القاهرة – «القدس العربي»: تتأهب تونس لافتتاح الدورة الثامنة والخمسين من مهرجان قرطاج الدولي، الحدث الفني العريق الذي يستقطب أنظار المبدعين والجمهور من مختلف أنحاء العالم.
وفي تفاصيل التحضيرات الجارية خلف الكواليس، يبرز توجه فني واضح يضع الإبداع الفلسطيني في صدارة الفعاليات، في خطوة تعبر عن التلاحم الثقافي والوجداني العميق بين الشعبين التونسي والفلسطيني، وتؤكد دور الفن كأداة حية للتعبير عن قضايا الشعوب العادلة وتوثيق هويتها في وجه التحديات الراهنة.
تأتي خيارات الهيئة المديرة للمهرجان لتكرس قيمة الفن الملتزم، حيث تشهد أروقة المسرح الأثري حضوراً قوياً للمبدعين الفلسطينيين الذين يحملون معهم حكايات الصمود والأمل.
ويتجاوز هذا الحضور فكرة المشاركة الرمزية العابرة، ليكون بمثابة شريان رئيس يغذي الليالي القرطاجية، ويوفر منصة حرة للفنانين لتقديم رؤاهم الجمالية التي تجمع بين التراث والمقاومة الإبداعية.
إن التركيز على هذه المشاركة يمنح المهرجان بعداً فكرياً عميقاً، يربط بين المتعة البصرية والمسؤولية الأخلاقية تجاه قضايا الأمة.
وتتنوع المشاركة الفلسطينية لتشمل مجالات تعبيرية متعددة تمتد من الموسيقى الكلاسيكية والبديلة إلى الفنون الشعبية والأدائية.
وسيكون الجمهور التونسي والعربي على موعد مع فرق موسيقية قادمة من عمق الأرض المحتلة ومن بلاد الشتات، تقدم ألحاناً تمزج ببراعة بين المقامات الشرقية الأصيلة والأنماط المعاصرة، مما يظهر مرونة الهوية الثقافية وقدرتها على التجدد والوصول إلى الأجيال الجديدة.
كما تزين عروض الدبكة والفولكلور الشعبي مدرجات المسرح الأثري، لتؤكد تشبث هذا الشعب بجذوره الضاربة في التاريخ وإصراره على الحياة والابتكار رغم الصعوبات المحيطة به.
وإلى جانب العروض الحية والموسيقية، يفرد المهرجان مساحات واسعة للفن السابع والمسرح، من خلال عروض سينمائية مستقلة ترصد الواقع اليومي وتطرح أسئلة وجودية حول الهوية والاغتراب والحرية.
ويهدف هذا الدمج بين الفنون البصرية والموسيقية إلى تقديم صورة متكاملة عن المشهد الإبداعي الفلسطيني المعاصر، وهو مشهد يتميز بالجرأة والعمق والتنوع التقني والفكري.
ويتيح هذا الحوار الفني المفتوح للمشاهدين فرصة الاقتراب من جوهر المعاناة وجوهر الأمل الفلسطيني في آن واحد، بعيداً عن القوالب الإعلامية الجاهزة والمكررة.
ويرى نقاد ومتابعون للحركة الثقافية في المغرب العربي أن توجه مهرجان قرطاج في هذه الدورة يعيد إحياء دوره النضالي والتاريخي الذي تميز به طوال العقود الماضية.
فالمهرجان يمثل تاريخياً منبراً للأصوات الحرة، ومكاناً تلتقي فيه الشعوب للتعبير عن تطلعاتها نحو التحرر والعدالة.
إن إبراز الصوت الفلسطيني في هذا التوقيت بالذات يبعث برسالة قوية مفادها أن الفن يظل الحارس الأمين للذاكرة الجمعية، وأن الكلمة والنغمة قادرتان على كسر قيود الحصار الثقافي والجغرافي وتجسيد قيم الإنسانية المشتركة.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك