يجري رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو أول زيارة رسمية له إلى المغرب اليوم الأربعاء، في وقت تستعد فيه الرباط وباريس للانتقال بعلاقاتهما إلى مستوى غير مسبوق بعد الإعلان عن معاهدة استراتيجية تاريخية سيبرمها البلدان خلال زيارة مرتقبة للعاهل المغربي إلى فرنسا الخريف المقبل، في خطوة تعكس التحول العميق الذي شهدته العلاقات الثنائية خلال السنوات الأخيرة.
ويصل لوكورنو إلى الرباط مساء الأربعاء، على رأس وفد حكومي موسّع يضم 12 وزيراً، من بينهم وزيرا الخارجية جان نويل بارو والداخلية لوران نونيز.
ويترأس لوكورنو مع نظيره المغربي عزيز أخنوش، غداً الخميس، انعقاد الدورة الجديدة للجنة العليا المشتركة المغربية الفرنسية، الأولى بين البلدين منذ عام 2019، بعد سبع سنوات تعطلت خلالها هذه الآلية، في حين دخلت العلاقات بين البلدين، منذ صيف 2021، أزمة دبلوماسية انخفضت فيها الزيارات والاتصالات السياسية إلى أدنى مستوياتها منذ عقود.
توسيع الشراكة الثنائية بين المغرب وفرنساويشكل انعقاد اللجنة العليا المشتركة مناسبة لإحياء الآلية الحكومية المشتركة المتوقفة منذ سنة 2019، في سياق تسعى خلاله الرباط وباريس إلى تثبيت مسار المصالحة السياسية وتوسيع الشراكة الثنائية إلى مجالات جديدة.
وفيما يرتقب أن تسهم مخرجات اللجنة العليا المشتركة في رسم خريطة طريق جديدة للعلاقات المغربية الفرنسية، بما يواكب التحولات الاقتصادية والجيوسياسية التي تعرفها المنطقة، ويعزز التعاون بين البلدين في الملفات ذات الاهتمام المشترك، ينتظر أن تشكل الزيارة مناسبة كذلك لبحث الإعداد لزيارة الدولة المرتقبة للعاهل المغربي الملك محمد السادس إلى فرنسا الخريف المقبل.
وهي الزيارة التي تم الإعلان عنها خلال المباحثات التي جرت في الرباط في مايو/ أيار الماضي بين وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره الفرنسي جان نويل بارو.
نبيل الأندلوسي: عنوان هذه الزيارة الانتقال من مرحلة الثقة السياسية إلى مرحلة المصالح الاقتصاديةوتعتبر الزيارة المرتقبة للوكورنو والوفد المرافق له واحدة من أكبر الزيارات الحكومية الفرنسية إلى المغرب خلال السنوات الأخيرة، إذ يضم الوفد الحكومي الذي سيقوده لوكورنو، 12 وزيراً، في حين ينتظر أن تعرف الزيارة التوقيع على مجموعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تغطي مجالات التعاون الاقتصادي والصناعي والتكنولوجي والأمني.
وتستحوذ المعاهدة الثنائية، التي يُفترض توقيعها خلال الزيارة، على موقع مركزي في عودة التقارب بين البلدين.
وقال بارو إنها ستكون أول معاهدة من نوعها تبرمها فرنسا مع بلد غير أوروبي، مضيفاً أنها ستضع إطاراً للعلاقات بين البلدين" للعقود المقبلة"، فيما قدّمها وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة باعتبارها الأولى من نوعها بين المغرب ودولة أوروبية.
وتعمل مجموعة مشتركة من الشخصيات الفرنسية والمغربية على إعداد النص، حيث يشرف وزير الخارجية الأسبق أوبر فيدرين على الجانب الفرنسي، في حين لم تكشف باريس والرباط رسمياً عن بنود المعاهدة أو المجالات التي ستشملها.
وكانت بوادر الأزمة بين البلدين قد ظهرت مع الكشف، في يوليو/تموز 2021، عن قضية برنامج التجسس" بيغاسوس".
وأظهر تحقيق دولي قادته منظمتا" فوربيدن ستوريز" و" العفو الدولية"، بمشاركة العديد من الوسائل الإعلامية، ومن بينها صحيفة" لوموند" الفرنسية، أن جهة مرتبطة بالأجهزة الأمنية المغربية اختارت عام 2019 رقماً كان إيمانويل ماكرون يستخدمه، إلى جانب أرقام رئيس الوزراء في ذلك الحين إدوار فيليب و14 وزيراً كانوا في مناصبهم، لاستهداف محتمل ببرنامج" بيغاسوس".
ولم يتمكن القائمون على التحقيق من فحص هاتف ماكرون، ولذلك لم يثبت ما إذا كان البرنامج قد اخترقه أم لا، لكن القصر الرئاسي الفرنسي اعتبر أن" هذه الوقائع ستكون بالغة الخطورة إن تأكدت صحّتها"، فيما نفت الرباط أن تكون من مستخدمي" بيغاسوس" ووصفت الاتهامات بأنها كاذبة.
لكن رغم ذلك، تسبب الملف بأزمة ثقة بين البلدين، قبل أن يأتي ملف التأشيرات بعد شهرين ليوسع التوتر.
وفي نهاية سبتمبر/ أيلول 2021، قررت الحكومة الفرنسية خفض عدد التأشيرات الممنوحة لمواطني المغرب والجزائر إلى النصف، وللتونسيين بنسبة 30%، متهمة الدول الثلاث بعدم إصدار عدد كافٍ من التصاريح القنصلية اللازمة لإعادة مواطنيها الصادرة بحقهم قرارات بمغادرة الأراضي الفرنسية.
ووصف المغرب القرار الفرنسي بأنه" غير مبرر"، خصوصاً أنه طاول طلاباً وعائلات وأشخاصاً لا صلة لهم بملف الترحيل.
وانفرجت هذه الأزمة نهاية 2022، مع إلغاء باريس القيود على التأشيرات، معلنةً، على لسان وزيرة الخارجية آنذاك، كاثرين كولونا، عودة" العلاقة القنصلية الطبيعية"، فيما قال بوريطة إن فرنسا ألغت حينها من جانب واحد إجراءً فرضته من جانب واحد.
وفيما كانت قنوات التواصل السياسي مع باريس شبه مقطوعة، وسّع المغرب شراكاته الاقتصادية والسياسية والعسكرية مع العديد من الدول الأخرى.
ولم تكن فرنسا غائبة تماماً عن المشهد الاقتصادي في المغرب طيلة فترة التوتر، لكن شركاتها وجدت نفسها داخل سوق أكثر تنوعاً وتنافساً، بعدما وسّعت الرباط خياراتها وشراكاتها مع قوى أخرى.
وجاءت زيارة ماكرون إلى الرباط في أكتوبر/ تشرين الأول 2024 لتفتح أمام الشركات الفرنسية مشاريع جديدة، حيث وقّع البلدان اتفاقات ومشاريع استثمارية تجاوزت قيمتها 10 مليارات يورو (نحو 11.
4 مليار دولار)، شملت مجالات مثل الطاقة المتجددة والموانئ والسكك الحديدية وتحلية المياه.
ولم يكن الوصول إلى هذه المرحلة من التفاهم ممكناً لولا استجابة باريس إلى ما بدا، في نظر العديد من المراقبين، المطلب المغربي الأهم.
في رسالة وجهها إلى الملك محمد السادس في 30 يوليو/ تموز 2024، اعتبر ماكرون أن" حاضر الصحراء الغربية ومستقبلها" يندرجان ضمن السيادة المغربية، وأن خطة الحكم الذاتي التي طرحتها الرباط في هذا الملف هي" الأساس الوحيد" لحل سياسي.
وأدى ترجيح فرنسا كفة الموقف المغربي في النزاع حول الصحراء الغربية، وهو جوهر القطيعة منذ سنوات بين الرباط والجزائر، إلى سحب الجزائر سفيرها من باريس في اليوم نفسه.
وكانت فرنسا تحاول قبل ذلك دعم خطة الحكم الذاتي المغربية من دون الذهاب إلى اعتراف رسمي يكلّفها علاقتها مع الجزائر، التي ترفض السيادة المغربية على الإقليم وتدافع عن حق الصحراويين في تقرير المصير، قبل أن تثبت باريس على موقف أعاد علاقتها بالرباط، لكنه أدخلها في أزمة دبلوماسية عميقة مع الجزائر، لم تبدأ خيوطها بالانحلال إلا قبل أسابيع وبصورة جزئية.
وتُرجم هذا التحول، منذ زيارة ماكرون، إلى حضور فرنسي أوسع في مدينتي العيون والداخلة داخل الإقليم، شمل الخدمات القنصلية والمؤسسات الثقافية والاتفاقيات التعليمية، في خطوة أعطت الموقف الفرنسي أثراً ملموساً على الأرض.
كما يوفر التقارب بين البلدين دعماً فرنسياً للمغرب في النقاشات الأوروبية التي تمس مصالحه وملف الصحراء الغربية.
وبرز ذلك بعد حكم محكمة العدل الأوروبية الصادر في أكتوبر/ تشرين الأول 2024، الذي أبطل اتفاقين تجاريين بين الاتحاد الأوروبي والمغرب بسبب شمولهما الصحراء الغربية من دون موافقة الشعب الصحراوي، إذ دعت باريس إلى مناقشة كيفية تنفيذ الحكم مع السلطات المغربية وطلبت تصحيح بعض فقراته.
ورغم أن التحرك الفرنسي لم يؤد إلى تغيير القرار، إلا أنه كشف عن استعداد باريس لمساندة الرباط داخل مؤسسات الاتحاد.
من جهتها، تبحث باريس في علاقتها مع الرباط عن استعادة التعاون في ملفات ذات أولوية بالنسبة إليها، من مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتهريب المخدرات إلى الهجرة وإصدار الوثائق القنصلية اللازمة لتنفيذ أوامر مغادرة الأراضي الفرنسية.
وتسعى أيضاً إلى زيادة المشاريع المشتركة مع الرباط في أفريقيا، مستفيدة من الحضور الذي راكمته الشركات والمصارف المغربية في غرب القارة ومنطقة الساحل، في وقت تقلص فيه الحضور الفرنسي في عدد من هذه الدول خلال السنوات الأخيرة.
وكان بارو قد قال إن البلدين يريدان إقامة مشاريع مشتركة في القارة، واصفاً المغرب بأنه حلقة وصل بين فرنسا وأفريقيا في مجالات النقل والطاقة والخدمات المالية.
ورأى رئيس المركز المغاربي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية بالمغرب، نبيل الأندلوسي، في حديث مع" العربي الجديد"، أن الزيارة" ستكون من بين الزيارات المهمة في العلاقات المغربية الفرنسية، لأنها ليست زيارة بروتوكولية، بل زيارة مصالح متبادلة"، موضحاً أن العلاقات بين البلدين مرت بين 2021 و2023 بمرحلة فتور غير مسبوقة، لكن منذ إعلان فرنسا دعمها الواضح لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، دخلت العلاقات مرحلة مختلفة، وأصبحت باريس حريصة على ترجمة هذا التحول إلى خطوات مؤسساتية ومبادرات عملية، وليس مجرد تصريحات سياسية".
وأضاف: " هناك حرص متبادل للحفاظ على العلاقات في مستواها الجيد من كلا البلدين، ولذلك فإن زيارة رئيس الوزراء الفرنسي تأتي لتأكيد أن التقارب أصبح خياراً استراتيجياً للدولتين، وليس مجرد تقارب ظرفي، وأن باريس والرباط، تسعيان للحفاظ على المصالح العليا المشتركة في إطار من الوضوح والجدية".
وأكد أن عنوان هذه الزيارة سيكون بمثابة إعلان الانتقال من مرحلة الثقة السياسية إلى مرحلة المصالح الاقتصادية، حيث غالباً ما تشهد مثل هذه اللجان المشتركة الإعلان عن مشاريع واستثمارات جديدة، ومن المتوقع أن تركز المباحثات على مواضيع ذات الاهتمام المشترك من قبيل الطاقة، خصوصاً الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، والنقل والبنيات التحتية، والرقمنة والذكاء الاصطناعي والاستثمارات الصناعية.
واعتبر الأندلوسي أن التوجه الفرنسي الحالي يعكس إدراك فرنسا أن المغرب أصبح منصة اقتصادية وصناعية نحو أفريقيا، وليس مجرد شريك تجاري تقليدي، وهو ما يستدعي تعزيز العلاقات الدبلوماسية معه بما يخدم هذا التوجه، لافتاً إلى أن رئيس الوزراء الفرنسي الحالي يملك معرفة دقيقة بملفات الأمن والتعاون العسكري، وتصريحاته الأخيرة التي أشاد فيها بالمستوى الممتاز للتعاون الأمني والقضائي مع المغرب، قبل أيام فقط من الزيارة، لا تبدو معزولة عن سياق التحضير لهذه الأخيرة، بل تمثل رسالة سياسية بأن الأمن سيظل أحد أعمدة الشراكة الثنائية.
محمد صابر: الزيارة مؤشر على انتقال العلاقات المغربية الفرنسية إلى مرحلة بناء تحالف استراتيجي طويل المدى يشمل الأمن والدفاع والاستثمار والقضايا الإقليميةمن جهة أخرى، قال الأندلوسي إن توقيت الزيارة لا يقل أهمية عن مضمونها، إذ تأتي في ظل سياق يتسم بإعادة تشكيل موازين القوى في غرب المتوسط، وتنافس أوروبي متزايد على الشراكة مع المغرب، وكذا تحولات في منطقة الساحل وشمال أفريقيا، ومن ثم فهي رسالة بأن فرنسا تعتبر المغرب شريكها الأكثر استقراراً وموثوقية في المنطقة، وأنها تريد استعادة موقعها الذي تأثر خلال سنوات الفتور.
وتابع: " هناك حديث متزايد عن إعداد إطار تعاقدي طويل الأمد أو معاهدة تؤطر العلاقات المغربية الفرنسية لعقود مقبلة، إضافة إلى إمكانية التحضير لزيارة مرتقبة للملك محمد السادس إلى باريس.
وإذا تأكد ذلك، فإن زيارة رئيس الوزراء ستكون محطة تحضيرية لهذه المرحلة الجديدة".


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك