يبدو أن النظام الإيراني، شأنه في ذلك شأن سائر القوى القائمة على تعبئة أيديولوجية، أسكرته نشوة النصر إزاء فشل أمريكا في إملاء شروطها عليهقبل ثلاثة أسابيع، قيّمنا ما وصلت إليه واشنطن وطهران من اتفاق لوقف القتال وتسوية العلاقات بينهما على الوجه التالي: «أما إدارة ترامب، وبالرغم من هذيان رئيسها في المقابلات المتلفزة وعلى وسائط التواصل الاجتماعي، فإنها وجدت نفسها مضطرة إلى القبول بمطالب إيرانية عديدة، ولو بقيت على شكل وعود لا غير في «مذكرة التفاهم».
بكلام آخر، مع انخفاض مصداقية العصا مع مرور الوقت إثر وقف إطلاق النار قبل ما يناهز أربعة شهور، لم يبقَ لدى الإدارة الأمريكية سوى تقديم المزيد من الجزر للوصول إلى الاتفاق المذكور.
» («إخفاق ترامب في لعبة العصا والجزرة»، 23/6/2026).
طبعاً، دلّ الإبهام الذي لفّ معظم بنود «مذكرة التفاهم» بين الطرفين على أن المسار القادم سوف يكون صعباً ومعقداً، بيد أنه بات بإمكان إيران أن تجني بفضل الاتفاق الذي أحرزته ثمار صمودها في وجه العدوان الثنائي الأمريكي-الإسرائيلي، بحيث تخرج من حالة الحرب بمكاسب عظيمة، منها إلغاء كافة العقوبات المفروضة عليها والإفراج عن أموالها المجمّدة في الخارج، بل والحصول على مليارات الدولارات من الاستثمارات للتعويض عن الخسائر التي تكبدتها ودعم إعمارها وتنميتها.
كل هذا لقاء التخلّي عن اليورانيوم الذي خصّبته فوق ما سمح به الاتفاق النووي الذي أبرمته مع إدارة باراك أوباما في عام 2015، بعد أن طعن فيه دونالد ترامب في عام 2018.
والحال أنه من المعروف أن مستوى التخصيب المعني يفوق ما يحتاجه توليد الطاقة لأغراض مدنية، لكنه لا يصل إلى ما يحتاجه صنع السلاح النووي، وقد أعلنت طهران مراراً أنها لا تنوي صنع مثل هذا السلاح.
فإن ما جرى تخصيبه منذ عام 2018 نكاية بترامب، إنما كان بمثابة ورقة ضغط في يد طهران، ليس إلّا.
أما عدا ذلك، فعودةٌ إلى ما كان قائماً قبل العدوان الثنائي من حرية ملاحة في مياه الخليج ومضيق هرمز.
أي أنه كان ممكناً أن تشكّل المقايضة التي غدا بمتناول طهران الوصول إليها بناءً على «مذكرة التفاهم»، مكسباً عظيماً لإيران.
غير أنه يبدو أن النظام الإيراني، شأنه في ذلك شأن سائر القوى القائمة على تعبئة أيديولوجية، أسكرته نشوة النصر إزاء فشل أمريكا في إملاء شروطها عليه وتمكنه هو من فرض شروط على واشنطن لقاء وقف القتال.
فبدل أن يستفيد مما أنجزه، وكان «المعتدلون» قد سعوا وراءه في مجرى المفاوضات التي أوصلت إلى «مذكرة التفاهم»، ها أنه يتبنّى موقفاً متشدّداً يبغي من خلاله الحصول على ما لم يكن لديه قبل العدوان الثلاثي، وهو الانفراد في التحكّم بمضيق هرمز مع فرض رسوم على السفن التي تمرّ عبره.
والحقيقة أنه لعبٌ بالنار، إذ هو سلوك استفزازي إزاء دولة تفوق قوتها الاقتصادية والعسكرية قوة إيران بما لا يُقاس، ويرأسها رجلٌ مشهور بكثرة نزواته وصعوبة مزاجه.
فالخطر كبير في أن نفور دونالد ترامب من سلوك طهران ورغبته في تجليس صورته، التي أساءت «مذكرة التفاهم» إليها جالبة عليه انتقادات لاذعة من شتى الجهات، بما فيها جهات حزبه الجمهوري، الخطر كبير في أن يؤدّي الاستياء الناجم عمّا وصفنا بالرئيس الأمريكي إلى قرار العودة إلى الحرب بتصعيدها نوعياً هذه المرة، مع استهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية بما يتسبب في تفاقم خطير للأزمة الاقتصادية التي تعاني منها إيران أصلاً.
فإنها لمجازفة كبرى قد تلغي ما أحرزته إيران بصمودها، ومن خلال استفادتها من حماقة ترامب في شنّه حرباً منعدمة التخطيط وقائمة على تمنّيات ساذجة، وقد تؤدّي إلى عواقب وخيمة على البلاد وعلى نظام حكمها.
وبالطبع، فهذا ما تتمنّاه الدولة الصهيونية بحرارة بعد أن امتعضت شديد امتعاض من «مذكرة التفاهم» التي خيّبت أملها بأن تؤدّي الحرب إلى انهيار النظام الإيراني، بل والدولة الإيرانية برمّتها.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك