الخرطوم ـ «القدس العربي»: أثار قرار الاتحاد الأوروبي فرض حظر على استيراد الذهب السوداني، إلى جانب الزئبق والسيانيد، نقاشاً واسعاً حول مدى تأثيره على الاقتصاد، في وقت يعتمد فيه قطاع التعدين بصورة متزايدة على الذهب بوصفه المصدر الرئيسي للنقد الأجنبي في ظل استمرار الحرب وتراجع الإيرادات العامة.
ويرى خبراء اقتصاديون تحدثوا لـ«القدس العربي» أن التأثير المباشر للعقوبات الأوروبية سيكون محدوداً، مستندين إلى أن السودان لا يصدر الذهب بصورة مباشرة إلى دول الاتحاد الأوروبي، بينما تبقى الإشكالية الأكبر مرتبطة باستمرار تهريب الذهب عبر أسواق ودول وسيطة، وهو ما يجعل تتبع منشأ المعدن النفيس أمراً بالغ الصعوبة.
الخبير الاقتصادي هيثم فتحي قال إن قرار الاتحاد يستهدف عملياً الذهب المرتبط بالحكومة أكثر من استهداف الذهب المرتبط بقوات «الدعم»، موضحاً أن الأخيرة تعتمد بصورة كبيرة على شبكات التهريب، الأمر الذي يجعل تأثير القرار عليها محدوداً.
وأضاف أن الذهب يعد من أكثر السلع صعوبة في التتبع بعد خروجه من بلد المنشأ، إذ يمكن صهره وإعادة تشكيله في مراكز تجارة الذهب العالمية ليكتسب مواصفات السبائك المعتمدة دولياً، قبل إعادة تصديره إلى الأسواق الأوروبية دون الإشارة إلى مصدر استخراجه الأصلي.
وأوضح أن القرار الأوروبي يحظر استيراد الذهب ذي المنشأ السوداني، غير أن آليات تجارة الذهب العالمية تعتمد بدرجة كبيرة على عمليات التكرير والصهر وإعادة التصنيع، وهي عمليات تؤدي عملياً إلى فقدان القدرة على تتبع بلد المنشأ الأول، خصوصاً إذا مر الذهب عبر مراكز تكرير معتمدة دولياً.
ويرى أن هذه الطبيعة الخاصة لسوق الذهب تجعل تنفيذ مثل هذا القرار أكثر تعقيداً مقارنة بالعقوبات المفروضة على سلع أخرى يمكن تتبعها بسهولة.
مع ذلك، اعتبر الخبير الاقتصادي، محمد الناير، أن القرار الأوروبي لن يترك أثراً مباشراً على الحكومة في المرحلة الحالية، نظراً لعدم وجود صادرات رسمية من الذهب السوداني إلى دول الاتحاد الأوروبي خلال العام الماضي أو خلال الأشهر الأولى من العام الجاري.
وقال إن بيانات صادرات الذهب لعام 2025 تشير إلى عدم تسجيل أي صادرات إلى الاتحاد الأوروبي، فيما بلغت قيمة صادرات الذهب خلال العام نحو 1.
5 مليار دولار، توزعت بنحو 50٪ إلى الإمارات العربية المتحدة قبل وقف التصدير إليها، بينما اتجهت النسبة المتبقية إلى مصر وسلطنة عمان وعدد من الأسواق الأخرى.
وأضاف أن صادرات الذهب خلال الربع الأول من عام 2026، الممتد من يناير/ كانون الأول إلى مارس/ آذار، تجاوزت 370 مليون دولار، وكانت الوجهات الرئيسية أيضاً مصر وسلطنة عمان، دون تسجيل صادرات إلى الأسواق الأوروبية.
ويرى الناير أن السودان يمتلك فرصاً لتوسيع صادراته إلى أسواق أخرى مثل تركيا وروسيا والصين، وهي دول تستورد الذهب بصورة رئيسية لتعزيز احتياطياتها لدى البنوك المركزية، وليس بغرض إعادة تصديره إلى أوربا، الأمر الذي يقلل من التأثير المتوقع للعقوبات الأوروبية.
وأشار إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تنافساً متزايداً بين القوى الاقتصادية الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين وروسيا، لتعزيز احتياطياتها من الذهب باعتباره أحد أهم الأصول الاستراتيجية في ظل التقلبات الاقتصادية العالمية، وهو ما يفتح أسواقاً بديلة أمام المنتج السوداني.
كما رجح أن يكون الهدف الأساسي للعقوبات الأوربية هو الحد من الموارد المالية المرتبطة بقوات الدعم السريع، في ظل النقاشات التي شهدتها المؤسسات الأوروبية خلال الفترة الماضية بشأن تشديد الإجراءات ضدها، معتبراً أن القرار ربما فسر على نطاق أوسع مما تستهدفه دوافعه السياسية.
قيمة صادراته خلال عام 1,5 مليار دولار… و«الدعم» تعتمد على شبكات التهريبوأضاف أن السودان يستطيع، في حال واجه صعوبات مستقبلية في تصدير الذهب، توجيه جزء من الإنتاج لتعزيز احتياطيات بنك السودان المركزي، بما يسهم في دعم الاستقرار النقدي وتقوية العملة الوطنية، فضلاً عن إمكانية استخدام احتياطيات الذهب كضمان للحصول على تمويلات وقروض خارجية.
وفيما يتعلق بحظر تصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان، أوضح أن التأثير المتوقع سيكون محدوداً أيضاً، نظراً لأن الجزء الأكبر من واردات هذه المواد يأتي من الأسواق الآسيوية وليس من الاتحاد الأوروبي، لكنه شدد على أن تطوير التعدين التقليدي وتحويله إلى قطاع منظم سيظل الخيار الأكثر جدوى للاقتصاد السوداني، سواء من الناحية البيئية أو الاقتصادية.
وكان مجلس الاتحاد الأوروبي أعلن، الإثنين، اعتماد حزمة جديدة من العقوبات المرتبطة بالحرب في السودان، شملت حظر شراء أو استيراد أو نقل الذهب ذي المنشأ السوداني، بالإضافة إلى منع بيع أو توريد أو تصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان.
وأوضح المجلس أن هذه الإجراءات تستهدف الحد من مصادر تمويل النزاع المستمر، مشيراً إلى أن تجارة الذهب أصبحت أحد أهم الموارد المالية التي يعتمد عليها أطراف الصراع منذ اندلاع الحرب في أبريل/ نيسان 2023.
وتأتي العقوبات الأوروبية ضمن توجه أوسع لفرض قيود على الموارد الاقتصادية التي يعتقد أنها تسهم في إطالة أمد الحرب، بعد أن سبق للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول غربية أخرى فرض عقوبات على أفراد وكيانات مرتبطة بحرب السودان.
وشمل القرار حظر الزئبق والسيانيد باعتبار المادتين من أهم المدخلات المستخدمة في عمليات استخراج الذهب، خاصة في التعدين الأهلي، غير أن محللين يرون أن أثر الحظر سيظل محدوداً ما دامت هذه المواد متوافرة عبر أسواق آسيوية وإقليمية خارج الاتحاد الأوروبي.
ويعد الذهب حالياً أهم مصدر للنقد الأجنبي في السودان، بعد أن فقدت البلاد نحو ثلاثة أرباع إنتاجها النفطي عقب انفصال جنوب السودان عام 2011، وهو ما دفع الحكومات المتعاقبة إلى الاعتماد بصورة متزايدة على قطاع التعدين لتعويض تراجع الإيرادات.
وحسب بيانات وزارة المعادن، سجل السودان خلال عام 2025 أعلى مستوى لإنتاج الذهب خلال السنوات الخمس الأخيرة، بإجمالي يقارب 70 طناً، بينما يساهم التعدين الأهلي بأكثر من 80٪ من إجمالي الإنتاج، ويوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لأكثر من مليوني شخص.
ورغم هذه المؤشرات، يواجه القطاع تحديات هيكلية كبيرة، أبرزها اتساع نشاط التعدين غير المنظم، وضعف الرقابة على الإنتاج، واستمرار عمليات التهريب، وهي عوامل تؤدي إلى فجوة واضحة بين الإنتاج الحقيقي والكميات المصدرة رسمياً.
وتشير تقديرات وتقارير دولية إلى أن جزءاً كبيراً من الذهب السوداني يغادر البلاد عبر قنوات غير رسمية إلى دول مجاورة أو إلى مراكز تجارة الذهب الإقليمية، قبل أن يخضع لعمليات صهر وتكرير تعيد تصنيفه وفق المعايير الدولية، بما يصعب إثبات منشئه الأصلي.
وتبرز دولة الإمارات خلال السنوات الماضية كأحد أهم مراكز تجارة الذهب القادمة من السودان، قبل أن تتغير خريطة الصادرات الرسمية خلال عام 2025 بعد خلافات بين البلدين، واتهامات وجهتها الحكومة السودانية لأبو ظبي بتمويل ودعم قوات «الدعم السريع».
لاحقا اتجه جزء أكبر من الصادرات إلى مصر وسلطنة عمان، في وقت لا تزال فيه تجارة الذهب غير الرسمية تمثل تحدياً رئيسياً أمام السلطات.
ويرى المختصون أن مستقبل قطاع الذهب في السودان لن يتوقف فقط على العقوبات الخارجية، وإنما على قدرة الدولة على تنظيم التعدين الأهلي، وإحكام السيطرة على سلاسل الإنتاج والتصدير، والحد من عمليات التهريب، بما يسمح بتحويل الإنتاج الكبير إلى عائدات رسمية تدعم الاقتصاد الوطني.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك