ما زال الأمن الغذائي يشكل هاجساً في سورية بعد أكثر من عام ونصف العام على سقوط نظام الأسد، وسط تحذيراتٍ تُكرّرها جهاتٌ دولية عدّة منذ مطلع العام الجاري بشأن تفاقم الأزمة الإنسانية في البلاد، حيث أكد صندوق الأمم المتحدة للسكان في تقريره خلال يوليو/ تموز الجاري، حاجة نحو 1.
2 مليون شخص في سورية إلى مساعدات إنسانية عاجلة.
وأخيراً، حذّرت شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة (شبكة دولية متخصّصة في تحليل الأمن الغذائي والإنذار المبكر بالمجاعات) من استمرار أزمة الأمن الغذائي في سورية خلال الأشهر المقبلة، متوقعةً بقاء ملايين السوريين بحاجة إلى المساعدات الإنسانية حتى مطلع عام 2027، ورأت في تقريرها تحت عنوان" توقعات الأمن الغذائي في سورية: يونيو/ حزيران 2026 – يناير/كانون الثاني 2027" أن التوقعات بتحسن الإنتاج الزراعي في سورية للموسم الحالي مقارنةً بالموسم السابق، لن تنعكس مباشرةً على أوضاع معظم الأسر، لأن الأزمة الاقتصادية ما زالت العامل الأكثر تأثيراً في قدرة السكان على الحصول على الغذاء.
ورجّحت الشبكة استمرار مناطق شمال شرقي سورية وشمالها الغربي ضمن المرحلة الثالثة (الأزمة) من التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي، وهو التصنيف الذي يشير إلى أن الأسر تواجه فجوات في استهلاك الغذاء أو تضطر إلى استنزاف أصولها ووسائل كسب رزقها لتأمين احتياجاتها الأساسية.
ويعزو التقرير أسباب الأزمة لعوامل عدّة، أبرزها تقليص مخصّصات الخبز المدعوم، ما أدّى إلى تراجع القدرة الشرائية للأسر التي تعتمد بشكل أساسي على شراء الغذاء من الأسواق، وهو ما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسعار وتراجع قيمة الدخل الحقيقي.
كما توقعت الشبكة ارتفاع عدد المحتاجين للمساعدات الإنسانية إلى ما بين خمسة وستة ملايين شخص خلال الفترة الممتدة بين أكتوبر/ تشرين الأول 2026 ويناير/كانون الثاني 2027، مع تراجع مصادر الدخل الموسمية وازدياد النفقات.
ونبّهت شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة إلى أنّ تخفيض المساعدات الإنسانية سيزيد هشاشة الوضع الإنساني، إذ توقعت في تقريرها ذاته تدهور الأوضاع في محافظة اللاذقية (شمال غرب)، إلى مرحلة" الأزمة" اعتباراً من أكتوبر المقبل، مع توقعات مماثلة في محافظتَي السويداء والقنيطرة (جنوب غرب)، في ظلّ التوترات الأمنية وارتفاع تكاليف المعيشة.
ويرى الناشط الاجتماعي شريف مراد أنّ أزمة الغذاء تحتاج تدخلاً عاجلاً، ويقول لـ" العربي الجديد": " لا يمكن الحد منها بالاعتماد على المساعدات الإنسانية وحدها، كما لا يمكن الحديث عن التعافي في ظل تراجع الدعم الإنساني.
والمطلوب اليوم استجابة إنسانية عاجلة وبناء حلول مستدامة تعزّز قدرة المجتمعات في الاعتماد على نفسها".
ويؤكد مراد أنّ الحد من أزمة الأمن الغذائي لا يتحقق فقط من خلال توزيع المساعدات الغذائية عن طريق منظمات المجتمع المدني، بل يتطلب تكامل الجهود بين مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني، والجهات المعنية، لبناء منظومة استجابة متكاملة تعالج الأسباب الجذرية لانعدام الأمن الغذائي وليس الاكتفاء بالتعامل مع نتائجه.
ويضيف: " يشمل ذلك، دعم القطاع الزراعي من خلال توفير البذور والأسمدة ومستلزمات الإنتاج، وتأهيل مصادر المياه وشبكات الري، ودعم المزارعين، إلى جانب خلق فرص عمل وتنفيذ مشاريع تسهم في رفع مستوى دخل الأسر، وتأمين احتياجاتها اليومية والموسمية".
ويتابع مراد: " كما أنّ استقرار الأسواق، وتحسين قيمة الليرة السورية، وتعزيز التعامل بها، والارتقاء بالخدمات الأساسية، تمثل عوامل أساسية في تعزيز صمود المجتمعات، وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الاقتصادي".
وفي المقابل، يبقى استمرار الدعم الإنساني ضرورة لا غنى عنها، كما يؤكد مراد، ولا سيّما للفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الأسر العائدة حديثاً إلى قراها وبلداتها، والتي تواجه تحديات كبيرة في تأمين احتياجاتها الأساسية، وإعادة بناء مشاريعها، ويلفت إلى أن أي تراجع في التمويل أو تقليص للبرامج الإنسانية، من شأنه أن يوسّع فجوة الاحتياجات ويزيد مستويات انعدام الأمن الغذائي، حيث إنّ الأولوية اليوم تتمثل في الجمع بين استمرار الاستجابة الإنسانية المنقذة للحياة والاستثمار في برامج التعافي المبكر وسبل العيش، بما يمكّن الأسر من استعادة قدرتها على الإنتاج والاعتماد على الذات تدريجياً، ويحدّ من الاعتماد طويل الأمد على المساعدات الإنسانية.
من جانبه، يشير الأربعيني فايز خضر، المتحدّر من ريف حمص، إلى أنّ قضية تأمين الغذاء باتت هاجساً يومياً بالنسبة إليه وإلى كثيرٍ من العائلات، مبيّناً لـ" العربي الجديد" أنّ الحصول على وجبتين يوميّاً هو ما يشغل بال كثيرين، ويقول: " نعتمد على الخضار الموسمية في الوقت الحالي، خصوصاً أنّ ما ينتجه عامل المياومة يعادل قيمة ما يحتاجه من غذاء يومياً، إذ إنّ تكاليف المعيشة مرتفعة جدّاً، وأفراد العائلة بحاجة إلى ربطتَي خبز يومياً، في حال كانت عائلة متوسطة، فيما الأجور لا تعادل هذه الحاجة، وفي الشتاء يزداد الأمر سوءاً مع بروز الحاجة إلى وقود التدفئة".
وكان صندوق الأمم المتحدة للسكان قد أوضح في تقريره الصادر في الثامن من يوليو/تموز الجاري، أنّ نحو 1.
2 مليون شخص في سورية أصبحوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، من بينهم 295 ألف امرأة في سنّ الإنجاب، كذلك بيّن أنّ النساء والفتيات يواجهنَ مخاطر متزايدة مرتبطة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي، بالإضافة إلى محدودية الوصول إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية الأساسية بسبب تضرّر البنية التحتية واكتظاظ مراكز الإيواء.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك