تقلبات ومفاجآت الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال حرب إيران، كانت السمة المتميزة التي رافقتها من البداية.
لكنها ضربت يوم الثلاثاء الرقم القياسي.
قراره بتولّي أميركا لدور" الحارس" لمضيق هرمز مع فرض رسوم بنسبة 20% على قيمة حمولة البواخر التي تمرّ فيه" كتعويض" مقابل تأمين حرية الملاحة لها، أثار مزيجاً من الدهشة والصدمة قبل أن يتراجع عنه.
عندما أعلنت إيران عن عزمها فرض رسوم مرور في المضيق، أعربت الإدارة الأميركية عن شديد اعتراضها على أي خطوة من هذا النوع.
وزير الخارجية ماركو روبيو سبق وحذر وبوضوح لا يقبل التأويل بأن واشنطن ترفض مثل هذه الخطوة على أساس أن مياه هرمز دولية وبالتالي فإن حرية الملاحة فيها مضمونة بموجب الأعراف والقوانين الدولية.
التضارب بين قرار اليوم وموقف الأمس صارخ.
وما بدا كذلك أيضاً، أن هذه الرسوم تؤدي في حال إقرارها إلى زيادة حوالي 15% على سعر برميل النفط وبما يتناقض فرضها مع إصرار ترامب على فتح هرمز كمدخل إلى خفض الأسعار التي تسبب ارتفاعها بهبوط رصيد شعبيته مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
لكن التباين غير المفهوم، سرعان ما تكشفت مقاصده المبطّنة، بعد أن تراجع ترامب عن رسومه.
فهو توسلها كما بدا من حيثيات انقلابه على موقفه، كرسالة مالية برسم المنطقة وتفاوضية باتجاه إيران.
استخدامه لعبارة" تعويض" عندما أعلن عن ثمن حراسة مضيق هرمز بدا وكأنه كان يعبّر عن الحاجة إلى مصدر يوفر المساعدة في تسديد نفقات الحرب.
وقد وجده كما قال، في تعزيز" التجارة والاستثمارات" مع دول الخليج.
المعروف أن وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) طلبت من الكونغرس مؤخراً تخصيص مبلغ 87,6 مليار دولار، من أصلها" 21 مليار لشراء أسلحة وذخائر و17,2 مليار لتغطية كلفة العمليات العسكرية" الجارية.
الكونغرس منقسم حول الموضوع.
الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ وضع عوائق لمنع إقرار الموافقة وقد حظي بمؤازرة بعض الجمهوريين وسط شكوك متزايدة في مجلسي الكونغرس (الشيوخ والنواب) إزاء الاستمرار في الحرب.
يذكر أن الإدارة أبلغت الكونغرس في 7 يوليو/تموز الجاري، استئنافها للعمليات العسكرية ضد إيران بغية الاستفادة من فترة جديدة لستين يوما (بعد إنهاء وقف النار) يمكن للرئيس معها مواصلة حربه من دون موافقة الكونغرس.
وكان هذا الأخير قد طالب من خلال تصويت رمزي، البيت الأبيض بضرورة الحصول على موافقة مجلسيه قبل الدخول في عمل عسكري في الخارج.
لكن الرئيس الأميركي عاد إلى العمليات الجوية رداً على تحكم إيران بالملاحة في مضيق هرمز في تصعيد" خطير" كما وصفه مراقبون.
أما الجانب الإيراني غير المباشر من رسالة الرسوم، فقد جرى تصنيفه في خانة التطور" الأخطر" من التصعيد.
طرح هذا الخيار من جانب الولايات المتحدة وبعد أن عارضته، يكسبه" شرعية"، وفق تصريح للدبلوماسي الأميركي السابق، ريتشارد هاس، بل أكثر من ذلك، إذ أنه ينطوي ضمناً على مقبولية مضمرة، بحيث يمكن استحضار هذه السابقة لاحقاً لتسويغ نسخها خلال التفاوض حول صفقة تنهي الحرب.
وتعزز مسارعة وزير خارجية إيران عباس عراقجي للترحيب بالخطوة والاعتراف لترامب بأنه" على حق" في مطالبته برسوم المرور في هرمز، تعزز الاعتقاد بأن هذا البند جاء لإيران على طبق من فضة لوضعه على أجندتها التفاوضية.
وفي هذا الخصوص، نُسب إلى أحد المسؤولين قوله إنه برغم التصعيد فإن" إمكانية التوصل إلى اتفاق مع إيران ما زالت قائمة"، في حين تشير معلومات أخرى إلى أن المفاوضات اللاحقة ينبغي أن تجري في ظلّ الحصار البحري الذي تجدد على إيران" مع ضمان مرور السفن الأخرى غير المتوجهة إليها أو المنطلقة منها".
تطورات اليوم زادت الوضع واحتمالاته التباساً.
وقد انعكست الخشية في الردود والأسواق، مع عدم استبعاد أن تكون معركة هرمز بداية حرب اقتصادية ترمي إلى إرغام عودة إيران إلى طاولة المفاوضات، مع بعض الترغيب لكن" من غير ورقة المضيق".
بيد أن انتزاع هرمز احتمال" غير قريب ومكلف" طالما بقي النظام الإيراني على تماسكه.
مناعة هذا الأخير، إلا إذا كان الواقع في الداخل على خلاف ذلك، أربكت الحسابات والخيارات.
ومن هنا استمرار التوقعات في ترجيح كفة الحرب المحكومة بـ" الجرجرة" وإلى مدى غير قريب.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك