تبرز في اليمن ظاهرة انتشار الكلاب الشاردة، وما تمثّله من خطرٍ داهمٍ يهدّد حياة الصغار والكبار بعدوى داء الكلب، بعد أن صارت شوارع المدن والأحياء" مفخّخة" باحتمال التعرّض لهجومٍ مباغتٍ، وسط تقاذف المسؤوليات وضعف الرقابة وغياب الميزانيات، فضلاً عن ندرة اللقاحات واحتكارها بأسعارٍ تفوق القدرة المادية للأسر.
غادرت الطفلة اليمنية بلقيس (12 سنة) منزلها صباحاً لشراء بعض الأغراض من بقالة الحي في منطقة السنينة غربي العاصمة صنعاء، ولم تكن تعلم أنّ طريق عودتها سيتحوّل إلى ساحة رعب، إذ فوجئت بكلبين ينهالان على جسدها النحيل بالعضّ، وبعد أن نُقلت إلى المستشفى مصابة بجروح في مناطق متفرقة، بدأت معاناة البحث عن جرعات العلاج.
يقول والد الطفلة لـ" العربي الجديد": " فوجئت في المستشفى بغياب اللقاحات، وطلب مني الأطباء شراءها من الصيدليات الخارجية، وبعد جولةٍ طويلة، وجدتها في صيدلية تبيعها بأسعار خيالية.
اضطررتُ إلى بيع مصوغات زوجتي من أجل شراء اللقاح وإنقاذ طفلتي، وفكرتُ في حجم المأساة التي يمكن أن تعيشها الأسر الفقيرة العاجزة عن الشراء، خصوصاً أن الجهات الحكومية لا تقوم بأيّ دور لتوفير اللقاحات في المستشفيات العامة".
ليست قصة بلقيس مجرّد مأساة فردية أو حادثة عابرة، بل هي فصل من المعاناة اليومية للأسر اليمنية في مواجهة خطر داء الكَلَب، ففي ظلّ انهيار الخدمات البلدية وغياب الرقابة البيئية، تحوّلت الشوارع إلى بؤر مأهولة بالكلاب الشاردة، ما يضع حياة السكان بين أنياب الكلاب المفترسة، ومنظومة صحية مُتهالكة تعجز حتى عن توفير اللقاح، في حين يصل سعر الحقنة الواحدة إلى نحو 50 دولاراً أميركياً، ويضاعف بروتوكول العلاج العبء المالي، إذ لا يقتصر على حقنة واحدة، بل يستلزم جدولاً علاجياً يمتدّ لأسابيع.
ويعود هذا التصاعد المخيف إلى تداخل جملة من العوامل البيئية والخدمية، وفي مقدمتها انهيار منظومة النظافة، وتكدّس النفايات، فضلاً عن تراكم مخلّفات المسالخ والذبائح، وتوقف حملات الحدّ من تكاثر الكلاب الشاردة، فضلاً عن غياب شبكات الكهرباء العمومية، ما يحوّل الأحياء ليلاً إلى بيئة مثالية لهجمات الكلاب.
ولا تقتصر المأساة على العاصمة صنعاء، بل يتّخذ الخطر أبعاداً أكبر في مدينة تعز (جنوب غرب).
كان عبد الجبار نعمان يحرص على أداء الصلوات الخمس بانتظام في مسجد الحي، لكن انتشار الكلاب الشاردة أجبره على التخلّي عن أداء صلاة الفجر جماعة في المسجد.
يقول لـ" العربي الجديد": " خرجت قبل أشهر لصلاة الفجر، وهاجمتني الكلاب، فدافعتُ عن نفسي بالعصا.
كانت بالفعل لحظات عصيبة، حتى إنّ بعض الشباب رافقوني خلال طريق العودة من الجامع، وطلبوا مني أن أكتفي بالصلاة في المنزل".
ويكشف المسؤول الإعلامي لمكتب الصحة بمحافظة تعز، تيسير السامعي، لـ" العربي الجديد"، عن تسجيل أكثر من 400 عضّة كلب خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، محذّراً من أنّ" هناك مئات الحالات الأخرى التي لا يبلغ عنها، ولا تُسجَّل في الكشوف الرسمية.
الحالات في ارتفاعٍ بنسبة تجاوزت 50%، فإجمالي ما سجّلناه خلال خمسة أشهر يتجاوز الإحصائية السنوية للعام الماضي.
انتشار الكلاب الشاردة في شوارع تعز يجعل كلّ عضّة بمثابة حالة مشتبهة بفيروس السعار القاتل".
ويُقرّ السامعي بالعجز الحكومي عن توفير اللقاحات، ويقول: " حاول مكتب الصحة خلال الفترة الماضية توفير كميات من اللقاحات، لكنّها تظلّ ضئيلة أمام الارتفاع المستمر في أعداد الضحايا.
لذلك، يضطرّ المواطنون إلى شراء اللقاحات بمبالغ تفوق قدرتهم، ورغم أن جمعية بيت هائل سعيد الخيرية تحاول صرف ما يتوفر لديها، إلا أنها تشهد كذلك طوابير من الأهالي الذين يتوسلون جرعة إنقاذ لحياة أطفالهم، ما يضعنا أمام أزمة صحية تتطلب تدخلاً عاجلاً لتطهير المدن من الكلاب".
ويحذّر الطبيب حسام محمد سعيد من الاستهانة بـ" داء الكَلَب"، مؤكّداً أنه ليس مجرد جرح عابر بل أزمة صحية حقيقية، ويوضح لـ" العربي الجديد"، أنّ" المرض ينجم عن فيروس حيواني يُهاجم الجهاز العصبي، ويُسبّب التهاباً دماغياً نخاعياً حادّاً، وهو قاتل بنسبة 100% تقريباً بمجرد ظهور الأعراض السريرية، والتي تبدأ عادةً بالحمى والصداع، قبل أن تتطوّر سريعاً إلى حالة من الهيجان، والتشنجات، والرهاب الحادّ من الماء والتيارات الهوائية، وصولاً إلى الوفاة خلال أيام معدودة".
ويشير سعيد إلى أنّ الفيروس ينتقل بـ" العدوى المباشرة" عبر لعاب الحيوان المُصاب، مثل الكلاب والقطط وحتى الخفافيش، سواء عن طريق العضّ، أو الخدش، أو مجرد لحس الجروح المفتوحة والأغشية المخاطية، وتكمن خطورة الإصابة لدى الأطفال في أنّ الصغار يمثلون هدفاً سهلاً لقطعان الكلاب التي تتركز عضّاتها في وجوههم ورقابهم، ما يُسرّع وصول الفيروس إلى الدماغ".
ويشدّد الطبيب اليمني على ضرورة التعامل الفوري مع أيّ إصابة عبر غسل الجرح جيّداً بالماء والصابون، ومن ثمّ التوجه العاجل إلى أقرب مركز طبي متخصّص لتلقّي المصل المناعي، وينبّه إلى أن التطعيم الطبي المعتمد ينقسم إلى مسارين؛ تطعيم وقائي استباقي للأشخاص والأطباء الأكثر عرضة للخطر، وبروتوكول علاجي طارئ لمَن تعرّضوا للعضّ لمنع الفيروس من الوصول إلى الدماغ.
لكن المأساة الحقيقية تتمثل في ندرة اللقاحات في المستشفيات الحكومية، وارتفاع أسعارها، الأمر الذي يتطلب تدخلاً عاجلاً لإنقاذ حياة آلاف الضحايا.
وبينما تُلقي مكاتب وزارة الصحة باللّوم على البلديات لتقاعسها عن مكافحة الكلاب الشاردة، تتذرّع البلديات بقلة ميزانياتها، وتتّهم الجهات الصحية بالقصور في توفير اللقاحات.
وأمام تقاذف المسؤوليات، تبرز الحاجة إلى خطواتٍ عملية تبدأ بتأمين المصل بالمجان، وقطع الطريق أمام احتكاره في السوق السوداء، إلى جانب تفعيل حملات بيئية لتطهير الأحياء من النفايات، والحدّ من تكاثر الكلاب الشاردة، ما يسهم في إعادة الأمان المفقود إلى الشوارع.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك