إن القراءة المستعجلة لسطح الحوادث كثيراً ما تغري بالوقوع في فخ التبسيط؛ والتبسيط في لغة الإستراتيجية الدولية خطيئة كبرى، حينما نقف اليوم أمام الشاشات لنسمع نبرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهي تهدد بوعيد غير مسبوق، الأسبوع المقبل سيكون سيئاً للغاية بالنسبة لطهران.
سنضرب محطات الطاقة، وسنهدم الجسور ما لم يعودوا فوراً إلى طاولة المفاوضات، فإن السؤال الذي يقفز فوراً إلى الذهن ليس مجرد ماذا سيفعل ترامب؟ ، بل السؤال الأعمق والأخطر هل هذه تصريحات رجل منتصر يملي شروطه من موقع القوة المطلقة، أم أنها صرخة تاجرٍ يرى بضاعته تحترق في سوقٍ لم يحسب حساب تقلباته؟لكي نجيب على هذا السؤال، ليس أمامنا بدٌّ من إزاحة غبار الدعاية الحربية، والذهاب مباشرة إلى خرائط الجغرافيا السياسية،في العلوم العسكرية، هناك قاعدة ذهبية تقول إن قدرتك على التهديد بشن هجوم ساحق ترتبط بنيوياً بحجم الحصانة التي تتمتع بها خطوطك الخلفية والقواعد التي تنطلق منها،وهنا تحديداً يكمن شرخ الصورة الراديكالية التي يحاول البيت الأبيض تصديرها، بينما يلوح ترامب بضرب البنية التحتية الإيرانية، نكتشف واقع مغاير تماماً على الأرض في مياه الخليج، أعلنت طهران صراحة وعبر ضربات صاروخية ومسيرات إنقضاضية متكررة عن إستهداف وتدمير أجزاء حيوية من مقر القيادة المركزية للأسطول الخامس الأمريكي بالجفير فى البحرين،فقد تضررت مستودعات الوقود، وأصيبت رادارات منظومات الدفاع الجوي من طراز باتريوت، وتعطل مركز السيطرة والتحكم الخاص بالزوارق والمسيرات البحرية غير المأهولة،إن إستهداف الجفير لم يكن مجرد عمل تخريبي معزول، بل كان رسالة عملياتية بالغة التعقيد مفادها إن ذراعكم الضاربة في الخليج مكشوفة، وإن نظرية الردع التقليدية التي بنيت عليها الهيمنة البحرية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية قد جرى خرقها بالكامل،إذا أردنا فهم عقلية دونالد ترامب، علينا أولاً تجريده من رداء القائد العام للقوات المسلحة وإعادته إلى أصله الأول والوحيد رجل العقارات النيويوركي الذي يؤمن بأن السياسة هي إمتداد لفن الصفقة،في أدبيات التفاوض التجاري الشرس، عندما يشعر المفاوض بأن الوقت يداهمه، وبأن الخسائر بدأت تتراكم خلف ظهره، فإنه يلجأ غريزياً إلى إستراتيجية حافة الهاوية القصوى، ترامب يدرك الحقائق التالية، والتي تعكس أنه لا يتحدث من موقع المنتصر المستقر:أولاً، الضغط الزمني الحرج تحديد مهلة الأسبوع المقبل لضرب الجسور ومحطات الطاقة يعكس إستعجالاً غير مألوف في التخطيط العسكري الكلاسيكي، المنتصر الحقيقي لا يضع لنفسه جدولاً زمنياً ضيقاً ومحرجاً أمام الرأي العام الدولي ما لم يكن واقعاً تحت وطأة إستنزاف إقتصادي وعسكري هائل في الممرات المائية.
ثانياً، الحصار البحري المتبادل فرض واشنطن حصاراً على مضيق هرمز وموانئ إيران قابله إغلاق فعلي للمضيق وإستهداف مباشر للسفن التجارية والأصول العسكرية الأمريكية، هذا يعني أن الإقتصاد العالمي يقف على فوهة بركان، والأسواق المالية في نيويورك لا ترحم الرئيس المغامر إذا ما قفزت أسعار النفط إلى مستويات قياسية.
ثالثاً، حسابات الردع المفقود كيف يهدد ترامب بهدم الجسور ومحطات الكهرباء وهو يعلم أن طهران قادرة عبر ترسانتها الصاروخية ومحورها الإقليمي على إظلام عواصم وموانئ حليفة لأمريكا في المنطقة خلال ساعات؟
المنتصر لا يصرخ متوعداً بإحراق الجسور ومحطات الطاقة، كوسيلة وحيدة لجر خصمه إلى طاولة المفاوضات المنتصر يملي شروطه بهدوء الغالب، تاركاً لجنرالاته صياغة التفاصيل السياسية، أما لغة ترامب الراهنة فهي أقرب ما تكون إلى محاولة يائسة لإستعادة قوة الردع المفقودة.
لقد تفاجأت الإدارة الأمريكية بأن إيران لم ترتعد فرائصها أمام إستعراض القوة العسكرية في البحر، بل ذهبت إلى أبعد مدى عبر مهاجمة درة التاج العسكري الأمريكي في الخليج الأسطول الخامس بالبحرين في جرأة عملياتية صدمت الدوائر العسكرية الغربية، هذا الإستهداف نقل المعركة من صيغة عقاب أمريكي لطرف مارق إلى حرب إستنزاف متبادلة كسر عظم، لا يضمن ترامب الخروج منها سالماً وهو يواجه إستحقاقات سياسية داخلية معقدة.
إن إجمالي كلفة الأضرار المباشرة وغير المباشرة التي لحقت بجميع القواعد الأمريكية في المنطقة نتيجة الهجمات الإيرانية الأخيرة قد تتجاوز 5 مليارات دولار، مما دفع البنتاجون إلى مراجعة تكتيكات حماية القواعد الثابتة في الخليج في ظل كثافة ودقة ترسانة الصواريخ والمسيّرات الإيرانية الحديثة.
إننا نعيش واحداً من أخطر فصول الصراع في الشرق الأوسط.
ترامب يريد صفقة بأي ثمن ليعود بها إلى جمهوره كبطل تاريخي، وطهران تدرك هذا الشغف التجاري لديه، لذا فهي ترفع كلفة الصفقة إلى حد يسيل معه الدم والنفط في مياه الخليج،الأسابيع القادمة لن تكون حاسمة فقط لجسور إيران ومحطات طاقتها، بل ستكون إختباراً حقيقياً لـ هيبة الإمبراطورية الأمريكية التي باتت قواعدها وأساطيلها تحت رحمة الصواريخ والمسيّرات الذكية، في زمن لم يعد فيه التفوق التكنولوجي المطلق حكراً على عاصمة واحدة في هذا العالم.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك