أعادت النيران التي اشتعلت في صهريج لنقل الغاز بمدينة الهرمل شمال شرقي لبنان تسليط الضوء على حجم الفوضى وغياب الرقابة اللذَين يهدّدان سلامة اللبنانيين اليومية باستمرار.
وفي خلال الحادثة التي وقعت اليوم الأربعاء بالقرب من ثكنة للجيش اللبناني، حبس أهالي المدينة أنفاسهم إثر دويّ انفجار عنيف وارتفاع ألسنة اللهب، إذ ظنّوا أنّ ما حصل غارة إسرائيلية على مقربة منهم.
يُذكر أنّ مقاتلات الاحتلال لم توفّر شرقي البلاد في خلال حربها الأخيرة، الأمر الذي يدفع إلى تقديرات مشابهة.
وانتهت الحادثة بـ" أعجوبة"، واقتصر الأمر على أضرار مادية طاولت منازل وممتلكات في محيط الانفجار وكذلك أشجاراً، من دون تسجيل خسائر بشرية، مع تدخّل سريع لفرق الدفاع المدني اللبناني.
وعلى الرغم من ذلك، تثير هذه الواقعة القلق وتدقّ ناقوس الخطر، إذ تبدو البلاد أمام حقيقة مرّة: لبنان وسط قنابل موقوتة تختلف طبيعتها مع غياب معايير السلامة.
أمّا السؤال الملحّ اليوم فيبقى" هل ننجو في المرّة المقبلة؟ ".
وأوضح رئيس شعبة الخدمة والعمليات في المديرية العامة للدفاع المدني اللبناني جوزيف أبو شعيا لـ" العربي الجديد" أنّ" عناصرنا تمكّنوا من احتواء الحريق بالكامل فور وقوعه، بالإضافة إلى عزل الموقع لمنع النيران من التمدّد إلى المحيط"، و" أؤكّد عدم وقوع إصابات بشرية"، لافتاً إلى أنّ" تحقيقاً رسمياً فُتح لمعرفة الأسباب التقنية الدقيقة الكامنة وراء الانفجار".
من جهته، طمأن رئيس بلدية مدينة الهرمل علي حسن طه، في تصريحات لـ" العربي الجديد"، إلى أنّ" الأضرار اقتصرت على الماديات في محيط موقع الانفجار، وشملت عدداً من الأشجار والبيوت"، وأشار إلى أنّ" هذه الحادثة هي الأولى من نوعها التي تشهدها المنطقة، الأمر الذي أثار حالة من الذعر الشديد بين الأهالي، بسبب قوة الصوت ومشهد اللهب المرعب".
وبينما علت أصوات ربطت الانفجار بارتفاع درجات الحرارة، رفض خبراء تبسيط الأمر وتحويل العوامل الطبيعية إلى" شمّاعة" لتبرير أيّ تقصير بشري أو مؤسساتي.
في هذا السياق، طرح رئيس الأكاديمية اللبنانية الدولية للسلامة المرورية كامل إبراهيم سؤالاً استهجانياً، في تصريحات لـ" العربي الجديد": " إذا كانت الحرارة هي السبب، فلماذا لا تنفجر كلّ صهاريج (نقل الغاز) في لبنان؟ ".
وأوضح إبراهيم أنّ" نقل المواد الخطرة، تحديداً المشتقات النفطية والغاز، يخضع في شتى أنحاء العالم لمعايير صارمة جداً وضعتها شركات دولية ومحلية كبرى، بالإضافة إلى السلطات الرسمية.
وهذه المعايير تحدّد بدقّة كيفية تعبئة المواد، وآليات نقلها، وشروط سلامة الصهريج لضمان أمن السائق ومستخدمي الطريق في الوقت نفسه".
ولفت إبراهيم إلى أنّه كلّما ابتعدنا عن المدن في لبنان بما في ذلك العاصمة بيروت، ترتفع معدّلات الفوضى وتتلاشى الرقابة الرسمية، لتصير عمليات نقل المواد الخطرة قنابل موقوتة يسير بها أفراد أو مؤسسات صغيرة فيما تفتقر إلى أدنى معايير السلامة.
وشدّد رئيس الأكاديمية اللبنانية الدولية للسلامة المرورية على أنّ الأزمة الحقيقية في لبنان تكمن في" الغياب التام لتطبيق القانون والرقابة"، وأشار، بكثير من القلق، إلى قرار إلغاء المعاينة الميكانيكية في البلاد، واصفاً إيّاه بأنّه" خطر أساسي وكبير".
وشرح إبراهيم أنّ ذلك يعني غياب الفحص الدوري الذاتي والميكانيكي للشاحنات، وبالتالي إمكانية سير مركبات متهالكة وغير مؤهّلة تقنياً، الأمر الذي يرفع احتمال وقوع حوادث كارثية، من قبيل تعطّل المكابح أو تسرّب مواد مشتعلة.
وتابع إيراهيم أنّ" تطبيق معايير السلامة يتطلّب إلزامية الحصول على ترخيص نقل خاص بالمواد الخطرة، يضمن استيفاء الشروط العالمية.
حتى الشركات الكبرى التي لا تملك أساطيل نقل خاصة، ينبغي أن تُجبَر قانوناً على فرض هذه المعايير عند تعاقدها مع شركات نقل وسيطة".
وتفتح حادثة الهرمل اليوم الباب على مصراعَيه أمام سيناريوهات قاتمة.
فالإجراءات الاحترازية الغائبة اليوم، في حال بقيت على حالها، تعني حتمية تكرار الحادثة، إنّما برصيد من الدماء قد يكون ثقيلاً في المرّات المقبلة.
ولا يمكن لبلد مثل لبنان عانى ويلات انفجار مرفأ بيروت (2020)، وكارثة انفجار صهريج محروقات في بلدة التليل بمحافظة عكار، أقصى شمالي البلاد (2021)، أن يتعامل مع خروق السلامة العامة بخفّة أو بوصفها أحداثاً آنية.
من هنا، تفرض حماية أرواح اللبنانيين على وزارة الداخلية والبلديات وكذلك وزارة الأشغال العامة والنقل، وعلى الأجهزة الأمنية، الاستيقاظ وإعادة تفعيل المعاينة الميكانيكية الصارمة لشاحنات النقل، وفرض عقوبات مشدّدة على المركبات المخالفة.
فالنجاة في الهرمل بمحافظة بعلبك-الهرمل، أقصى شرقي لبنان، هذه المرّة أتت بمحض صدفة وبفعل بعض من البسالة الميدانية، غير أنّ الرهان على الصدف في بلاد تحكمها الفوضى هو توقيع مسبق على فاجعة مقبلة لا محالة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك