من المؤكد قد ترك نموذجا مختلفا في بناء النفوذ وصناعة المكانة السياسية.
فقد نجح الشيخ حمد، رحمه الله، خلال سنوات حكمه، في نقل قطر من أنها دولة صغيرة محدودة الجغرافيا والحضور إلى دولة فاعلة إقليميا ودوليا، وحاضرة في ملفات السياسة والطاقة والإعلام والاستثمار والوساطات.
عندما تولى الحكم عام 1995، كانت قطر دولة غنية بمواردها، لكنها لم تكن بعد في صلب المعادلات الكبرى في المنطقة.
وعندما سلم السلطة إلى نجله الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013، أطال الله عمره، كانت الدوحة قد أصبحت اسما حاضرا في معظم الملفات الإقليمية، ومحطة دبلوماسية يصعب تجاوزها عند البحث عن تسويات، أو فتح قنوات تواصل بين الأطراف المتخاصمة في كل أصقاع الأرض.
بنى الشيخ حمد ركائز اقتصادية عززت استقلالية القرار القطري.
فقد توسعت قطر في استثمار ثروتها من الغاز الطبيعي، وأصبحت لاحقا من أهم اللاعبين في سوق الطاقة العالميةأبرز ما ميز تجربة الشيخ حمد أنه فهم مبكرا أن الدول لا تحتاج دائما إلى مساحة واسعة، أو عدد سكان كبير، حتى تصبح مؤثرة.
فالقوة قد تبنى بالاقتصاد، وبالإعلام، وبالدبلوماسية، وكذلك بالقدرة على التواصل مع أطراف متناقضة في الوقت نفسه.
ومن هنا، اعتمدت قطر سياسة خارجية مرنة، حافظت من خلالها على علاقاتها مع القوى الغربية، وفتحت في الوقت نفسه قنوات مع إيران وحركات سياسية وتنظيمات وأطراف لم تكن دول كثيرة قادرة على التحدث معها.
هذه القدرة على التواصل مع الجميع هي التي مهدت لتحول قطر إلى دولة وساطة.
لم تعد الدوحة مجرد مكان تعقد فيه الاجتماعات، بل أصبحت طرفا يمتلك خبرة تراكمية في إدارة التفاوض، وتقريب وجهات النظر، ونقل الرسائل، وتقديم الضمانات السياسية والاقتصادية.
فمن فلسطين إلى لبنان، ومن السودان إلى أفغانستان، ارتبط اسم قطر بمحاولات الوصول إلى حلول في نزاعات معقدة استعصت على قوى أكبر منها.
في لبنان، مثل اتفاق الدوحة عام 2008 واحدة من أبرز محطات هذا الدور، بعدما أسهم في وقف أزمة سياسية وأمنية خطيرة، وفتح الطريق أمام تسوية داخلية.
وفي أفغانستان، تحولت الدوحة لاحقا إلى القناة الأساسية التي جرت عبرها المفاوضات بين الولايات المتحدة وحركة طالبان.
وكذلك في ملفات أخرى، لعبت قطر أدوارا في إطلاق محتجزين، وتبادل أسرى، وفتح ممرات إنسانية، وتمرير رسائل بين جهات لا تتواصل بصورة مباشرة.
لم تكن الوساطة بالنسبة إلى الشيخ حمد مجرد نشاط دبلوماسي، بل كانت جزءا من تصور متكامل لمكانة قطر.
أدرك الأمير الوالد أن الدولة الصغيرة تستطيع حماية دورها عندما تصبح مفيدة للآخرين، وعندما تتحول إلى مساحة يلتقي فيها الخصوم، بدلا من أن تكون مجرد طرف تابع في صراعاتهم.
إلى جانب السياسة، بنى الشيخ حمد ركائز اقتصادية عززت استقلالية القرار القطري.
فقد توسعت قطر في استثمار ثروتها من الغاز الطبيعي، وأصبحت لاحقا من أهم اللاعبين في سوق الطاقة العالمية.
كما جرى توظيف العائدات في استثمارات دولية واسعة، جعلت رأس المال القطري حاضرا في قطاعات العقارات والمصارف والصناعة والرياضة والإعلام بأبرز العواصم العالمية.
فهم الأمير الوالد أيضا أن التأثير لا يصنع فقط عبر السفارات والاستثمارات، بل عبر الإعلام.
فجاء إطلاق شبكة" الجزيرة" عام 1996 ليشكل تحولا كبيرا في المشهد الإعلامي العربي، مانحا الدوحة حضورا يفوق حجمها الجغرافي، وجاعلا منها مركزا مؤثرا في تشكيل النقاش السياسي العربي.
تكمن أهمية الشيخ حمد بن خليفة في أنه أعاد تعريف معنى القوة بالنسبة إلى الدول الصغيرة.
لم يحاول أن يجعل قطر نسخة عن الدول الكبرى، بل بنى لها دورا يناسب إمكاناتها ويستفيد من نقاط قوتهاأما داخليا، فقد قاد الشيخ حمد مرحلة تحديث واسعة شملت البنية التحتية والتعليم والاقتصاد والإدارة.
وتحولت الدوحة تدريجيا إلى عاصمة تستضيف المؤتمرات والمنتديات والمؤسسات التعليمية والرياضية، بما مهد لاحقا لاستضافة كأس العالم لكرة القدم عام 2022، وهو إنجاز لم يكن منفصلا عن المشروع الذي بدأ في عهده.
ومن أبرز محطات مسيرته أيضا قراره بتسليم السلطة طوعا إلى نجله الشيخ تميم عام 2013.
فقد شكل ذلك سابقة نادرة في المنطقة، وأظهر أن الانتقال المنظم للسلطة يمكن أن يكون عنصر استقرار واستمرارية.
ولم تنقطع السياسات القطرية بعد انتقال الحكم، بل استمر النهج نفسه وتطور، خصوصا في مجالات الوساطة والدبلوماسية والطاقة.
لم تكن سياسات الشيخ حمد بلا خلافات أو انتقادات.
فقد أثار انفتاح قطر على أطراف متعارضة حساسية لدى بعض الدول، كما تسببت خياراتها الإعلامية والسياسية بأزمات مع عدد من جيرانها.
لكن هذه الخلافات نفسها أظهرت حجم المكانة التي أصبحت قطر تحتلها، إذ لم يعد ممكنا التعامل معها كدولة هامشية أو محدودة التأثير.
تكمن أهمية الشيخ حمد بن خليفة في أنه أعاد تعريف معنى القوة بالنسبة إلى الدول الصغيرة.
لم يحاول أن يجعل قطر نسخة عن الدول الكبرى، بل بنى لها دورا يناسب إمكاناتها ويستفيد من نقاط قوتها.
وظف الطاقة في خدمة السياسة، والإعلام في خدمة الحضور، والاستثمار في خدمة الاستقلال، والوساطة في خدمة المكانة الدولية.
برحيله، تطوي قطر صفحة الرجل الذي وضع أسس نهضتها الحديثة، وحولها من دولة محدودة الحضور إلى لاعب يصعب تجاهله.
قد يختلف كثيرون حول بعض سياساته وخياراته، لكن من الصعب الاختلاف على أنه غير موقع قطر في المنطقة والعالم، وترك خلفه دولة أكبر بكثير من مساحتها الجغرافية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك