إذا كان القرار التكيفي يعيد تشكيل أدواته وآليات تنفيذه بصورة مستمرة، بما يتواءم مع التغير السريع في المعطيات التي تفرضها الأزمات الدولية، أو ما سبق أن وصفناه بـ”التهديدات المتحورة”، باعتبارها إحدى السمات الرئيسية للبيئة الدولية في إطار GAPS، فإن التساؤل الذي يفرض نفسه في المرحلة الراهنة لم يعد يتعلق بكيفية اتخاذ القرار فحسب، وإنما بالكيفية التي يُنفذ بها، وكيف يمكن الحفاظ على ثبات أهدافه الاستراتيجية، رغم ما يطرأ على البيئة المحيطة به من تغيرات متلاحقة.
والواقع أن الطبيعة المتحورة للتهديدات لا تستهدف فرض تحديات جديدة على الدولة أو حصارها بالأزمات فحسب، وإنما تضع عملية اتخاذ القرار نفسها تحت اختبار مستمر، إذ يصبح على الدولة أن تحقق التوازن بين الحفاظ على ثبات أهدافها الاستراتيجية، وبين الحاجة إلى تعديل وسائل تنفيذها كلما تغيرت معطيات الأزمة.
ومن هنا، تبرز أهمية التمييز بين القرار الذي يتسم بالمرونة، والقرار الذي يفقد اتساقه تحت ضغط المتغيرات، وهو ما عكسته العديد من الأزمات خلال السنوات الماضية، لاسيما في منطقة الشرق الأوسط، فمع اندلاع الحرب في غزة واتساع نطاقها الجغرافي، وجدت العديد من الدول نفسها أمام أولويات متغيرة بصورة متسارعة، تراوحت بين مواجهة الانتهاكات المرتكبة في القطاع، ثم تداعيات الأمن الداخلي، واحتمالات امتداد المواجهة، وانعكاساتها الاقتصادية والسياسية، وهو ما فرض ضغوطا متزايدة على عملية اتخاذ القرار، واختبر قدرة كل دولة على الحفاظ على ثبات أهدافها، مع إعادة ترتيب وسائل تنفيذها بما يتلاءم مع طبيعة التطورات المتلاحقة.
وتمثل تلك الحالة من التغييرات السريعة والمتلاحقة الاختبار الحقيقي لقدرة الدولة على إدارة القرار الوطني، إذ إن نجاحها لا يقاس بقدرتها على تغيير أهدافها كلما تغيرت الأزمة، وإنما بقدرتها على الحفاظ على ثبات تلك الأهداف، مع إعادة تشكيل آليات تنفيذها بما يتواءم مع المعطيات المستجدة، وبهذا المعنى، يعد ثبات الغاية بمثابة نقطة الارتكاز الأساسية للقرار الوطني، بينما تبقى آليات التنفيذ هي العنصر الأكثر قابلية للتكيف، إذ قد تفرض الأزمة تعديل توقيت التنفيذ، أو إعادة ترتيب الموارد، أو تغيير الأدوات المستخدمة، دون أن يمس ذلك الغاية التي صدر القرار من أجلها.
الطرح السالف يعكس حقيقة أن" القرار التكيفي" لا يعني أن الغاية التي صدر القرار من أجلها تصبح محل تغيير كلما تحورت الأزمات أو تبدلت التهديدات، وإنما يعني الحفاظ على ثبات تلك الغاية، مع إعادة توجيه آليات التنفيذ بما يتواءم مع المعطيات المستجدة.
ومن ثم، فإن التعديلات التي قد تطرأ على القرار في إطار التغذية الراجعة لا تنصرف إلى إعادة تعريف هدفه الاستراتيجي، بقدر ما تستهدف تعزيز فاعلية تنفيذه، عبر إعادة توزيع الأدوار بين المؤسسات، أو تعديل توقيت التدخل، أو إعادة تخصيص الموارد، أو تطوير الأدوات المستخدمة، وفقا لما تفرضه طبيعة الأزمة في كل مرحلة، وبذلك، لا يصبح التكيف مرادفًا لتغيير القرار، وإنما وسيلة للحفاظ على ثباته في بيئة تتغير بصورة مستمرة.
ولا تقتصر أهمية هذا التمييز على الحفاظ على اتساق القرار الوطني، وإنما تمتد إلى الحفاظ على كفاءة مؤسسات الدولة أثناء إدارة الأزمة، فكلما كان الهدف الاستراتيجي واضحا ومستقرا، أصبحت المؤسسات أكثر قدرة على إعادة توزيع أدوارها، وتعديل أولوياتها، وتطوير وسائل عملها، دون أن يتحول ذلك إلى حالة من التضارب أو فقدان الاتجاه، ومن ثم، فإن مرونة التنفيذ لا تؤدي إلى إضعاف القرار، وإنما تصبح أحد أهم العوامل التي تضمن استمراره وفاعليته في مواجهة بيئة تتغير بصورة مستمرة.
وبالتالي لا تصبح مرونة التنفيذ مجرد وسيلة لتحسين الأداء الإداري، وإنما تتحول إلى أحد عناصر حماية القرار الوطني ذاته، فكلما استطاعت الدولة إعادة مواءمة أدواتها التنفيذية مع المتغيرات المحيطة بها، دون أن تفقد اتساقها مع أهدافها الاستراتيجية، ازدادت قدرتها على الحفاظ على استقلالية قرارها، والحد من تأثير الضغوط الخارجية الرامية إلى إعادة توجيهه أو فرض أولويات لا تنبع من مصالحها الوطنية.
وهنا يمكننا القول بأن القرار التكيفي لا يمثل نمطا جديدا لاتخاذ القرار فحسب، وإنما يعبر عن فلسفة تشغيلية متكاملة، تقوم على ثبات الغاية، ومرونة التنفيذ، بما يجعل قدرة الدولة على التكيف مع البيئة الدولية جزءا من قدرتها على حماية سيادتها، لا نقيضا لها، وهو ما يمثل جوهر فلسفة الـ NAPS او National Architecture for Policy Sovereignty (الهندسة الوطنية لسيادة السياسات)، ويمكن تلخيص هذه الفلسفة في قاعدة بسيطة مفادها أنه كلما ازدادت سيولة البيئة الدولية، ازدادت الحاجة إلى مرونة التنفيذ، لا إلى تغيير الغاية الاستراتيجية.
الأوكتاجون.
البنية التشغيلية للدولة في إطار" NAPS”من الاندماج إلى السيادة.
كيف تعيد" NAPS" تعريف وظيفة الإصلاحات الهيكلية؟البنية الشبكية للدولة.
“NAPS” وإعادة تعريف مصادر القوةالدورة التشغيلية للدولة في إطار" NAPS"التغذية الراجعة والقرار التكيفي.
آلية استجابة الدولة في NAPS.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك