تكشف رواية “شهوات النعناع” للكاتب أسامة معاوية الطيب عن تجربة سردية ثرة تمزج بين وجع الفقد الحاضر وتفاصيل الماضي البعيد وهو يتماهى خلف سدف الغياب.
يتجلى هذا المزج الفريد بوضوح عند تفكيك البنية الهيكلية للرواية واستقصاء علاقة الذاكرة الخاصة للكاتب بمادة كتابته، حيث يتشكل النص كمعمار إبداعي يتأسس بالكامل فوق ركام الذكريات المبعثرة.
تتخذ هيكلية الرواية طابعاً متشظياً غير خطي (Non-linear narrative)، فلا تسير الأحداث في خط زمني مستقيم، بل تنطلق بالمقلوب من نقطة مركزية هي غرفة المستشفى “ببياضها المشبوه”.
من على سرير المرض والاحتضار، يَعْبُر السارد “تاج السر” حواجز المكان والزمن عبر تيار الوعي والارتداد نحو الماضي وعبر تقنية الاسترجاع (Flashback) ليحكي من ذاكرته ما مر من أحداث.
تتداخل في البناء الروائي تقنيات متعددة مثل المذكرات المؤرخة والرسائل المتبادلة مع الحبيبة “ابتسام” والصديق الراحل “سيف”.
هذا التعدد الهيكلي يكسر رتابة السرد التقليدي، ويجعل من الرواية أشبه بمرآة مكسورة تعكس شظايا حيوات متعددة، تجمع بين الموت الحاضر والحياة الفائتة لتتجمع في نهاية المطاف مراَةً مجلوةً تعكس مشاهدها بوضوح، فالقارئ لأسامة كمن يحل أحجية تغوص في الحنين والذكريات والآلام العظيمة.
وبالاقتراب من الكاتب أكثر، نجد أن سيف وتاج السر شخصيات حقيقة ولكن تبدلت أدوارها في خيال الكاتب وتماهت مع ذاته في بعض الأحيان.
ترتبط الذاكرة الخاصة للكاتب أسامة الطيب ارتباطاً وثيقاً بما يكتب، إذ يظهر جلياً انعكاس البيئة المحلية في شمال السودان وثقافتها ومحطات الوطن السياسية والاجتماعية على وعي الشخوص.
يستدعي الكاتب من ركام ذاكرته تفاصيل القرية بنخيلها المكدود، وشوارعها المتعرجة، وحكايات النهر من ذاكرته وخياله الخصيب.
حيث تبرز في النص شخصيات محملة بروح الواقع وتناقضاته، مثل “العمدة” وسلطته التقليدية، و”علي ود عاشة” وفوانيسه، والحاجة “الحجرة” وجسارتها في مواجهة فجيعة موت أبنها الوحيد.
كما تحضر الذاكرة الجمعية لجيل التسعينيات – وأنا أحد شهودها – ومعاناته تحت وطأة الاستبداد السياسي وتجار الدين الذين شوهوا ملامح الوطن وحولوه الى خرائب ومحض ذكرى أليمة.
يتداخل الشخصي بالعام، لتصبح الذاكرة الفردية للمغني المحتضر مرادفاً لذاكرة وطن ينزف كرامته وماضيه ولكنه يقاوم الفناء.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك