أدركت في هذه اللحظة بالذات، أنها لا ترغب بكيس بلاستيكيّ لكي تحمل به بعض مشترياتها من السوق، فهي لم تتحايل على البائع لكي يعطيها كيساً إضافيّاً فتضع به مشترياتها، ولكي تتأكد أن هذه المشتريات لن تسقط أرضاً بسبب سوء صناعة الكيس وعدم تحمّله لثقل ما اشترت من خضروات زهيدة الثمن.
ولكنّها هذه المرّة، ضمّت أثمن كيس في حياتها إلى صدرها، وحملته والدموع تسيل مدراراً، وقد كانت فعلاً حريصة على ألّا يسقط، ولك أن تتساءل: كيف يسقط وهي تحمله بروحها وقلبها قبل ذراعيها؟ ولكنك سوف تتساءل عن محتوى الكيس، ولن يخبرك أحد أن بداخله أغرب المقتنيات وأثمنها، وليس مجرّد مشتريات.
اقتربت من الكيس البلاستيكي والتقطته عن الأرض، بعد أن طال انتظارها للوصول إليه، حملته كآخر ما تملك وأثمن ما تملك، حملته، فتحته لكي تتأكد أن ما بداخله هو ما انتظرته أياماً طويلة، وما منعها الموت المتربّص من الوصول إليه.
لم تجد شيئاً ذا معالم، ولكن يدها المرتجفة ارتطمت بجمجمةٍ ضمّتها إلى صدرها وقبلتها، وبكت أكثر مما كانت تفعل، وألقت نظرة أخرى إلى ما في داخل الكيس، لكي تتأكّد أن هناك بقايا عظام وملابس مدمّمة.
لم تجد الحذاء، وتذكّرت كيف كان ابنها يجيد إضاعة حذائه، وكيف كانت تركض خلفه وهو يلعب مع الصبية في طرقات المخيّم وأزقته حتى تجد الحذاء، ولكنها لا تجد الطفل، وتعرف أنه سوف يعود آخر النهار إلى البيت بعد أن ينال منه التعب، وبعد أن أمضى نهاره ركضاً ولهواً.
ولذلك؛ هناك آنية من طعام شهيّ تنتظره، وقلبها ودعواتها ولمساتها قبلها.
تركض الآن وهي تحمل الكيس، وهو آخر ما تبقى من الطفل محمّد، لكي تودعه القبر، وتعرف أنها لن تجد شعراً لكي تمسّده، ولا جبيناً لكي تطبع فوقه قبلة أخيرة، ولا حتى ملابس فوق جسد غض، ولكنها تشعر براحة أنها استطاعت أن تنقذ ما أمكن إنقاذه من بقايا ابنها الذي ضلّ طريقه وهو يسير نحو منطقة خطرة أحكم الاحتلال سيطرته عليها، وربما يعتقد بعضهم أنه أراد أن يفاجئها بقليل من الحطب أو علب كرتونية فارغة تشعل بها النار لكي تطهو طعاماً يسيراً، فاستمر في السير حتى تجاوز ما يعرف بالخط الأصفر، فرصدته طائرة مسيّرة برصاصها فسقط صريعاً.
ولكن الحقيقة أن محمّداً قد أصبح يسير على غير هدى فيما تبقى من شوارع مهدمة، وبين الخيام المتآكلة وأكوام الأنقاض على الجانبَين، بعد أن قُتل شقيق روحه قبل أشهر عدّة، فلم يكن يعرف كيف يمكن أن يكمل حياته بدونه، فظلّ في معاناة نفسية لا توصَف، فاقداً الكلام نهاراً، ومطلقاً صراخه ليلاً، وكأنه يحتجّ على ما حل به وبعائلته من مصاب الفقد والنزوح والتشرّد.
أصبح جثمان محمّد في منطقة الخطر، ورآه آخرون من بعيد، وقد كانوا فعلاً يبحثون عمّا يصلح لإشعال النار وطهي قليل من الطعام، ولكنهم لم يستطيعوا انتشال جثمانه، فعادوا أدراجهم ليحملوا الخبر إلى ذويه.
بعد أيام مرت كدهر على هذه الأم، تمكّن الأهالي من انتشال ما تبقى من جثمان ابنها من بين براثن الكلاب الضالّة، التي وجدت في جسده فريسة شهيّة اعتاشت عليها أياماً حتى أجهزت على اللحم والجلد، ولم يتبقَّ منه سوى العظام والجمجمة، ولكن الأم كانت مصمّمة على الوصول إلى ما تبقّى منه، وظلت على الحدود تصرُخ وتناشد وتهدّد بأنها ستفعل مثل ابنها وتجتاز الخط الأصفر إن لم تتدخّل المؤسّسات الدولية الإنسانية، مثل الصليب الأحمر، وتحصل على تصريح لانتشال ما تبقى منه.
كان أجدادنا يعبرون عن حبهم أحبّتهم غير المأمول شفاؤهم، فيتمنون لهم البقاء بينهم أحياء حتّى لو كانوا كومة من عظام في" قفة"، أي وعاء من قش، وهذه الأم ظلّت تسعى حتى استردّت ابنها، حتى وهو فعلاً كومة من عظام.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك