طرابلس – «القدس العربي»: أعاد تحقيق استقصائي غربي مشترك الجدل بشأن دور شرق ليبيا في الحرب السودانية، بعدما خلص إلى أن المنطقة تحولت إلى قاعدة لوجستية لتدريب عناصر من قوات الدعم السريع ونقل العتاد العسكري إلى داخل السودان، مستندًا إلى شهادات منشقين وتحليل صور أقمار صناعية وبيانات مفتوحة المصدر.
ويأتي نشر التحقيق في وقت تتواصل فيه الحرب السودانية للعام الرابع، وسط تبادل الاتهامات بين الخرطوم وعدد من الأطراف الإقليمية بشأن دعم قوات الدعم السريع، بينما تواصل السلطات في شرق ليبيا والإمارات نفيها المتكرر لأي تورط في النزاع.
وأثار التحقيق، الذي أعدته مؤسسة «لايت هاوس ريبورتس» الهولندية بالتعاون مع شركة «إيفيدنت» المتخصصة في تحليل الصور ومنصة «سودان وور مونيتور»، موجة جديدة من التساؤلات حول الدور الذي تؤديه الأراضي الليبية في مسارات الإمداد المرتبطة بالحرب السودانية، خاصة في المناطق الحدودية الواقعة جنوب وشرق البلاد.
ووفق التحقيق، فإن معسكرات في شرق ليبيا تستخدم لتدريب مقاتلين تابعين لقوات الدعم السريع على استخدام أسلحة متطورة، بينها الطائرات المسيّرة والمدافع الرشاشة الثقيلة وقاذفات الصواريخ، قبل نقلهم أو نقل المعدات العسكرية إلى السودان عبر مسارات جوية وبرية.
كما أشار التحقيق إلى أن المعدات العسكرية تصل جوا إلى ليبيا قبل إعادة إرسالها إلى داخل السودان، مستندًا إلى روايات منشقين عن قوات الدعم السريع ومصادر قال إنها من داخل قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر.
كما تناولت صحيفة «التلغراف» البريطانية نتائج التحقيق ذاته، مشيرة إلى مزاعم بشأن استخدام ميناء بنغازي والرحلات الجوية لنقل معدات عسكرية إلى معسكرات داخل شرق ليبيا، قبل شحنها إلى مناطق حدودية قريبة من السودان، وهو ما اعتبره معدو التحقيق جزءًا من شبكة لوجستية متكاملة لدعم العمليات العسكرية.
ويأتي ذلك رغم استمرار النفي الرسمي من جانب سلطات شرق ليبيا ودولة الإمارات، اللتين تؤكدان بشكل متكرر عدم تقديم أي دعم عسكري لأي طرف في الحرب السودانية، فيما تنفي قوات الدعم السريع أيضًا تلقيها دعما عسكريا من أطراف خارجية.
ويعيد التحقيق إلى الواجهة سلسلة من الاتهامات التي ظلت الخرطوم تكررها خلال الأشهر الماضية.
ففي جلسة لمجلس الأمن الدولي أواخر حزيران / يونيو الماضي، اتهم مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير الحارث إدريس، الإمارات بمواصلة نقل الأسلحة والعتاد والمرتزقة إلى قوات الدعم السريع عبر ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى، مشيرًا إلى استخدام مطار الكفرة ومهابط أخرى ومسارات برية لإيصال المعدات العسكرية إلى داخل السودان.
كما تحدث إدريس عن استخدام مطار بنغازي ومناطق حدودية في المثلث الليبي التشادي السوداني لاستقبال شحنات الأسلحة، إضافة إلى توسيع استخدام قاعدة السارة الجوية ومناطق حدودية أخرى، مدعيًا رصد مئات الرحلات الجوية المرتبطة بهذه العمليات، وهي اتهامات لم تقدم بشأنها حتى الآن أدلة قضائية أو تحقيقات دولية حاسمة تثبتها.
ويكتسب التحقيق الجديد أهمية إضافية لأنه يتقاطع مع ما سبق أن أورده فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة المعني بليبيا في مسودة تقريره الصادرة في مارس الماضي، والتي تحدثت أيضًا عن تحول جنوب وشرق ليبيا إلى منصة لوجستية لدعم قوات الدعم السريع.
وأشار تقرير الخبراء الأمميين آنذاك إلى أن مجموعات مسلحة في شرق وجنوب ليبيا شاركت في نقل مرتزقة من كولومبيا وأسلحة ووقود ومعدات عسكرية إلى السودان، كما تحدث عن وجود عناصر من قوات الدعم السريع داخل الأراضي الليبية خلال الفترة التي غطاها التقرير، الأمر الذي أدى في بعض الأحيان إلى وقوع اشتباكات بين مجموعات سودانية داخل ليبيا.
وخصص التقرير الأممي مساحة واسعة للحديث عن مدينة الكفرة، معتبرًا إياها مركزًا رئيسيًا لنقل المقاتلين والأسلحة جنوبًا بسبب موقعها الجغرافي القريب من الحدود السودانية، كما أشار إلى أن طرق التهريب العابرة للحدود أصبحت جزءًا من اقتصاد الحرب الممتد بين ليبيا والسودان وتشاد والنيجر.
واتهم التقرير كذلك كتيبة «سبل السلام» بإدارة جزء كبير من سلاسل الإمداد المستخدمة لنقل المقاتلين والأسلحة والوقود إلى قوات الدعم السريع، مشيرًا إلى أن هذه الشبكات تطورت خلال عامي 2025 و2026 لتصبح أكثر تنظيمًا واستمرارية، وهو ما نفته الأطراف المعنية.
كما كشف التقرير الأممي عن استخدام الأراضي الليبية لنقل مرتزقة من جنسيات مختلفة، بينهم مقاتلون من كولومبيا، إلى ساحات القتال في السودان، إلى جانب توثيق وجود مقاتلين سوريين في مواقع عسكرية داخل شرق وغرب ليبيا، بما في ذلك قاعدة معطن السارة الجوية، في إطار ما وصفه بتوسع الاعتماد على المقاتلين الأجانب في النزاعات الإقليمية.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الحدود الجنوبية الليبية أصبحت محورًا متكررًا في التقارير الدولية المتعلقة بالحرب السودانية، نظرًا لطبيعة المنطقة الصحراوية الممتدة وصعوبة مراقبتها، إضافة إلى تشابك شبكات التهريب التقليدية مع مسارات نقل السلاح والمقاتلين.
وفي المقابل، لم تتمكن أي جهة دولية حتى الآن من إصدار نتائج نهائية أو أحكام قانونية تثبت بصورة قاطعة مسؤولية أي دولة أو جهة رسمية عن عمليات الدعم المزعومة، وهو ما يجعل الملف محل نزاع سياسي وإعلامي مستمر، خاصة مع تبادل الاتهامات بين السودان والإمارات، واستمرار النفي الرسمي من جانب أبوظبي والسلطات في شرق ليبيا.
ويأتي نشر التحقيق أيضًا في وقت يشهد فيه السودان استمرار المعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع، بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب في نيسان / أبريل 2023، وسط تقديرات تشير إلى مقتل ما لا يقل عن 150 ألف شخص ونزوح ملايين المدنيين، فيما تصف الأمم المتحدة الأزمة بأنها الأكبر إنسانيًا في العالم.
وفي ظل استمرار العمليات العسكرية واتساع نطاقها، يتوقع أن يبقى ملف الحدود الليبية ومسارات الإمداد أحد أبرز الملفات التي ستواصل استقطاب اهتمام لجان الخبراء الأممية ووسائل الإعلام الدولية، خصوصًا مع تكرار ورود اسم ليبيا في تقارير غربية وأممية تتناول شبكات نقل السلاح والمرتزقة المرتبطة بالحرب السودانية، دون أن تتحول هذه الاتهامات حتى الآن إلى نتائج قضائية أو قرارات دولية ملزمة.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك