رغم تصاعد الدعوات داخل الاتحاد الأوروبي لاتخاذ إجراءات ضد المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، فإن الانقسام داخل التكتل، وعلى رأسه التحفظ الألماني، حال حتى الآن دون تحويل هذه الدعوات إلى خطوات عملية، ما يبقي المشروع الاستيطاني بعيدا عن إجراءات رادعة، في وقت تتواصل فيه اعتداءات المستوطنين بحق الفلسطينيين.
وفشل الاتحاد الأوروبي في فرض حظر على المنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية المقامة بشكل غير قانوني، بعدما لم يتمكن وزراء خارجية التكتل من حشد الأصوات الكافية لدفع المفوضية الأوروبية إلى تقديم إجراءات محددة بشأن القضية خلال اجتماعهم في بروكسل الاثنين.
list 1 of 2فاجعة طرابزون.
حقيبة تنهي حياة سائح عربي في بحيرة أوزنغولlist 2 of 2تحقيق يكشف: " جسور نيوز" واجهة استخباراتية إسرائيلية لتلميع مليشيات غزةضغوط قانونية وانقسام سياسيوجاءت الدعوات الأوروبية في أعقاب الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية عام 2024، الذي دعا إسرائيل إلى إنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية" بأسرع وقت ممكن"، واعتبر أن سياسات الاستيطان الإسرائيلية تنتهك القانون الدولي.
ودعت دول أوروبية، بينها بلجيكا وهولندا وإسبانيا، إلى اتخاذ خطوات للحد من التجارة مع المستوطنات، معتبرة أن استمرار التعامل معها يتعارض مع القانون الدولي، لكن هذه المساعي اصطدمت بتحفظ دول أخرى، في مقدمتها ألمانيا، التي تعارض فرض إجراءات اقتصادية أو عقوبات على إسرائيل.
وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إن بلاده تفضل مواصلة الحوار مع الحكومة الإسرائيلية، مضيفا أن أي قيود أو حظر على استيراد منتجات المستوطنات يجب أن يحظى بإجماع الدول الأعضاء، وهو شرط يجعل تمرير هذه الإجراءات صعبا إذا اعترضت ألمانيا أو دول أخرى.
ويشهد الاتحاد الأوروبي منذ أشهر خلافا بشأن كيفية التعامل مع سياسة الاستيطان الإسرائيلية؛ فبينما تتفق دول التكتل على أن المستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي، فإنها لم تتمكن من الاتفاق على فرض عقوبات واسعة.
وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إن مقترح حظر التجارة مع المستوطنات حظي بأكبر قدر من التأييد بين الدول الأعضاء، لكنه لم يحصل على الأغلبية المطلوبة لإلزام المفوضية الأوروبية بطرح إجراءات للتصويت.
وأضافت أن الدول الـ27 متفقة على عدم شرعية المستوطنات، لكنها أشارت إلى أن السياسات الأوروبية الحالية لم تنجح في الحد من التجارة معها بسبب ضعف آليات التنفيذ وتباين مواقف الدول الأعضاء.
من جهتها، قاومت المفوضية الأوروبية برئاسة أورسولا فون دير لاين الضغوط لفرض قيود تجارية جديدة على إسرائيل، واكتفت بتقديم" ورقة خيارات" تضمنت إجراءات محتملة، مثل حظر التجارة مع المستوطنات أو فرض نظام تراخيص للاستيراد أو تعريفات جمركية موجهة.
وخلال الاجتماع، طالبت 11 دولة فقط باتخاذ تدابير ملموسة، بينما عارضت 8 دول حظر التجارة، ولم تتخذ دول أخرى موقفا واضحا، ما حال دون تمرير القرار.
وكشفت الخلافات داخل الاتحاد عن انقسام قانوني بشأن طبيعة الإجراء؛ إذ ترى بعض الدول أنه إجراء تجاري يمكن إقراره بأغلبية مؤهلة، بينما تعتبره دول أخرى خطوة سياسية تحتاج إلى إجماع.
ترحيب إسرائيلي بفشل العقوباتوفي المقابل، رحّب وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بفشل تمرير أي إجراءات أوروبية ضد إسرائيل، معتبرا أن محاولة فرض عقوبات جديدة لم تحظَ بالدعم الكافي داخل الاتحاد.
وقال ساعر في منشور على منصة" إكس" إن محاولة كايا كالاس لفرض عقوبات على إسرائيل" فشلت مرة أخرى"، مشيرا إلى عدم وجود إجماع أو أغلبية مؤهلة داخل مجلس الشؤون الخارجية الأوروبي.
وأضاف أن إحالة الملف إلى لجنة الممثلين الدائمين تهدف إلى إبقاء القضية قيد البحث، معتبرا أن العلاقات بين إسرائيل وأوروبا يجب أن تقوم على" الحوار والإنصاف".
وأثارت مواقف الاتحاد الأوروبي موجة من الانتقادات، إذ يرى الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة أن المشكلة لا تكمن في عجز أوروبا عن اتخاذ إجراءات، بل في غياب الإرادة السياسية لدى بعض العواصم، وفي مقدمتها ألمانيا.
ويقول عفيفة إن التأييد لحظر تجارة منتجات المستوطنات يتزايد داخل الاتحاد، لكن برلين ترفض معاقبة المشروع الاستيطاني نفسه، وتفضل الاكتفاء بمحاسبة بعض المستوطنين المتورطين في أعمال عنف.
ويضيف أن عنف المستوطنين ليس سلوكا فرديا، بل نتيجة لمشروع استيطاني تدعمه الحكومة الإسرائيلية، وبالتالي فإن استثناء المستوطنات من العقوبات يترك البنية التي تنتج هذا العنف بمنأى عن المساءلة.
ويحذر من أن استمرار التردد الأوروبي يضعف مصداقية القانون الدولي، ويرسل رسالة مفادها أن الاحتلال والاستيطان يمكن أن يستمرا دون ثمن سياسي أو اقتصادي.
بدوره، يشير المستشار في القانون الدولي الإنساني إيتاي إبشتاين إلى أن انشغال بعض الدول الأوروبية بخلافاتها الداخلية يتزامن مع استمرار إسرائيل في توسيع مشروعها الاستيطاني.
وأوضح أن الحكومة الإسرائيلية أقرت بناء آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة، إلى جانب تخصيص مليارات الشواكل لمشاريع بنية تحتية تهدف إلى ترسيخ الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأكد إبشتاين أن القانون الدولي يلزم الدول بعدم الاعتراف بشرعية الأوضاع الناتجة عن الانتهاكات الجسيمة، وعدم تقديم المساعدة في استمرارها، معتبرا أن حظر السلع والخدمات المنتجة في المستوطنات يمثل الحد الأدنى من الالتزامات المطلوبة.
مراجعة العلاقة مع إسرائيلوترى الدبلوماسية الهولندية السابقة سيموني فيليبيني أن التردد الأوروبي لا يُنظر إليه في إسرائيل باعتباره دبلوماسية، بل كإشارة تسمح بمواصلة سياسات الضم والاستيطان.
كما دعا أستاذ العلاقات الدولية وتاريخ السياسة الخارجية الأمريكية الدكتور أليكس شلبي إلى استمرار الضغط الدولي، معتبرا أن تكرار المحاولات السياسية قد يؤدي إلى تغيير الموقف تجاه إسرائيل.
وفي داخل البرلمان الأوروبي، قالت مجموعة التحالف التقدمي للاشتراكيين والديمقراطيين إن استمرار الحرب في غزة وتصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية يجعلان سياسة" العمل كالمعتاد" غير ممكنة.
ودعت المجموعة إلى اتخاذ خطوات حاسمة، من بينها تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل وحظر التجارة مع المستوطنات، مشيرة إلى أن مراجعة أوروبية كشفت عن انتهاكات لبند حقوق الإنسان في الاتفاقية.
كما دعا رئيس الوزراء ووزير الخارجية السويدي السابق كارل بيلدت الاتحاد الأوروبي إلى الالتزام بسياسته التجارية وحظر تجارة السلع والخدمات القادمة من المستوطنات غير القانونية.
من جانبها، تقول الباحثة البلجيكية المتخصصة في حقوق الإنسان بريجيت هيرمانز إن الدول التي تخشى فرض قيود على إسرائيل تخلط بين العقوبة والإجراء القانوني.
وتوضح أن حظر التجارة مع المستوطنات لا يمثل عقوبة ضد إسرائيل، بل خطوة لضمان اتساق السياسة التجارية الأوروبية مع القانون الدولي.
ويرى ناشطون حقوقيون أن غياب موقف أوروبي موحد يمنح المستوطنين مساحة أكبر لمواصلة التوسع والاعتداءات بحق الفلسطينيين، بينما يكتفي الاتحاد الأوروبي بالتأكيد على عدم شرعية المستوطنات دون ترجمة ذلك إلى إجراءات عملية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك