بعد أيام من الحرائق الواسعة التي تركزت بشكل أساسي في جنوب فرنسا وغربها، تحوّلت الأنظار منذ مساء الأحد إلى غابة فونتينبلو، الواقعة على مسافة نحو ستين كيلومتراً جنوب شرق باريس، بعدما التهم حريقان فيها نحو 2050 هكتاراً حتى ما بعد ظهر اليوم الثلاثاء.
ويأتي ذلك فيما تبقى معظم الأقاليم الفرنسية تحت وطأة موجة الحر الثالثة لهذا الموسم، مع حرارة شديدة وجفاف متزايد في الغطاء النباتي أبقيا خطر الحرائق مرتفعاً في مناطق واسعة من البلاد.
وكانت الحرائق المستعرة في غابة فونتينبلو جنوب باريس أتت على مزيدٍ من الأراضي خلال ساعات الليل، وفق ما أعلنت فرق الإطفاء اليوم الثلاثاء، قبيل احتفالات اليوم الوطني في فرنسا التي ترافقها عادةً ألعاب نارية خلال المساء.
وفي ظلّ موجة الحر التي تضرب المنطقة، امتدّ الحريق الذي يُعدّ نادراً في شمال البلاد، بشكل سريع وعطّل حركة السير والقطارات خلال عطلة نهاية الأسبوع.
واندلع الحريق، الأحد، في غابة فونتينبلو التاريخية التي تضمّ عدداً من القرى الهادئة.
واندلع حريق ثانٍ أصغر في اليوم التالي، وسبق أن أعلنت فرق الإطفاء أن الحرائق أتت حتى الآن (قبل ظهر الثلاثاء) على أكثر من 1900 هكتار.
وقال الناطق باسم فرق الإطفاء الإقليمية بول - إدوار لورين إنّ نحو 850 عنصرَ إطفاءٍ يكافحون الحرائق بمساعدة طائرات مخصّصة لهذا الغرض، في حين تأمل السلطات السيطرة على النيران خلال اليوم (الثلاثاء).
وقال محافظ إقليم سين إي مارن، بيير أوري، إنّ اليوم سيكون" حاسماً" لصد النيران، واضعاً تثبيت الحريقين قبل حلول المساء هدفاً لأكثر من 850 عنصراً من فرق الإطفاء.
وتُعدّ فونتينبلو المتنفّس الطبيعي الأبرز لسكان العاصمة وضواحيها، والغابة الأكثر ارتياداً في فرنسا، إذ تستقبل ما بين 15 و18 مليون زيارة سنوياً، أي ضعف عدد زوار متحف اللوفر تقريباً، فيما يأتي نحو 30% من روّادها من خارج فرنسا.
ويكتسب وصول حريق بهذا الحجم إليها بُعداً يتجاوز إلى حد بعيد نطاقه المحلي، إذ ينقل الحرائق الكبرى إلى أبواب باريس ويجعل آثار تغيّر المناخ أكثر حضوراً في وسائل الإعلام، بعدما ارتبطت هذه المخاطر طويلاً في أذهان الفرنسيين بالجنوب المتوسطي ومناطق أبعد عن المدن الكبرى وأقل حضوراً في المشهد العام.
وبحسب وكالتَي فرانس برس ورويترز، أجبرت الحرائق نحو ألف شخص في فونتينبلو ومحيطها على الفرار من منازلهم.
كما أغلقت السلطات الطريق السريع" إيه6" الذي يربط العاصمة بمدينة ليون والجنوب.
وتسبّبت حرائق أصغر بالمنطقة في تعطيل خدمات القطارات فائقة السرعة.
وتُحقّق السلطات لتحديد إن كانت الحرائق متعمّدة.
وقد جرى توقيف شخصين على الأقل بشبهة الحرق المتعمّد بالقرب من أحد أشهر القصور الملكية في فرنسا.
وأحد المشتبه بهما اللذين أُوقفا هو شاب يبلغ من العمر 18 عاماً، وليس لديه سوابق جنائية، وكانت يداه ملطختين بالرماد وفي حوزته ولاعة عند احتجازه، وفق ما أفاد مصدر قريب من القضية.
وأدّى حجم الحريق إلى نشر أربع طائرات من طراز" كانادير"، وهو أمر غير مسبوق في منطقة باريس الكبرى، إلى جانب طائرتين من طراز" داش" وثلاث مروحيات لإلقاء قنابل المياه، وذلك على ارتفاع منخفض فوق نهر السين لملء خزاناتها، إلى جانب طائرة تلقي مواد من شأنها التخفيف من انتشار النار، وذلك في محاولة لاحتواء الحريق الذي حوّل السماء إلى اللون الأسود.
وفي حديث لـ" العربي الجديد"، تؤكد ماري وارزيكوفسكي، من هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية" ميتيو فرانس"، أن الظروف المواتية لاندلاع النيران ما زالت قائمة اليوم، وتمتد من محيط باريس إلى منطقة بورغوني في الوسط الشرقي، كما تشمل إقليمَي أود وأوت غارون جنوباً، في ظل طقس حار وجاف ورياح بين خفيفة ومتوسطة.
وتشدّد على ضرورة الحذر في المناطق التي لم تعتد هذا النوع من الحرائق، ولا سيّما شمال البلاد وغربها.
وتشير إلى أن جفاف الغطاء النباتي يواصل تقدمه في أنحاء فرنسا، فيما لن تنتهي موجة الحر الحالية قبل الخميس، وقد تستمر مدة أطول في المناطق المطلة على البحر المتوسط.
ووضعت الهيئة 30 إقليماً في المستوى البرتقالي لخطر حرائق الغابات، بما يعني أن الخطر فيها مرتفع.
أما في خريطة الحذر الخاصة بالحر، فبقي 26 إقليماً في المستوى الأحمر، وهو الأعلى، مقابل 58 إقليماً في المستوى البرتقالي.
تشهد فرنسا ثالث موجة حر في أقلّ من ثلاثة أشهر، فيما اندلعت حرائق في أجزاء مختلفة من البلاد خلال الأسبوع الماضي.
وهي حلقة جديدة ضمن سلسلة أحوال الطقس القاسية التي تؤدي إلى وفيات والتي ربط العلماء تزايد وتيرتها خلال العقود الأخيرة بتغيّر المناخ الناجم عن النشاط البشري.
وقد ألغت العديد من البلدات في أنحاء فرنسا عروضها السنوية للألعاب النارية، لكن مع ذلك، يُطلَق جزء كبير منها بشكل مخالف للقانون.
وتتزامن احتفالات اليوم الوطني هذا العام مع مباراة نصف نهائي كأس العالم لكرة القدم، حيث ستتواجه فرنسا وإسبانيا مساءً بالتوقيت المحلي.
وكانت وزارة الداخلية قد أعلنت صباح الاثنين حشد كل الوسائل اللازمة لوقف تقدم النيران قبل حلول المساء، غير أن ذلك لم يتحقق في الموعد المحدد، بل اندلع خلال اليوم حريق ثانٍ على الطرف الآخر من الغابة، بعدما بدأ الحريق الأول عصر الأحد على جانبي الطريق السريع الرابط بين باريس وجنوب شرقي البلاد.
وقال ناطق باسم محافظة سين إي مارن، التي تقع فيها الغابة، لـ" العربي الجديد"، إنّ الوسائل الجوية تواصل دوراتها لمساندة فرق الإطفاء على الأرض.
وأضاف أنّ قُرب النهر من موقعَي الحريقين سمح للطائرات بتكرار عمليات التزوّد بالمياه خلال فترات قصيرة.
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد صرّح أمس عبر" إكس" بأنّه جرى استخدام كل الموارد المتاحة لمكافحة ما وصفه بـ" حريق غابات كبير بشكل استثنائي".
وظهر اليوم، قال وزير الداخلية لوران نونيز إنّه جرى احتواء الحريقين ووقف تمددهما، من دون تثبيتهما نهائياً.
وكان الحريق الأول قد طاول 1600 هكتار حتى ظهر اليوم، والثاني قرابة 450 هكتاراً، لترتفع المساحة الإجمالية التي عبرتها النيران إلى 2050 هكتاراً.
ويعني وصول المساحة المتضررة إلى 2050 هكتاراً أنّ النيران طاولت خلال اليومين الماضيين أكثر من 8% من مجمل غابة فونتينبلو، الممتدة على نحو 25 ألف هكتار، وهو أكبر حريق تشهده منذ عام 1945، وثالث أكبر حريق مسجل في النصف الشمالي من فرنسا خلال عشرين عاماً.
كما وصلت النيران إلى واحدة من أبرز المحميات البيولوجية في فونتينبلو، التي تضم غطاءً غابياً بات نادراً في هذه المنطقة من فرنسا، يجمع بين أشجار البلوط والزان والصنوبر ومناطق رطبة تؤوي أنواعاً حيوانية ونباتية متعددة، فيما تقول السلطات إنّ حجم الأضرار والخسائر لن يُعرَف قبل إخماد كلّ بؤر النيران، وهي عملية قد تستغرق أسابيع.
وسبق أن قال نونيز إنّ السلطات تحقّق لتحديد إن كان الحريق متعمّداً.
وأضاف: " كانت هناك نحو عشر نقاط إشعال حرائق ضمن نطاق ألف متر، ما يدلّ على أنّها ربما أُضرمت عمداً".
وأشار نونيز في وقت متأخر من أمس الاثنين إلى أن الحريق كان على بُعد بضعة كيلومترات فقط من قصر فونتينبلو، وهو ما يفسّر استخدام موارد كبيرة، منها طائرات نفاثة وطائرات مروحية لنقل المياه.
ولفت نونيز إلى أنّ حريق فونتينبلو يساهم في ما سيكون على الأرجح عاماً تاريخياً من حيث الحرائق في فرنسا، إذ احترق 32 ألف هكتار بالفعل هذا العام، وهو ما يزيد عن الإجمالي المسجّل في عام 2025.
وأضاف وزير الداخلية الفرنسي: " من المحتمل أن نشهد عاماً غير مسبوق.
كنا نتوقع ذلك في ظلّ هذه الموجة الشديدة من الجفاف"، كاشفاً أنّه جرى اعتقال 59 شخصاً في أنحاء فرنسا للاشتباه في إشعالهم حرائق في أنحاء البلاد.
وأضاف أنّ نصفهم تقريباً من البالغين والنصف الآخر من القاصرين، وبعض مَن اعتادوا ارتكاب مخالفاتٍ.
وقال كليمان بوهر (37 عاماً)، وهو أحد سكان قرية أربون-لا-فوريه، لـ" فرانس برس"، إنّه هو وعائلته في حال تأهب منذ رأى سحب الدخان تتصاعد في منطقة الغابة ليل الأحد.
وأضاف: " كما هي حال بقية (السكان)، نحن في حال تأهب.
المركبات والحقائب جاهزة.
كل ما يمكننا القيام به هو الانتظار".
وكانت الأجواء خانقة في الغابة صباح أمس الاثنين، بينما وصلت عربات الإطفاء تباعاً في مسعى للسيطرة على الحريق.
وأفاد قائد العمليات في الموقع جان مارك سيكار، مساء الاثنين، بأنّه جرى تنفيذ 187 عملية إسقاط للمياه.
وأشار إلى أنه عند حلول الليل، كان هناك نحو 600 عنصر إطفاء في حالة استنفار، للتناوب على مكافحة الحريق.
وأضاف: " الحريق ما زال ينتشر" بسبب الظروف الجوية التي لم تكن" مؤاتية للغاية" مساء الاثنين، رغم" تراجع موقت لحدّة النيران".
وعلى متن جراراتهم، سحب مزارعون عدداً من الخزانات، ووجّهوا خراطيم المياه نحو الحريق.
وفيما فرّت الممرّضة سيدني فويار (45 عاماً) من منزلها في قرية لو فودو، عادت لاحقاً لإفساح المجال أمام عناصر الإطفاء لاستخدام المياه المتوفرة في بركة السباحة في منزلها.
وقالت إنّ حرائق الغابات هذه" متوقعة في ظلّ تغير المناخ".
وتواجه أوروبا موجة الحر الثالثة هذا الصيف، إذ يزيد الجفاف الشديد للنباتات ودرجات الحرارة المرتفعة خطر الحرائق من شبه الجزيرة الأيبيرية إلى فرنسا.
ويقول الكثير من العلماء إنّ تغير المناخ يجعل حرائق الغابات أكثر تواتراً وأصعب في مكافحتها.
وسجّلت فرنسا أكثر من ألفَي وفاة ناجمة عن الحر الشديد خلال موجة الحر في يونيو/حزيران المنصرم و300 أثناء ارتفاع درجات الحرارة أواخر مايو/أيار الماضي، بحسب بيانات رسمية.
وفي بقية أنحاء فرنسا، تمكّنت فرق الإطفاء من تثبيت أحد أكبر الحرائق خلال الأعوام الأخيرة، بعدما طاول نحو 4400 هكتار في إقليم دروم، جنوب شرقي فرنسا، خلال أكثر من أسبوع، فيما تواصل مراقبة المنطقة تحسباً لتجدّد النيران.
كما ثبّت الإطفائيون حريقاً على ساحل بريتاني غربي البلاد، وهي منطقة معروفة باعتدال طقسها، بعدما أتى على 38 هكتاراً وأجبر مئات السكان والمصطافين على المغادرة، بينما طاولت حرائق أخرى مئات الهكتارات في الجنوب الغربي والوسط الشرقي، ودفعت إلى إجلاء مئات الأشخاص أيضاً.
وترفع هذه الحرائق المساحة التي طاولتها النيران في فرنسا منذ بداية الموسم إلى نحو 32 ألف هكتار، وهي حصيلة تتجاوز ما احترق خلال عام 2025 بأكمله.
وكانت السلطات قد أحصت نحو 250 بؤرة يوم الأحد وحده، من بينها قرابة ثلاثين حريقاً عُدّت شديدة الخطورة، فيما بات الجفاف يشمل كلّ الأقاليم الفرنسية تقريباً بدرجات متفاوتة، بعد موجات حر متعاقبة منذ يونيو الماضي.
وتشير هيئة" ميتيو فرانس" إلى أن درجات الحرارة ستبدأ بالانخفاض تدريجياً، يوم غد الأربعاء، في شمال البلاد وغربها، بينما تبقى عند مستويات مرتفعة في الوسط والجنوب الشرقي، قبل أن يتّسع التراجع ليشمل عموم البلاد في النصف الثاني من الأسبوع.
لكن ماري وارزيكوفسكي تؤكد لـ" العربي الجديد" أن هذا الانخفاض لا يعني زوال خطر الحرائق، إذ يبقى الغطاء النباتي شديد الجفاف، بالتزامن مع احتمال هبوب رياح قوية، فيما تستمر درجات الحرارة أعلى بدرجاتٍ عدّة من معدلاتها الموسمية حتى نهاية الأسبوع.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك