ليست قيمة مضيق هرمز فيما يمر عبر مياهه من ناقلات النفط والغاز فحسب، بل فيما يختزنه من معادلات القوة والنفوذ بين الدول الكبرى والإقليمية.
فهذا الممر البحري الضيق (39 كلم)، حيث يبدو على الخريطة مجرّد فاصلة مائية بين ضفتي الخليج العربي، تحوّل منذ عقود إلى أحد أكثر المواقع تأثيراً في الأمن الدولي، حتى باتت أي أزمة فيه تتجاوز حدود المنطقة لتنعكس فوراً على أسواق الطاقة، وحركة التجارة العالمية، والاستقرار الاقتصادي، وحسابات الردع العسكري.
على هذا الأساس، أصبح المضيق ورقة ضغط سياسية وعسكرية تستخدمها القوى المتنافسة ضمن صراع أوسع على النفوذ في الشرق الأوسط، فكل تهديد بإغلاقه، وكل عملية عسكرية أو تحرّك بحري في مياهه، يعيد إلى الواجهة أسئلة تتعلق بميزان القوى الدولي، ومستقبل أمن الطاقة، وقدرة الولايات المتحدة على حماية النظام البحري العالمي، وحدود النفوذ الإيراني، والدور المتنامي للصين، فضلاً عن المصالح الأوروبية والخليجية المرتبطة باستمرار انسياب التجارة من دون انقطاع.
من هنا، لم يعد فهم مضيق هرمز يقتصر على دراسة الجغرافيا أو الاقتصاد، بل أصبح مدخلاً ضرورياً لفهم طبيعة التحوّلات التي يشهدها النظام الدولي، حيث تتقاطع المصالح الاستراتيجية مع اعتبارات الأمن القومي، وتصبح بضعة كيلومترات من المياه أحد أهم مفاتيح الاستقرار أو التصعيد على مستوى العالم.
فمن جهةٍ، يمر عبر المضيق ما يقارب خمس تجارة النفط العالمية، إلى جانب نسبة كبيرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال، القادمة من قطر وإيران على وجه الخصوص، لهذا فإن أي اضطراب، ولو لساعات، يدفع الأسواق إلى إعادة تسعير المخاطر، وارتفاع أسعار النفط والتأمين والشحن البحري، فيما تتراجع مؤشرات الثقة في الأسواق المالية.
وقد بيّنت تداعيات الحرب الأميركية/ الإسرائيلية- الإيرانية، أن مجرّد انحسار المخاوف بشأن الملاحة كان كافياً لخفض توقعات أسعار النفط وتهدئة الأسواق، في مؤشّر واضح على أن العامل النفسي لا يقل أهمية عن الإمدادات الفعلية.
إيران التي تعتبر مضيق هرمز إحدى أهم أوراق الردع في مواجهة الضغوط الأميركية، والتي تدفع، وفق حساباتها، إلى إيقاف الحرب ضدها نجحت واشنطن والتحالف الدولي المعني بحرية الملاحة هناك في فرض حصار بحري مطبق على جميع سواحل إيران، فبات هذا الحصار أمرّ وأدهى على الاقتصاد الإيراني.
كما أن الإغلاق الكامل لمضيق هرمز لم يضرّ الدول الغربية وحدها، بل هدّد صادرات أهم مشتري النفط الإيراني، كالصين وكوريا الشمالية والهند، واستفزّ تحالفاً دولياً واسعاً لحماية حرية الملاحة.
لو اكتفت إيران بالتلويح بإغلاق مضيق هرمز لكان أفضل بكثير من إغلاقه فعلياً، لأن الورقة تكون موجعة ومؤثرة عندما تُستخدم مرّة واحدة في موقف وتوقيت استراتيجي حاسمَين، لكنها قد تفقد قيمتها إذا استخدمت في وقت مبكّر أو غير مناسب من الصراع، كونها ستستدعي ردّاً دولياً حاسماً مع نقمة دولية بسبب تداعيات السلوك غير القانوني وغير الأخلاقي لإيران وتأثيراته الاقتصادية التي عانت منها معظم الدول سلباً.
بالنسبة لدول الخليج، لم تعد أزمة هرمز مجرّد احتمال نظري، بل أصبحت دافعاً عملياً لتطوير بدائل استراتيجيةوبالرغم من أن منشأ أزمة مضيق هرمز مرتبط بالحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران للأسباب المعلنة والمرتبطة بالنشاط النووي، وتمدّد إيران عبر أذرعها في الإقليم، إلا أنها كشفت أيضاً أن الولايات المتحدة ما تزال القوة البحرية الأكثر قدرة على تأمين الممرّات الاستراتيجية، ومنها مضيق هرمز، وهي الضامن الأهم للنظام الاقتصادي العالمي الذي يعتمد على انسياب التجارة والطاقة.
وإذا كانت الولايات المتحدة الحارس التقليدي للممرّات البحرية، فإن الصين أصبحت المستفيد الاقتصادي الأكبر منها.
فبكين تعتمد كثيراً على واردات النفط القادمة من الخليج، وأي اضطراب في مضيق هرمز ينعكس مباشرة على صناعتها ونموها الاقتصادي.
ومع هذا، لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على منظومة الأمن البحري التي تقودها الولايات المتحدة، وهو ما يمثل مفارقة استراتيجية؛ إذ يستفيد المنافس الاقتصادي الأول لواشنطن يستفيد من نظام أمني لم ينشئه بنفسه.
ولهذا تستثمر الصين في مبادرة" الحزام والطريق"، وتوسّع حضورها البحري تدريجياً، وتبحث عن تنويع مصادر الطاقة، إدراكاً منها أن أمنها الاقتصادي لا يمكن أن يبقى رهينة لممرّ واحد أو لقوة منافسة.
بالنسبة لدول الخليج، لم تعد أزمة هرمز مجرّد احتمال نظري، بل أصبحت دافعاً عملياً لتطوير بدائل استراتيجية، ورغم أن السنوات الأخيرة شهدت توسّعاً في خطوط الأنابيب التي تتجاوز المضيق، وتطويراً للموانئ الواقعة على بحر العرب والبحر الأحمر، وزيادة الاستثمارات في البنية التحتية اللوجستية، بهدف تقليل الاعتماد على هذا الممرّ الحساس.
إلا أن هذه البدائل، على أهميتها، لا تستطيع في المدى المنظور أن تحل بالكامل محلّ مضيق هرمز، الأمر الذي يبقيه محوراً رئيسياً في أمن الطاقة العالمي.
لكن العراق يبقى الحلقة الأكثر هشاشة، حيث يجد نفسه في موقع بالغ الحساسية؛ حيث يعتمد اقتصاده الريعي بصورة شبه كاملة على عائدات النفط، التي يمر الجزء الأكبر من صادراته عِبر بوابة هرمز، وهذا يعني أن إغلاق المضيق حدّ من قدرة العراق على تصدير إنتاجه، بما أثر بشكل كبير جدّاً على إيراداته العامة، ويرفع تكاليف الاستيراد، ويزيد الضغوط على الموازنة والاقتصاد الوطني.
ومن هنا، على الدولة العراقية السعي بجدية وبشكل حثيث على تسريع مشاريع إنشاء المنافذ البديلة أو إكمالها وتطويرها، وربط العراق بشبكات نقل إقليمية، مع تنويع مصادر الدخل الوطني، حتى لا يبقى مستقبل الاقتصاد العراقي مرتبطاً بممرّ بحري، واحد ومورد مالي واحد.
مستقبل الصراع العالمي لن يُحسم فقط في العواصم الكبرى، ولا في المؤتمرات الدولية، بل في المضائق البحرية أيضاًويرى خبراء في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أن أزمة هرمز قلبت معادلة الردع ووضعت العالم في أجواء توتر وشيء من التردّد في اتخاذ مواقف حاسمة لإنهاء الحرب المستمرّة في منطقة الخليج العربي منذ 28 فبراير/ شباط الماضي كاشفة ملامح نظام دولي جديد، فالولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على دورها بوصفها الضامن لأمن التجارة العالمية، والصين تحاول تقليل اعتمادها على هذا الدور من خلال بناء نفوذ اقتصادي وبحري أوسع، فيما تستخدم إيران موقعها الجغرافي لتعزيز قدرتها على الردع، بينما تبحث دول الخليج عن تقليل هشاشتها الاستراتيجية.
أكّدت أزمة مضيق هرمز أن الجغرافية لا تزال من أقوى عوامل الحسم؛ فالعالم الذي يتحدّث عن الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، والقوة القاهرة، ما زال يعتمد، في جانب كبير من استقراره، على ممرّ بحري ضيق يمكن لأي توتر عسكري أن يحوّله إلى مصدر اضطراب عالمي.
كما أكّدت أن مستقبل الصراع العالمي لن يُحسم فقط في العواصم الكبرى، ولا في المؤتمرات الدولية، بل أيضاً في المضائق البحرية التي تتحكّم في تدفق الطاقة والتجارة.
ومن بين هذه المضائق، سيظل هرمز، في المستقبل المنظور، البوصلة التي تقيس بها الأسواق توازنات القوة، وتقرأ من خلالها الدول اتجاه الرياح في السياسة والاقتصاد والأمن العالمي.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك