كشف أحدث إفصاح مالي للرئيس الأميركيدونالد ترامب صدر في مطلع يوليو/تموز الجاري، عن تحقيقه أكثر من" مليار دولار" من مصادر دخل متنوعة خلال العام الماضي، أي العام الأول من حكمه، شملت مكاسب في مجالات العملات المشفرة وحقوق الملكية والاستثمارات العقارية، إلى جانب أرباح غير معلنة يُعتقد أنها نتجت عن المضاربة والمراهنة على قرارات أصدرها هو نفسه، استفاد منها هو وعائلته لأنهم كانوا على علم مسبق بها.
ويقع التقرير المعلن في نحو 927 صفحة، ويقدّم أوسع صورة حتى الآن عن الثروة المتنامية التي جمعها ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض، بما في ذلك حصصه في شركات شارك في تأسيسها أفراد من عائلته، بحسب شبكة" سي أن أن"، وهو ما أثار الاستغراب.
وجاء عنوان التقرير لافتاً، إذ تساءلت الشبكة: كيف ربح ترامب مليار دولار من العملات المشفرة بينما خسر معظم مستثمري عملته أموالهم؟ فقد أطلق، على سبيل المثال، عملة مشفّرة باسمه عشية فوزه بالرئاسة أُطلق عليها اسم" ترامب $"، خسرت منذ إطلاقها 97% من قيمتها، ويبدو أن الأمر كان مقصوداً للتربح من وراء هذه اللعبة.
وأظهر تحليل لشركة" تشيناليسيس" (Chainalysis)، وهي شركة أميركية متخصصة في تحليل وتتبع عملة البيتكوين، أن مئات آلاف المحافظ المالية المملوكة لأميركيين أفراد اشترت عملة ترامب بعد إطلاقها، ودخلت غالبيتها بعد ارتفاع السعر، غير أن معظم هؤلاء المستثمرين تكبدوا خسائر كبيرة مع انهيار السعر، في حين بقيت المحافظ الكبرى المرتبطة بالمؤسسين، أي أسرة ترامب، رابحة.
وبذلك حقق ترامب أكثر من 526 مليون دولار من مبيعات الرموز الرقمية المرتبطة بشركته" وورلد ليبرتي فاينانشال"، التي يديرها جزئياً نجلاه إريك ترامب ودونالد ترامب جونيور، بينما خسر من استثمروا في هذه العملة.
وكشف الإفصاح المالي لعام 2025 الخاص بترامب رقماً صادماً، بلغ 635.
068.
835 دولاراً، هي قيمة العوائد التي حصل عليها من اتفاقية ترخيص عملة رقمية تحمل اسمه، وهذا الرقم وحده يتجاوز ما جناه من كل مشاريعه وعقاراته مجتمعة.
ويعني ذلك أن إجمالي دخل ترامب من العملات الرقمية خلال 2025 تجاوز المليار دولار، جاء أكثر من 500 مليون دولار منها من" مبيعات رمزية" بمعزل عن مشروع" وورلد ليبرتي فاينانشال" المملوك جزئياً لعائلته، إضافة إلى محفظة بيتكوين تفوق قيمتها 50 مليون دولار، ومحفظتي إيثيريوم وUSDC بقيمة تصل إلى 25 مليون دولار لكل منهما.
ويشرح اقتصاديون قصة تربحه، أو ما يصفونه بـ" النصب"، من العملات المشفرة، مؤكدين أنه أطلق مليار وحدة من عملة" TRUMP" قبل أيام من تنصيبه رئيساً في يناير/كانون الثاني 2025، لكن المفارقة أن الكيانات المرتبطة به احتفظت بنحو 800 مليون وحدة منها، أي أن 80% من المعروض بقي في يد أصحاب الشركة قبل أن تُتاح لأي مستثمر عادي فرصة الشراء من نسبة الـ20% المطروحة للبيع.
ومع توليه الرئاسة، وفي ظل تصريحاته المتضاربة حول كيفية رفع أميركا" إلى عنان السماء"، ارتفع سعر العملة الرقمية وقفز فوق 72 دولاراً فور الإطلاق، قبل أن يتراجع بأكثر من 96% من قمته، ليخسر المستثمرون الأفراد مجتمعين أكثر من 700 مليون دولار، في حين جنت الكيانات المرتبطة بالرئيس مئات الملايين.
وهذا هو جوهر لعبة المال في عالم العملات الرقمية: من يملك المعلومة والتوقيت وحجم المعروض يربح دائماً، أي الرئيس وأسرته وأنصاره، بينما من يدخل متأخراً بدافع الحماسة يتحمل الفاتورة.
فقد ظلت نحو 80% من وحدات شركة ترامب للعملة المشفرة في يد أسرته أو تحت سيطرة شركات مرتبطة به، ولم يُطرح للتداول سوى نحو 20% منها، وهو ما يعني أن أي ارتفاع في السعر يرفع تلقائياً قيمة ما يحتفظ به المؤسسون، وهذا ما حدث بالفعل.
ولذلك لم يكن الربح الأساسي من بيع كامل العملة، بل من بيع جزء من الحصة مع ارتفاع القيمة السوقية للحصة المتبقية.
ومن مظاهر تربح الرئيس الأميركي أيضاً أنه منح حقوق استخدام اسمه لعدد واسع من المنتجات والمشروعات، محققاً عوائد ورسوم ترخيص كبيرة، إذ أشار الإفصاح الرسمي عن ثروته إلى حصوله على 635 مليون دولار بموجب اتفاقية واحدة مع شركة" سيليبريشن كوينز"، أي بربح بلغ 636 مليون دولار، جاء معظمه من هذه الاتفاقية وحدها.
لماذا لم يُتهم ترامب باستغلال منصبه؟يُطرح سؤال محوري هنا: لماذا لم يُتهم ترامب رسمياً باستغلال منصبه، ولماذا لا يُسأل" من أين لك هذا؟ " رغم أن قراراته جاءت لصالحه ولصالح شركاته، وأن أرباحه ارتبطت مباشرة بهذه القرارات؟ جزء من الإجابة أنه بعد دخوله البيت الأبيض، عيّن مسؤولين مؤيدين للعملات المشفرة، وأوقف عدداً من الدعاوى التي كانت هيئة الأوراق المالية الأميركية (SEC) تقيمها ضد شركات العملات الرقمية، كما أعلن إنشاء احتياطي استراتيجي من العملات المشفرة، وخفف القيود التنظيمية المفروضة على القطاع.
ورأت منظمات رقابية أن هذه القرارات تصب في مصلحة السوق الذي يملك الرئيس نفسه استثمارات ضخمة فيه، وهو ما يفسّر أرباحه اللاحقة الضخمة، لكن لم تتقدم أي جهة قضائية أميركية حتى الآن بدعوى تثبت أن هذه القرارات صدرت بقصد تحقيق منفعة شخصية له ولأسرته.
ولذلك يرى منتقدون أن مشاريع ترامب تثير اتهامات بتضارب المصالح، واتهمه خبراء بالتضارب الأخلاقي في الحكم واستغلال موقعه لخدمة مصالح شركاته، رغم عدم صدور أي أحكام قضائية تثبت ارتكاب مخالفات جنائية في هذه الوقائع، إذ تبدو في ظاهرها عمليات تداول قانونية.
والمفارقة أنه إذا قُورن ترامب بالرؤساء السابقين، يتضح الفارق الذي أحدثه في أخلاقيات الحكم واستغلال المنصب؛ فالرئيس الأسبق جيمي كارتر باع مزرعة الفول السوداني الخاصة به، أو وضعها تحت إدارة مستقلة، تجنباً لتضارب المصالح.
أما الرئيسان رونالد ريغان وباراك أوباما فلم يديرا أي أعمال تجارية أثناء الرئاسة أصلاً، في حين احتفظ ترامب بإمبراطورية تجارية وعقارية وإعلامية ورقمية، وهو ما اعتبره خبراء الأخلاقيات تحولاً غير مسبوق في علاقة الرئيس الأميركي بالمصالح التجارية.
لذلك طالب عدد من النواب الديمقراطيين بفتح تحقيقات في علاقة البيت الأبيض بمشروع عملة ترامب المشفرة وشركته، وإمكانية استفادة عائلة الرئيس من قرارات حكومية، لكن لم تصدر حتى الآن أي نتائج نهائية تثبت وجود مخالفة قانونية.
ولم تقتصر الانتقادات على الديمقراطيين، بل شملت حتى المحافظين المؤيدين له؛ إذ انتقد عدد من الاقتصاديين والمحافظين والجمهوريين المقربين من الحزب الجمهوري إطلاق رئيس أميركي عملة رقمية باسمه أثناء وجوده في السلطة، معتبرين أن ذلك يفتح باباً واسعاً لتضارب المصالح.
وذكرت تقارير لشبكة" سي أن أن" وصحيفتي" نيويورك تايمز" و" واشنطن بوست" أن خبراء أخلاقيات الحكم اعتبروا استمرار امتلاك ترامب مشروعات العملات الرقمية أثناء وجوده في البيت الأبيض يمثل أكبر تضارب مصالح في تاريخ الرئاسة الأميركية، إذ أصبح الرئيس يضع السياسات الخاصة بالعملات المشفرة، بينما تملك شركاته في الوقت نفسه أرباحاً مباشرة من هذه السياسات، وهو وضع غير مسبوق.
وأشارت التقارير أيضاً إلى وقائع أخرى تتعلق باتهامات بتعمّد الرئيس ترامب، أو عائلته، أو المليارديرات المحيطين به في إدارته، تسريب أخبار بشأن تصعيد الحرب أو التهدئة مع إيران بهدف المقامرة وإبرام صفقات وتحقيق أرباح بملايين الدولارات، وهي أمور ظهرت مؤشرات عززت الشكوك حولها.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك