يعتبر أمين الريحاني، الرائد والمعلم الأشهر في المدرسة الأدبية السورية الأمريكية، وأحد أبرز أدباء المهجر ورواد حركة النهضة العربية في أوائل القرن العشرين.
ففي عام 1888، وهو في الثانية عشرة من عمره، أرسلته عائلته إلى نيويورك.
وحين وجد نفسه هناك تكيف مع البيئة الأمريكية، وتعرف على الأدبين الأوروبي والأمريكي.
ثم التحق بكلية الحقوق في جامعة كولومبيا، لكنه اضطر إلى الانقطاع عن دراسته، بسبب اعتلال صحته وعاد إلى لبنان.
خلال وجوده في أمريكا حافظ على علاقة وثيقة بالأدب العربي.
وعلاوة على ذلك، جعلته حياة الغربة يتمسك بوطنه الأم بقوة أكبر وبكثير من النظافة والنقاء.
وتوج هذا الدرب الشاق في عام 1901، بالحصول على الجنسية الأمريكية.
وبصفته من المتأثرين بالأمريكي والتمان وعلى نحو أقوى برالف إيمرسون، استهل مسيرته الأدبية بأعمال كتبها باللغة الإنكليزية التي أتقنها.
وكانت روايته «كتاب خالد» 1911 أول رواية عربية تصدر باللغة الإنكليزية.
لكن بعد عودته إلى وطنه عام 1904 بدأ أنشطته الأدبية بلسانه الأم؛ واعتزل في الجبال اللبنانية لمدة 6 سنوات.
متلازمة الانتماء في أدب المهجرنشأ أدب المهجر في الغربة، ولذلك كان عابرا للثقافات، وتحول إلى جزء لا يتجزأ من حركة النهضة، وأصبح أحد المحفزات القوية لتحديث الثقافة العربية، فضلا عن أنه شجع على التآلف بين القيم الغربية والعقل الشرقي في سياق مفهوم.
وقد ساهم كتّاب المهجر في أوائل القرن العشرين، بالفعل مساهمة كبرى في تعريف العالم الغربي (أمريكا وأوروبا) بالشرق ومبادئ الإسلام.
وسبب نجاح هذه الخطوة أن كتّاب المهجر كانوا بلسانين؛ فقد تلقوا علومهم، كما ذكر غاردافادزة، أولا في المدارس الإرسالية في لبنان، ولاحقا بعد الهجرة القسرية تابعوا مهمتهم في الغرب، لأجل التكيف مع البيئة الجديدة.
وهكذا تمكنوا من الكتابة باللغتين العربية والإنكليزية، على حد سواء، وأفضى بهم ذلك لأن يلعبوا دورا مهما في حركة الترجمة.
ومن المنطقي الإشارة إلى أن الترجمة لا تقتصر على الصياغة الآلية للمعنى ونقله من لغة إلى أخرى، بل تنطوي على تفسير ونقل القيم الفكرية والأدبية من نظام لغوي إلى آخر.
وفي هذا السياق، ينبغي التأكيد على مزايا وإنجازات كتّاب المهجر، التي طبعت بطابعها الأدب العربي الحديث.
وباستخدام مصطلحات نظرية الترجمة، لدينا لغة المصدر (التي نترجم منها)، ولغة الهدف، وأخيرا المرحلة بين هاتين اللغتين، ويشار إليها غالبا باسم مرحلة «النص البيني».
وفي الواقع، قدمت مدرسة المهجر، بسبب طبيعتها الثنائية، ترجماتها كما لو أنها صورة حية عن الأصل.
فقد سمحت لهم ازدواجية اللغة بتجاوز مرحلة «النص البيني»، ونقلوا قيمهم الثقافية والفكرية والأدبية من نظام لغوي إلى آخر، من دون أي خسارة كما ذكر روجر ألن عام 2012 في المؤتمر الدولي الثاني عن الشخصيات الأدبية الأمريكية والتي جاءت بالأصل من لبنان.
وبناء على ذلك، ينظر إلى أمين الريحاني ككاتب بـ»هوية هجينة»، ساعد على التآلف بين القيم الشرقية والغربية لأجل تكوين فضاء ثالث، كان نوعا من العالم البديل.
ومما يذكر له أنه بشّر بأفكاره المركبة وهويته الهجينة في وقت مبكر يعود إلى قبل قرن تقريبا.
ويمكننا القول باختصار إن الريحاني ابن لثلاث ثقافات: أمريكية وأوروبية وعربية.
وكان رسولا من الثقافة الأورو – أمريكية للعقل العربي، حيث تولى مهمة نقل المعرفة من الغرب إلى الشرق، وفي الوقت نفسه نقل فلسفة وشعر الشرق إلى الغرب.
وللريحاني مقولة عن تلك الفكرة وردت في مقالته «على جسر بروكلين».
يقول فيها: «لبنان، باريس، نيويورك؛ في الأول روحي، وفي الثانية قلبي، وفي الثالثة جسدي».
ويحظى اسم الريحاني في جورجيا بأهمية خاصة، لأنه أول من أطلق عملية نقل الأدب العربي إلى اللغة الجورجية.
ففي عام 1945، وصف مؤسس مدرسة الاستشراق الجورجية، العالم والأكاديمي الشهير جورج تسيريتيلي، في مجلة «مناتوبي»، أمين الريحاني بأنه «العربي الذي يرتدي البدلة الرسمية الأوروبية (السموكينغ)».
وفي رأينا، قدم جورج تسيريتيلي وصفا عادلا لأمين الريحاني حين قال: «رغم أنه [أي أمين] نشر مكونات شخصيته في قارات مختلفة، إلا أنه لا يزال عربيا… فهو صنيعة العالمين؛ الشرقي والغربي معا.
وقد حمل نتاج النشاط الثقافي والفني لكلا العالمين، وحاول توحيدهما في جوهر شخصيته.
فمن ناحية تجد لديه كاريزما أبي العلاء المعري والمتنبي… ومن ناحية أخرى، فولتير، وغوته، وبلزاك، وكارلايل، وكيتس، ووالتمان وغيرهم، التقى هؤلاء الأعلام البارزون بعوالمهم المختلفة في شخص أمين الريحاني بطريقة ما.
ولا أعلم إن كان بمقدور المرء أن يقول عن شعر الريحاني إنه (غوستاف فلوبير شرقي ببذة رسمية)، أو ما إذا كان هذا الشعر يصلح لدحض كلمات روديارد كيبلنغ: (أوه، الشرق شرق، والغرب غرب، ولن يلتقيا أبدا).
عندي أن كتاباته بلا شك محاولة لدحض هذا القول.
وفي رأيي كان هم الأدب العربي بأسره، والأدب الشرقي عموما، هو توحيد الحضارتين الشرقية والغربية.
ولدى الريحاني حلم بهذا الخصوص».


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك