وكالة الأناضول - المنظمة الدولية للهجرة: نزوح 595 شخصا من كلبس بشمال دارفور السودانية قناة التليفزيون العربي - Nike and Adidas in an Early Final.. A Billion-Dollar Clash Before the World Cup Champion is Decid... القدس العربي - ملك إسبانيا فيليبي السادس سيحضر الأحد المباراة النهائية قناة التليفزيون العربي - An entire family erased from the civil registry.. Gaza experiences its bloodiest night since the ... الجزيرة نت - الزوارق المسيّرة الانتحارية.. أحدث أسلحة أمريكا في استهداف إيران قناة الجزيرة مباشر - Economic Outlook: Oil Price Scenarios Following the Hormuz Closure and Renewed Regional Tensions القدس العربي - الجمهور التونسي على موعد مع يارا ونوال الزغبي في ليلة من العمر العربية نت - ترامب يهدد مجددا: الأسبوع المقبل سيكون الأسوأ على إيران القدس العربي - نقابة الصحافيين المصرية تختتم «أسبوع فلسطين» بعرض فيلم «الخط الأصفر» بحضور وفد فلسطيني الجزيرة نت - 5.5 كيلوغرامات وزن ورم في الرقبة.. عملية استئصال نادرة في السودان تشغل المنصات
عامة

من الفوكلاند لمونديال 2026.. حين انتقلت المعركة من جنوب الأطلسي إلى المستطيل الأخضر.. قصة العداء الكروي بين إنجلترا والأرجنتين بعد حرب مالفيناس..واشنطن انحازت للندن في المواجهة العسكرية فلمن ستنحاز بك

اليوم السابع
اليوم السابع منذ 57 دقيقة

كلما التقت إنجلترا والأرجنتين في ملعب لكرة القدم، يعود إلى الواجهة تاريخ يتجاوز حدود الرياضة، فالمواجهة التي تجمع المنتخبين في نصف نهائي كأس العالم 2026 المقام في الولايات المتحدة، تعيد إلى الأذهان حر...

كلما التقت إنجلترا والأرجنتين في ملعب لكرة القدم، يعود إلى الواجهة تاريخ يتجاوز حدود الرياضة، فالمواجهة التي تجمع المنتخبين في نصف نهائي كأس العالم 2026 المقام في الولايات المتحدة، تعيد إلى الأذهان حرب الفوكلاند التي دارت بين البلدين عام 1982، وهي الحرب التي استمرت 74 يوما وغيرت المشهد السياسي في لندن وبوينس آيرس.

بينما تستضيف الولايات المتحدة اللقاء الكروي، فإنها تستحضر أيضا صفحة من التاريخ كانت واشنطن خلالها قدمت دعما سياسيا واستخباراتيا ولوجستيا لبريطانيا خلال الحرب، في موقف عكس متانة التحالف بين البلدين، رغم محاولات الوساطة الأمريكية في بدايات الأزمة، لكن ما يجمع الحرب والمباراة ليس استمرار الصراع، وإنما بقاء الذاكرة التاريخية حاضرة كلما تقابل المنتخبان على المستطيل الأخضر.

بعد أربعة وأربعين عاما على نهاية حرب الفوكلاند، يعود اسما إنجلترا والأرجنتين ليتصدرا المشهد، لكن هذه المرة على أرضية ملعب كرة القدم، ففي نصف نهائي كأس العالم 2026، المقام في الولايات المتحدة، يلتقي المنتخبان في مواجهة رياضية تستحضر تلقائيا واحدة من أكثر المواجهات العسكرية إثارة للجدل في القرن العشرين.

صحيح أن كرة القدم تختلف عن الحروب، واللاعبين لا يحملون إرث قرارات السياسيين، إلا أن التاريخ يفرض حضوره كلما تقابل البلدان في مناسبة كبرى، من هنا تبدو المباراة فرصة لاستعادة قصة حرب قصيرة في زمنها، لكنها تركت آثارا عميقة في السياسة الدولية، وأسقطت نظاما عسكريا في الأرجنتين، ورسخت زعامة مارجريت تاتشر رئيسة الوزراء في بريطانيا، لتصبح الجزيرة أكثر من مجرد جزر نائية في جنوب الأطلسي، بل نقطة تحول في تاريخ بلدين جمعتهما الحرب ثم فرقت بينهما السياسة، قبل أن يعيدهما ملعب كرة القدم إلى واجهة الاهتمام العالمي.

في صباح الثاني من أبريل 1982، لم يكن سكان جزر الفوكلاند يدركون أن أرخبيلهم الهادئ، الواقع على بعد نحو 500 كيلومتر فقط من السواحل الأرجنتينية، سيصبح خلال ساعات محور أزمة دولية تهز العالم، فمع بزوغ الفجر، بدأت القوات الأرجنتينية تنفيذ عملية عسكرية خاطفة انتهت بالسيطرة على الجزر، لتفتح صفحة جديدة من الصراع التاريخي بين بوينس آيرس ولندن.

لم تكن تلك العملية مجرد تحرك عسكري لاستعادة أرض متنازع عليها، بل كانت مقامرة سياسية من نظام الحكم الأرجنتيني، الذي كان يأمل أن يؤدي الانتصار السريع إلى إنقاذ نظامه من الانهيار الداخلي، لكن ما بدا في بدايته نصرا سهلا، تحول خلال أسابيع قليلة إلى واحدة من أكثر الهزائم تأثيرا في تاريخ الأرجنتين الحديث، وفي المقابل منح رئيسة الوزراء البريطانية فرصة لإعادة بناء مكانتها السياسية وترسيخ هيمنة المحافظين في بريطانيا.

لم تكن رياح جنوب المحيط الأطلسي وحدها هي التي كانت تنذر بالعاصفة في ربيع عام 1982، بل كانت الأزمات السياسية والاقتصادية التي تضرب بوينس آيرس ولندن تتجه هي الأخرى نحو نقطة انفجار، ففي الوقت الذي كان فيه النظام الأرجنتيني يبحث عن إنجاز يعيد إليه شرعيته المفقودة، كانت مارجريت تاتشر تواجه أصعب مراحل حكمها، وسط تراجع شعبيتها وارتفاع معدلات البطالة، وبين هاتين الأزمتين، برزت جزر الفوكلاند، الأرخبيل الصغير الذي يضم أقل من ألفي نسمة، ليصبح مسرحا لإحدى أكثر الحروب إثارة في القرن العشرين.

حين تحولت الجزر الصغيرة إلى معركة كبرى بين لندن وبوينس آيرسقبل أكثر من أربعة عقود، لم تكن جزر الفوكلاند سوى أراض نائية يسكنها عدد محدود من السكان، لكنها كانت بالنسبة للأرجنتين قضية سيادة وطنية متوارثة، بينما اعتبرتها بريطانيا إقليما تابعا لها منذ القرن التاسع عشر، وبينما بدا النزاع في ظاهره خلافا على الأرض، فإن أسبابه الحقيقية كانت أكثر تعقيدا، فقد تداخلت فيها اعتبارات التاريخ والقومية والسياسة الداخلية والأزمات الاقتصادية.

جزر في قلب الأطماع والذاكرة الوطنيةتقع جزر الفوكلاند، التي تسميها الأرجنتين" مالفيناس"، في جنوب المحيط الأطلسي على مسافة نحو 500 كيلومتر من السواحل الأرجنتينية، وتغيرت السيطرة عليها عدة مرات خلال القرن التاسع عشر، قبل أن تثبت بريطانيا وجودها فيها عام 1833، وهو الأمر الذي رفضته الأرجنتين باستمرار، مؤكدة أن لها حقا تاريخيا في السيادة على الجزر.

على مدار عقود، حاولت الحكومات الأرجنتينية المتعاقبة طرح القضية في المحافل الدولية، خاصة الأمم المتحدة، مطالبة بإجراء مفاوضات حول السيادة، وفي المقابل، تمسكت بريطانيا بموقفها القائم على حق سكان الجزر في تقرير مستقبلهم، مشيرة إلى أن أغلب سكان الفوكلاند من أصول بريطانية ويرغبون في استمرار الارتباط بلندن، لكن القضية لم تكن مجرد خلاف دبلوماسي طويل، ففي بوينس آيرس تحولت الجزر إلى رمز وطني، وجزء من خطاب سياسي يرى أن استعادتها تمثل استكمالا للسيادة الإقليمية، ومع مرور الوقت، أصبحت الحكومات تستخدم الملف أحيانا لتعزيز شعبيتها الداخلية.

المقامرة التي غيرت تاريخ الأرجنتينفي الساعات الأولى من صباح الثاني من أبريل عام 1982، بدأت القوات الأرجنتينية عملية عسكرية للسيطرة على جزر الفوكلاند، تحركت وحدات من البحرية والجيش الأرجنتيني نحو الجزر، وانتهت العملية بإجبار الحامية البريطانية الصغيرة على الاستسلام.

أعلنت بوينس آيرس استعادة" مالفيناس"، وخرجت حشود كبيرة إلى شوارع العاصمة للاحتفال، بدا المشهد في البداية وكأنه انتصار سياسي كبير للنظام الأرجنتيني، فقد نجحت القيادة في خلق موجة وطنية واسعة، واعتقدت أن بريطانيا ستتراجع أمام الأمر الواقع، لكن القرار تجاهل عاملا أساسيا وهو مكانة الفوكلاند بالنسبة للندن، خاصة في عهد مارجريت تاتشر.

كانت تاتشر تواجه آنذاك ظروفا سياسية صعبة، فحكومتها المحافظة كانت تتعرض لانتقادات بسبب سياساتها الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة، وكانت شعبيتها منخفضة، لكن الغزو الأرجنتيني غير المعادلة بالكامل، ورأت حينها أن السماح بالسيطرة على أراض بريطانية بالقوة سيشكل ضربة لمكانة لندن الدولية، والتراجع سيضر بصورة حكومتها وهيبة البلاد، ولذلك اتخذت قرارا بإرسال قوة عسكرية ضخمة لاستعادة الجزر.

من الأزمة الدبلوماسية إلى الحرب المفتوحةبعد أيام قليلة من الغزو، بدأت لندن أكبر عملية عسكرية لها منذ الحرب العالمية الثانية، وأرسلت قوة بحرية ضخمة عرفت باسم" قوة المهام"، ضمت حاملات طائرات وسفنا حربية وغواصات وسفن إمداد، في رحلة امتدت آلاف الكيلومترات نحو جنوب الأطلسي، لم يكن القرار البريطاني سهلا، فالمسافة الهائلة بينها وبين الفوكلاند جعلت العملية محفوفة بالمخاطر، كما أن الأرجنتين كانت تمتلك قوات جوية قادرة على تهديد السفن البريطانية.

في البداية، حاولت الولايات المتحدة لعب دور الوسيط بين الطرفين، وأرسلت وزير الخارجية الأمريكي ألكسندر هيج في مهمة دبلوماسية مكثفة بين لندن وبوينس آيرس، في محاولة للتوصل إلى حل يمنع الحرب، لكن الوساطة فشلت، ومع استمرار رفض الأرجنتين الانسحاب من الجزر، بدأت واشنطن تميل تدريجيا نحو دعم حليفتها بريطانيا.

كان موقف الولايات المتحدة معقدا، فهي تربطها علاقات استراتيجية قوية ببريطانيا داخل حلف شمال الأطلسي، لكنها في الوقت نفسه كانت حريصة على عدم خسارة نفوذها في أمريكا اللاتينية، ومع تصاعد الأزمة، اختارت إدارة الرئيس رونالد ريجان الوقوف إلى جانب لندن، وقدمت معلومات استخباراتية ودعما لوجستيا ساعد القوات البريطانية خلال الحرب.

وفي بوينس آيرس، اعتبر كثيرون الموقف الأمريكي انحيازا لبريطانيا على حساب الأرجنتين، لاسيما أن واشنطن كانت قد حاولت في البداية الظهور كطرف محايد.

كيف غيرت هزيمة الأرجنتين مستقبل بلدين؟لم يكن عبور الأسطول البريطاني آلاف الكيلومترات نحو جنوب المحيط الأطلسي مجرد عملية عسكرية لاستعادة جزر بعيدة، بل كان اختبارا لقدرة بريطانيا على استخدام القوة خارج حدودها بعد سنوات من تراجع نفوذها العالمي، أما بالنسبة للأرجنتين، فقد تحولت العملية التي خطط لها قادتها العسكريون باعتبارها نصرا سريعا إلى مواجهة طويلة كشفت ضعف حساباتهم السياسية والعسكرية.

في الأسابيع الأولى بعد الغزو، حاول الطرفان إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحا، لكن المواقف المتناقضة جعلت الوصول إلى تسوية أمرا شبه مستحيل، كانت بريطانيا تصر على انسحاب القوات الأرجنتينية قبل أي تفاوض حقيقي حول مستقبل الجزر، بينما رفضت بوينس آيرس التخلي عن السيطرة التي أعلنتها باعتبارها" استعادة للسيادة الوطنية"، ومع اقتراب قوات لندن من منطقة العمليات، أصبح واضحا أن المواجهة العسكرية باتت مسألة وقت.

الشرارة التي غيرت مسار المعركةفي الثاني من مايو 1982، شهدت الحرب أحد أكثر أحداثها إثارة للجدل عندما أغرقت الغواصة البريطانية النووية" إتش إم إس كونكرور" الطراد الأرجنتيني" بيلاسكو"، الذي كان يحمل مئات البحارة، وأدى الهجوم إلى مقتل 323 عسكريا أرجنتينيا، وكان أكبر خسارة بشرية تتكبدها بوينس آيرس في الحرب.

أثار غرق الطراد صدمة كبيرة في بوينس آيرس، كما دفع البحرية الأرجنتينية إلى تقليل مشاركتها المباشرة في العمليات، والاعتماد بدرجة أكبر على القوات الجوية والهجمات الصاروخية، في المقابل، أثبتت بريطانيا أن تفوقها البحري سيكون عنصرا حاسما في المعركة، رغم أنها كانت تواجه تحديات كبيرة بسبب بعد المسافة وصعوبة إمداد القوات، لكن الخطر الأكبر على الأسطول البريطاني جاء من الطيران الأرجنتيني.

صواريخ إكزوست وخسائر بريطانيارغم أن البحرية البريطانية امتلكت تفوقا تقنيا وتنظيميا، فإن القوات الجوية الأرجنتينية أظهرت قدرة قتالية فاجأت لندن، واستخدمت الطائرات الأرجنتينية صواريخ" إكزوست" الفرنسية المضادة للسفن، وتمكنت من توجيه ضربات مؤلمة إلى الأسطول البريطاني.

وكان أبرز تلك الهجمات في الرابع من مايو، عندما أصاب صاروخ أرجنتيني السفينة البريطانية" إتش إم إس شيفيلد"، ما أدى إلى غرقها ومقتل 20 من أفراد طاقمها.

كما تعرضت سفن بريطانية أخرى لهجمات جوية عنيفة، أبرزها سفن النقل والسفن الحربية التي تكبدت أضرارا كبيرة، وأظهرت تلك الهجمات أن التفوق البحري لا يعني بالضرورة ضمان السيطرة الكاملة على ساحة المعركة، لكن لندن كانت تعتمد على استراتيجية تقوم على الاقتراب التدريجي من الجزر، ثم تنفيذ إنزال بري لاستعادة السيطرة.

في أواخر مايو، بدأت القوات البريطانية المرحلة البرية من الحرب، اختارت لندن منطقة خليج سان كارلوس في غرب الفوكلاند كنقطة إنزال رئيسية، وتمكنت من إنشاء رأس جسر رغم الهجمات الجوية الأرجنتينية، وكانت المعارك البرية مختلفة عن المواجهات البحرية والجوية، وواجه الجنود البريطانيون تضاريس قاسية، وطقسا باردا، ومقاومة من قوات أرجنتينية متمركزة في مواقع دفاعية.

خاض الطرفان سلسلة من المعارك حول مواقع استراتيجية، كان أبرزها معركة" جوس جرين" التي انتهت بانتصار بريطاني مهم، وشكلت هذه المعركة نقطة تحول نفسية وعسكرية، حيث أثبتت أن القوات الأرجنتينية يمكن هزيمتها على الأرض، وبعد ذلك، تقدمت قوات لندن نحو العاصمة الفوكلاندية بورت ستانلي، حيث تركزت القوات الأرجنتينية الرئيسية بقيادة الجنرال ماريو مينينديز.

سقوط بورت ستانلي ونهاية الحربفي يونيو1982، بدأت القوات البريطانية هجومها النهائي على المواقع المحيطة ببورت ستانلي، وكانت القوات الأرجنتينية تعاني من مشكلات عديدة، منها ضعف الإمدادات، ونقص التدريب، وصعوبة مواجهة جيش بريطاني أكثر خبرة في العمليات الخارجية، وبعد سلسلة من المعارك، أدرك القادة الأرجنتينيون أن استمرار القتال سيؤدي إلى خسائر أكبر دون تغيير النتيجة، لذلك في 14 يونيو 1982، أعلن الجنرال مينينديز استسلام القوات الأرجنتينية، لتنتهى الحرب بعد 74 يوما فقط، لكنها تركت آثارا سياسية عميقة تجاوزت بكثير حجم المعارك.

بلغ عدد القتلى في حرب الفوكلاند 649 عسكريا أرجنتينيا، مقابل 255 عسكريا بريطانيا، إضافة إلى ثلاثة مدنيين من سكان الجزر قتلوا خلال العمليات، كما خسرت بوينس آيرس عددا من السفن والطائرات، بينما فقدت لندن سفنا حربية وطائرات ومعدات عسكرية، رغم احتفاظها بالسيطرة على الجزر، وعسكريا، أثبتت الحرب أهمية التكنولوجيا والاستخبارات والتدريب، لكنها أظهرت أيضا أن الإرادة السياسية قد تكون عاملًا حاسمًا في الصراعات الحديثة.

لم تكن خسارة الحرب مجرد هزيمة عسكرية للمجلس العسكري الأرجنتيني، بل كانت ضربة قاصمة لشرعيته السياسية، فقبل الحرب، حاول النظام تقديم نفسه باعتباره القوة القادرة على حماية مصالح البلاد واستعادة مكانتها، لكن الهزيمة كشفت سوء تقدير القيادة العسكرية، وأثارت غضبا شعبيا واسعا ضد الجنرالات.

خرجت مظاهرات تطالب بمحاسبة المسؤولين عن الهزيمة، وتصاعدت المطالب بإسقاط النظام، وبعد أشهر قليلة، اضطر النظام إلى بدء عملية انتقال سياسي أدت إلى إجراء انتخابات عام 1983، وفاز فيها راؤول ألفونسين، وهكذا تحولت حرب الفوكلاند من محاولة لإنقاذ نظام الحكم إلى العامل الذي سرع سقوطه.

إنقاذ مستقبل مارجريت تاتشر السياسيفي الجانب البريطاني، كان تأثير الحرب مختلفا تماما، حيث تحولت مارجريت تاتشر من رئيسة وزراء تواجه أزمة شعبية إلى زعيمة وطنية ارتبط اسمها بانتصار عسكري كبير، فقبل الحرب، كانت حكومتها المحافظة تعاني من تراجع شعبي بسبب السياسات الاقتصادية الصارمة وارتفاع البطالة، وكان كثيرون يتوقعون أن تواجه صعوبة كبيرة في الانتخابات المقبلة.

الانتصار في الفوكلاند غير الصورة بالكامل، ورأى قطاع واسع من البريطانيين أن تاتشر أعادت لبريطانيا الثقة في قدرتها على الدفاع عن مصالحها، وأظهرت حزما في مواجهة أزمة دولية، واستثمر حزب المحافظين هذا الشعور الوطني في حملته الانتخابية، وفي انتخابات عام 1983 حقق الحزب فوزا كبيرا.

وحافظت تاتشر على رئاسة الحكومة بأغلبية برلمانية واسعة، وأصبحت الحرب أحد أهم أسباب تعزيز مكانتها السياسية، ومنحتها لقب" المرأة الحديدية"، الذي ارتبط بأسلوبها الحازم في القيادة.

تحالف كشف حسابات الحرب الباردةكان موقف الولايات المتحدة أحد الجوانب السياسية المهمة في الأزمة، ففي البداية، حاولت إدارة رونالد ريجان كما ذكرنا في السطور الماضية، لعب دور الوسيط، لكنها وجدت نفسها أمام معادلة صعبة، فكانت بريطانيا حليفا رئيسيا لواشنطن داخل حلف شمال الأطلسي، بينما كانت الأرجنتين دولة مهمة في أمريكا الجنوبية، ومع فشل الحلول الدبلوماسية، قررت واشنطن دعم لندن.

قدمت الولايات المتحدة لبريطانيا معلومات استخباراتية ساعدت في تحديد مواقع القوات الأرجنتينية، في المقابل، شعرت الأرجنتين بأن الولايات المتحدة تخلت عنها، خاصة أن العلاقات بين واشنطن وبوينس آيرس كانت قد شهدت تقاربا في السنوات السابقة، وكشفت الأزمة أن اعتبارات التحالفات الاستراتيجية في الحرب الباردة كانت أقوى من الروابط الإقليمية، وأن بريطانيا ظلت حليفا لا يمكن للإدارة الأمريكية تجاهله.

ذاكرة الحرب في زمن كرة القدمبعد مرور أكثر من أربعين عاما، لم تعد حرب الفوكلاند حربا قائمة، لكنها بقيت جزءا من الذاكرة الوطنية في بريطانيا والأرجنتين، وعندما يلتقي المنتخبان في مباريات كبرى، تعود هذه الذكريات إلى السطح، خاصة بسبب التاريخ الطويل من التنافس بين البلدين، لكن الفارق بين الماضي والحاضر واضح، فالمواجهة الرياضية لا تحمل أهدافا سياسية أو عسكرية، والملعب ليس ساحة حرب، ومع ذلك، فإن التاريخ يظل حاضرا لأنه يوضح كيف يمكن لحدث واحد أن يغير مسار دول بأكملها.

ففي عام 1982، راهنت الأرجنتين على حرب قصيرة تعيد للنظام العسكري شعبيته، لكنها انتهت بسقوطه، أما بريطانيا، فقد دخلت حربا محفوفة بالمخاطر، لكنها خرجت منها بانتصار عزز مكانة حكومتها، وهكذا بقيت حرب الفوكلاند مثالا على أن نتائج الحروب لا تحددها الأسلحة وحدها، بل أيضا الحسابات السياسية، والقرارات القيادية، وقدرة الدول على تحمل تبعات اختياراتها.

كرة القدم تتحول إلى ذاكرة مفتوحة من الصراعلم تكن المواجهات الكروية بين منتخبي إنجلترا والأرجنتين بعد حرب الفوكلاند مجرد مباريات عادية في روزنامة كرة القدم العالمية، بل تحولت إلى مواجهات تحمل شحنة تاريخية ونفسية هائلة، حيث امتزج فيها التنافس الرياضي بذكريات الحرب التي اندلعت عام 1982، وبقصص الخسارة والانتصار والانتقام الرياضي، وعلى الرغم من أن اللاعبين في الملعب لم يكونوا طرفا في قرارات السياسيين والعسكريين، فإن الجماهير حملت معها ذاكرة بلدين عاشا مواجهة عسكرية تركت أثرا عميقا في الوجدان الوطني للطرفين.

منذ انتهاء حرب الفوكلاند، التقى المنتخبان في عدد من المناسبات الكبرى، وكان كل لقاء يتحول إلى حدث عالمي بسبب التاريخ المتراكم بينهما، وقبل مواجهة كأس العالم 2026، كان المنتخبان قد التقيا في 14 مباراة رسمية وودية، حققت فيها إنجلترا 6 انتصارات مقابل 3 انتصارات للأرجنتين و5 تعادلات، لكن الأرقام وحدها لا تروي القصة، فبعض المباريات بين المنتخبين أصبحت صفحات خالدة في تاريخ كأس العالم بسبب الجدل والإثارة والعداء الكروي.

بعد أربع سنوات فقط من حرب الفوكلاند، جاء أول لقاء كبير بين المنتخبين في كأس العالم 1986 بالمكسيك، وكأن التاريخ قرر أن ينقل الصراع من ساحات الحرب إلى ملعب كرة القدم، فكانت الأجواء مشحونة للغاية، والجماهير الإنجليزية لم تنس الهزيمة العسكرية، بينما دخل الأرجنتينيون المباراة وهم يحملون شعورا قوميا قويا مرتبطا باستعادة الكبرياء بعد الحرب.

في ملعب" أزتيكا" الشهير، كتب مارادونا واحدة من أكثر صفحات كرة القدم إثارة للجدل، وسجل هدفه الأول بيده في لقطة أصبحت تعرف عالميا باسم" يد الله"، وسط احتجاجات إنجليزية غاضبة، قبل أن يسجل بعد دقائق واحدا من أجمل الأهداف في تاريخ كأس العالم عندما راوغ عدة لاعبين إنجليز وانطلق من منتصف الملعب قبل أن يضع الكرة في الشباك.

كانت تلك المباراة أكثر من مجرد انتصار أرجنتيني بنتيجة 2-1، فقد تحولت إلى رمز للصراع النفسي بين المنتخبين، بالنسبة للأرجنتينيين، كان مارادونا بطلا أعاد لهم الفخر بعد جرح الفوكلاند، وبالنسبة للإنجليز، كانت الخسارة مرتبطة بشعور بالظلم بسبب الهدف الأول المثير للجدل، وقالت الصحافة الرياضية لاحقًا إن تلك المباراة صنعت" عداء كرة القدم الحديث" بين البلدين، لأنها جمعت بين التاريخ والسياسة والموهبة والجدل في تسعين دقيقة واحدة.

بعد 12 عاما، عاد المنتخبان للمواجهة في كأس العالم 1998 بفرنسا، لكن هذه المرة كان الصراع أقل ارتباطا المباشر بالحرب وأكثر ارتباطا بالذكريات التي صنعتها مباراة 1986، فكانت مواجهة دور الـ16 في مدينة سانت إتيان واحدة من أكثر مباريات البطولة إثارة، بدأت المباراة بسرعة مذهلة، حيث سجل الطرفان أهدافا مبكرة، وانتهى الوقت الأصلي بالتعادل 2-2، لكن اللحظة التي بقيت في الذاكرة جاءت في الشوط الثاني عندما تلقى ديفيد بيكهام بطاقة حمراء بعد احتكاك مع الأرجنتيني دييجو سيميوني، ورأى كثيرون في إنجلترا أن سيميوني بالغ في إظهار تأثير الاحتكاك، بينما اعتبر الأرجنتينيون أن القرار كان صحيحا.

تحولت صورة بيكهام وهو يغادر الملعب إلى رمز للدراما الإنجليزية في البطولات الكبرى، وبعد انتهاء الوقت الإضافي بالتعادل، وصلت المباراة إلى ركلات الترجيح، حيث فازت الأرجنتين 4-3، لتتكرر مرارة الإقصاء الإنجليزي أمام المنافس نفسه، ولم تكن المشاحنات داخل الملعب فقط هي ما أشعل الأجواء، فقد نقلت وسائل الإعلام في البلدين أجواء التوتر بين الجماهير، حيث تعامل كثيرون مع المباراة باعتبارها مواجهة كرامة وطنية أكثر من كونها مباراة كرة قدم.

في كأس العالم 2002 بكوريا الجنوبية واليابان، جاء اللقاء الثالث بين المنتخبين بعد حرب الفوكلاند، فكانت الأجواء مختلفة، ومرت سنوات طويلة على الحرب، لكن ذاكرة المواجهات السابقة بقيت حاضرة، كانت المباراة في دور المجموعات، وتحولت إلى فرصة لإنجلترا لتصفية حساباتها الرياضية، حيث قاد ديفيد بيكهام المنتخب الإنجليزي، بعد أربع سنوات من طرده أمام الأرجنتين، وسجل هدف الفوز من ركلة جزاء إثر خطأ على مايكل أوين.

بالنسبة لبيكهام، كان الهدف لحظة استعادة شخصية ومهنية، بعدما ظل طيلة سنوات يحمل عبء بطاقة 1998، أما بالنسبة للأرجنتين، فكانت الخسارة مؤلمة للغاية، إذ ساهمت في خروجها المبكر من البطولة رغم أنها دخلت المنافسة باعتبارها من أبرز المرشحين، كانت تلك المباراة أول انتصار لإنجلترا على الغريم في كأس العالم منذ عقود، وأظهرت كيف يمكن لكرة القدم أن تمنح فرصة للرد الرياضي بعد سنوات من الإحباط.

لم تقتصر مواجهات المنتخبين على كأس العالم، ففي عام 1991 انتهت مباراة ودية بالتعادل 2-2، ثم تعادل المنتخبان دون أهداف عام 2000، قبل أن تفوز إنجلترا في مباراة ودية مثيرة عام 2005 بنتيجة 3-2، ورغم أن المباريات الودية عادة لا تحمل ضغط البطولات الكبرى، فإن المواجهة بين المنتخبين كانت دائما استثناء، فحتى عندما لا تكون هناك ألقاب على المحك، كان اللاعبون والجماهير يدركون أن هناك تاريخا طويلا يجعل كل التحامات الملعب أكثر حدة.

الجماهير.

حيث تتحول الذكريات إلى هتافاتالجانب الأكثر حساسية في هذه المواجهات كان دائما مرتبطا بالجماهير، ففي الأرجنتين، بقيت قضية جزر الفوكلاند جزءا من الهوية الوطنية، بينما يتذكر كثير من البريطانيين حرب 1982 باعتبارها انتصارا عسكريا مهما في تاريخ بلادهم، ولهذا كانت بعض المباريات تشهد هتافات تحمل رسائل سياسية، وهو أمر حاول اللاعبون والمدربون غالبا الابتعاد عنه، مؤكدين أن كرة القدم يجب أن تبقى منافسة رياضية، فيما شدد العديد من المسؤولين واللاعبين قبل المواجهات الحديثة على ضرورة الفصل بين التاريخ السياسي والمنافسة داخل الملعب.

لماذا بقيت مباراة إنجلترا والأرجنتين مختلفة عن أي منافسة أخرى؟هناك منافسات كروية عديدة في العالم تقوم على التاريخ والجغرافيا، مثل مواجهات إنجلترا وألمانيا أو الأرجنتين والبرازيل، لكن مواجهة إنجلترا والأرجنتين تمتلك مزيجا نادرا من الأحداث، حيث حرب حديثة، ونجوم أسطوريون، وأهداف مثيرة للجدل، وركلات ترجيح، وبطاقات حمراء، وذكريات جماهيرية متناقلة عبر الأجيال.

انتقلت المنافسة من ساحة المعركة إلى الملعب، لكن دون أن تختفي المشاعر القوية التي صنعتها، فكل مواجهة جديدة لا تبدأ من الصفر، بل تبدأ من إرث 1986 و1998 و2002، ومن قصة طويلة عنوانها" كيف يمكن لتسعين دقيقة من كرة القدم أن تختصر عقودا من التاريخ؟ "، ولهذا، عندما يقف لاعبو إنجلترا والأرجنتين أمام بعضهما البعض، فإنهم لا يواجهون فقط منتخبا آخر، بل يواجهون ذاكرة كروية كاملة، صنعتها لحظات لا تزال حاضرة في ذاكرة الملايين حول العالم.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك