غادرنا رجل كان غارقا في خدمة بلده وحب أمتهالرحمة ترسل من الأحياء المعزين إلى من ينتقلون إلى رحمة الله، وهي من العادات، خاصة بين الطبقات والشرائح المحافظة على الأصول الإنسانية.
والرحمة تقترن دائما بالدعاء، وهو دعاء خير وطلب المغفرة من الله الغفار سبحانه.
لكن غالبا ما يكون إرسال الرحمة وطلبها تحت الواجب، فإما أن يكون الواجب من الأهل والعشير، وهو الأقرب والأكثر، أو سياسيا، وهو عرف سياسي بين رجال الدولة والأحزاب، ويتميز أداء هذا الواجب تجاه الميت وأهله بنوع من الإحراج أو المجاملات، وقلما يكون من باب المحبة والمودة والصدق الكامل.
ما يرسل من الرحمات والدعاء بالخير والسكن في الجنان لأمير قطر الوالد حمد بن خليفة، هو من النوع الذي يأتي من القلب، ومن دون التفكير بمصلحة سياسية، ولا من الشعور بالإحراج تجاه حالة أو شيء يجبر المعزي على قول ما يقول أو رسم الحزن على الوجوه.
ليس من كل هذا، وإنما من الشعور الدقيق تجاه الموقف، حيث انتقل مؤسس قطر الحديثة إلى حضرة الله سبحانه.
والدليل على ما نقول هو طبيعة المعزين وأصناف من يكتبون ويتحدثون، إضافة إلى الصوت القادم من الأهل، القريب من الشعب القطري، الذين لا يخفون ما فعله الرجل من أجلهم.
فقد كان غارقا في التفكير فيما فيه خير لهم، ولا تمييز بين هذا وذلك، أو بين هذه وتلك.
وإن كان من شيء من ذلك، فهو نتيجة للتنافس الطبيعي في الحياة، وليس من الترتيب المقصود من الدولة.
لهذا تأتي الرحمة وطلب المغفرة طوعا، من دون إكراه، للرجل الذي انتقل إلى المحطة التالية من حياته.
أحسن في قيادته التعامل مع البيئة الداخلية أيما إحسان.
أنا لم أزر قطر سوى مرة واحدة، ولم أبق فيها سوى أيام قليلة جدا، لكنني لاحظت ما جعلني أسيرا وأفكر بعمق في العديد من الأشياءبدأت دولة قطر منه، وبنيت من بنات فكره، لكن قطر لم تنسه شؤون أمته المسلمة.
ومع الحكم على أن كل من يمشي على هذه الأرض ليس معصوما، ولن يكون مصيبا في كل ما يفعله، لكن الأغلب له حكم الكل، كما يقول أصحاب المذهب الحنفي.
وبعد أن ذهب، رحمه الله، إلى الله بكل ما يملكه من أعمال وحجج، يمكننا تقسيم آثاره بالترتيب التالي:فقد أحسن في قيادته التعامل مع البيئة الداخلية أيما إحسان.
أنا لم أزر قطر سوى مرة واحدة، ولم أبق فيها سوى أيام قليلة جدا، لكنني لاحظت ما جعلني أسيرا وأفكر بعمق في العديد من الأشياء.
تأتي في المقدمة: الهدوء، والاستقرار، والأمن، والأمان.
والشعور بالأمان داخل الدول لن يأتي اعتباطا، فهو ثمرة لجهود لا تنضج بسنة أو سنتين، ولا بمجرد أوامر أميرية عليا، وإنما بالعمل المتواصل، والتربية والتثقيف المستمرين من الصغر إلى الكبر.
فالأمان للجميع، وليس للكبير ضد الصغير، ولا لأهل البلد على الغريب المقيم أو المسافر السائح.
والأمان له أبعاد اقتصادية، وتربوية، وإدارية، وثقافية، فمجرد شعورك بالأمان يكون دليلا على نجاح تلك الأبعاد كلها في أمور العامة.
الجمال والعمل الدائب من أجل البناءربما يختلف البناء المجتمعي عن العمران المادي، لكن في النهاية يتكاملان، وما ذلك إلا لأن الجميع من أهل البلد شاعرون بما تنعم به أرضهم من الخيرات، ولا محروم منها مقصودا.
ومن الجمال حسن التعامل مع القادم.
ففي الزيارة التي كنت فيها هناك حدثت لي أشياء تتعلق بالسكن والطيران، لو كانت في بلدي لكان التعامل مختلفا، وقد حدث بالفعل.
لكن هناك، حيث كنت في الدوحة، كان التعامل في أوج جمال السلوك.
إن ما يتميز به العلماء من مكانة، سواء من أهل قطر، أو ممن آوتهم قطر، ليس نابعا من مزاج معين، ولا هو مما لاحظناه في السنوات القريبة السابقة، وإنما هو متجذر، يعود إلى عقود مضت، لدرجة أن أي عالم يريد الحياة الكريمة، هروبا من ظلم الاقتصاد والسياسة، وجد في الدوحة" دوحة".
ولا يكرم العالم إلا كريم، ولا يعزه إلا من يعلم أن عزة العالم من عزة الأمة كلها.
ولسنا بحاجة إلى ذكر أسماء محددة، لكن القليل من البحث والتدقيق يثبت ما نقول.
جعل الشيخ حمد بن خليفة، رحمه الله، دولة قطر، صغيرة الحجم، بوزن دولة كبيرة على مستوى الشرق الأوسط، عبر رسم خريطة دبلوماسية ساهمت في حل مشكلات كبرى في المنطقةأما فيما يتعلق بحبه، رحمه الله، لأمته المسلمة، فلا بد من الإقرار أولا بأن السياسة الدولية تفرض أشياء على رجل الدولة لا يودها، ويقوم بأشياء يكرهها، لكن يبقى الحكم للعام النافع الصالح.
ولا أحد من البشر، مهما علت قدرته، يمكنه الوصول إلى كل مكان، أو التواصل مع كل أحد.
إلا أنني هنا أجعل من القضية المركزية للأمة الإسلامية معيارا، تجنبا للمواقف الجزئية المرحلية.
إن موقف قطر من غزة، ومن فلسطين عموما، لا ينحصر بالجانب المالي، سواء مالا مباشرا للإعمار، وكنس أوساخ الاحتلال، أو المال الذي تحول إلى لقمة العيش للسكان المحاصرين منذ عام 2006، بعد الردة الدولية عن الديمقراطية وإطباق الحصار على بقعة صغيرة من العالم تسمى" غزة".
ومع الاعتراف بهذه المساعدات، وما قدمته قطر في إعمار جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت عقب حرب عام 2006، إلا أن المساعدات لا تقتصر على ذلك الجانب فحسب، وإنما تمتد إلى مجالات أخرى.
ومساعدة الضاحية الجنوبية وأعمال الإعمار فيها دليل على تجاوز البعد المذهبي والتفكير على مستوى الأمة المسلمة.
فلم يدفع بشعب قطر إلى صراعات جانبية خارجية لا فائدة تجنى منها، ولهذا ترى الإنسان القطري، على الأغلب، في تعايش مع غيره.
تبقى قناة الجزيرة.
هذه القناة ظهرت في زمن التصحر الإعلامي الحر.
لا شك في أنها تقع في مصلحة قطر، وإنها مجبرة على التعامل مع الأمن القومي العربي؛ لأنها قطرية عربية، لكنها صرح كبير، احتوت على كل الآراء، وطرحت في زمن القمع شعار" الرأي والرأي الآخر"، وعلمت الآخرين أن يشتغلوا، وأن يقلدوها.
والجزيرة، بما لها من قدرة غير محدودة إلا بمحدودية القدرة البشرية، أبقت على العديد من قضايا الأمة حية، وأجبرت العالم على التعامل معها، وفي المقدمة تأتي القضية الفلسطينية، وما حدث بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول من جرائم وحشية ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي، وحرب الإبادة الجماعية بحق الشعب الغزاوي.
لكن تبقى مسألة بالغة الأهمية؛ فقد جعل الشيخ حمد بن خليفة، رحمه الله، دولة قطر، صغيرة الحجم، بوزن دولة كبيرة على مستوى الشرق الأوسط، عبر رسم خريطة دبلوماسية ساهمت في حل مشكلات كبرى في المنطقة، وبدأت قطر تعرف بها، وأنها قادرة على تجاوز الجرح والعمل بحكمة من أجل الصالح العام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك