بعد أكثر من عقد على تعثر الدولة الليبية، لم يعد ممكناً اختزال المشهد في صراع على السلطة أو تنافس على عوائد النفط.
فالأزمة تجاوزت ذلك بكثير، وأصبحت تمس جوهر الدولة نفسها: كيف تُدار؟ ولمن تكون السيادة؟ وكيف يمكن بناء مؤسسات تحظى بثقة المواطنين؟ما يميز الحالة الليبية أن الأزمة لم تعد مجرد مرحلة عابرة، بل تحولت إلى واقع يعيد إنتاج نفسه.
فكلما بدا أن هناك فرصة للحل، عادت الخلافات لتأخذ أشكالاً جديدة، وكأن البلاد تدور في حلقة لا نهاية لها.
ولهذا لم تعد ليبيا ساحة لصراع داخلي فقط، بل أصبحت مساحة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية، لكل منها حساباته وأولوياته، بينما يبقى المواطن الليبي الطرف الأكثر تحملاً لتبعات هذا المشهد.
في الفكر السياسي، تحدث الفيلسوف توماس هوبز عن حاجة المجتمعات إلى سلطة مركزية تمنع الانزلاق إلى «حرب الجميع ضد الجميع».
غير أن الواقع الليبي يقدم صورة مختلفة؛ فالمشكلة ليست في غياب السلطة؛ وإنما في تعدد السلطات وتداخلها.
لكل طرف أدواته ومصادر شرعيته ومناطق نفوذه، الأمر الذي جعل مفهوم السيادة نفسه منقسماً بين أكثر من مركز قوة، بينما بقيت مؤسسات الدولة عاجزة عن أداء دورها الطبيعي.
ومع مرور الوقت، لم يعد هذا الوضع مجرد نتيجة للفوضى، بل تحول إلى واقع تستفيد منه شبكات واسعة من المصالح، تمتد من الاقتصاد غير الرسمي إلى مراكز النفوذ السياسي والعسكري، وتتقاطع أحياناً مع حسابات خارجية.
وهكذا أصبحت بعض مؤسسات الدولة تؤدي دوراً شكلياً، في حين تُتخذ القرارات الحقيقية في دوائر أخرى لا تخضع للمساءلة أو الرقابة.
ومن هنا يمكن فهم سبب تعثر معظم المبادرات السياسية التي شهدتها ليبيا خلال السنوات الماضية.
فقد عقدت مؤتمرات عديدة، وأُعلنت بيانات واتفاقات، وأُطلقت مبادرات برعاية أطراف دولية مختلفة، إلا أن معظمها انشغل بإدارة الأزمة أكثر من انشغاله بحلها.
فقد ركزت تلك الجهود على ترتيبات أمنية أو تفاهمات مؤقتة، بينما بقيت الأسئلة الأساسية دون إجابة: كيف تُبنى دولة يتفق عليها الليبيون؟ وكيف تُستعاد الثقة بين المواطن ومؤسساتها؟ وكيف يتحول الانتماء إلى الوطن إلى مرجعية تتقدم على الولاءات الضيقة؟هذا التباعد بين الخطاب السياسي والواقع اليومي خلق حالة من الإحباط لدى كثير من الليبيين.
فالمواطن يسمع وعوداً متكررة عن الانتخابات، والمصالحة، وتوحيد المؤسسات، لكنه لا يرى انعكاساً حقيقياً لذلك على حياته أو على أداء الدولة.
ومع تكرار المشهد، أصبح فقدان الثقة أحد أخطر التحديات التي تواجه أي مشروع للإصلاح.
وفي الوقت نفسه، يشهد المجتمع الليبي تحولاً لا يقل أهمية عن التحولات السياسية.
فقد نشأ جيل كامل في عصر الإنترنت والتقنيات الرقمية، وأصبح أكثر اتصالاً بالعالم وأكثر قدرة على مقارنة أوضاع بلده بتجارب دول أخرى.
هذا الجيل لم يعد يقنعه الخطاب التقليدي الذي يقوم على الشعارات أو الانقسامات الجهوية والقبلية، بل يبحث عن دولة توفر القانون، وتكافؤ الفرص، والإدارة الكفؤة، وتمنح الأولوية للإنجاز لا للولاءات.
وهذا الوعي الجديد يمثل فرصة أكثر منه تحدياً، لأنه يعكس رغبة متزايدة في الانتقال من شرعية الأمر الواقع إلى شرعية الأداء، ومن إدارة الخلافات إلى بناء المؤسسات.
غير أن تحقيق ذلك يحتاج إلى إرادة سياسية تتجاوز الحسابات الضيقة، وتنظر إلى المستقبل بوصفه مشروعاً وطنياً لا ميداناً لتقاسم النفوذ.
إن أي مخرج حقيقي من الأزمة لن يأتي عبر وصفات جاهزة تُستورد من الخارج، لأن بناء الدول لا يتم بالنماذج المعلبة، بل بفهم خصوصية المجتمع وتاريخه وتوازناته.
ولهذا فإن استعادة الدولة الليبية تبدأ باستعادة سيادتها على مواردها ومؤسساتها، عبر إدارة شفافة للثروة، وتعزيز استقلال الأجهزة الرقابية، وتجفيف منابع الفساد التي غذت الصراع سنوات طويلة.
كما أن أي تسوية سياسية لن تكون مستقرة ما لم تستند إلى قاعدة دستورية تحظى بتوافق واسع، وتؤسس لمفهوم المواطنة المتساوية، بحيث يشعر كل الليبيين بأنهم شركاء في الدولة، لا أطرافاً في معادلة غالب ومغلوب.
فالدساتير لا تكتسب قيمتها من نصوصها فقط، بل من قدرتها على حماية الحقوق وتنظيم الاختلاف داخل إطار وطني جامع.
ليست ليبيا دولة فاشلة بطبيعتها، وإنما دولة تعطلت بفعل تراكم الصراعات وتضارب المصالح.
وما زالت تمتلك من الإمكانات البشرية والاقتصادية ما يؤهلها لاستعادة دورها إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية الوطنية.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك