إن زيارة الرئيس ترامب لقمّة الناتو فى تركيا أتاحت إلقاء نظرة على المسار الذى تمرّ به الولايات المتحدة، ويؤثر فى الشرق الأوسط والمنطقة بأسرها.
وفى المؤتمر الصحافى المشترك بين ترامب وأردوغان، شدد الأخير على أن ترامب وعد ببيع تركيا خمس طائرات F-35، وأنه لا يشك فى أنه سيفى بوعده.
كانت تلك جملة قصيرة تُرجمت للرئيس ترامب، فلم ينفِها، أو يصححها، على غرار ما فعل مرات عديدة فى السابق خلال مؤتمرات صحفية عندما تجاوز الزعيم الذى يقف إلى جانبه التفاهمات، أو الوعود، أو ترجم الواقع بصورة غير صحيحة.
إذًا، يبدو كأن بيع طائرات F-35 لتركيا أصبح حقيقة محسومة، على الرغم من أن القانون الأمريكى يشترط حصول مثل هذه الصفقة على موافقة الكونجرس.
وحتى بعد تلك الموافقة، فإن قائمة الدول والقوات الجوية التى تنتظر تسلّم الطائرات (ومن بينها إسرائيل) طويلة جدًا، بحيث سيستغرق الأمر خمسة أعوام على الأقل، قبل أن تحصل تركيا على أولى الطائرات، إلّا إذا حرص الرئيس ترامب على التوصية بأصدقائه وتوجيههم.
ومحبته لأردوغان ظاهرة للعيان.
إن أهمية امتلاك سلاح جو متقدم وقوى واضحة للجميع.
والأعوام الأخيرة وجولات القتال مع إيران تشرح ذلك أكثر من أى تفسير آخر.
كذلك تضمن صفقات السلاح، التى قررتها إسرائيل خلال الأشهر الأخيرة، أن يواصل سلاح الجو الإسرائيلى أداء دوره كذراع طويلة، قوية، فتاكة، وصاحبة قدرات على تنفيذ أى مهمة، أو مواجهة أيّ تحدٍّ.
والصفقة المتوقعة لبيع طائرات F-35 لتركيا هى أكثر كثيرًا من مجرد بيع طائرة مقاتلة متقدمة؛ فهى تعبّر عن ثلاثة مسارات، أو أبعاد، تتجاوز الطائرة نفسها:فقدان الأفضلية: نشهد منذ دخول ترامب إلى البيت الأبيض عملية متواصلة تفقد فيها إسرائيل مكانتها، ولم تعُد الشريك، أو الحليف الوحيد الذى يهمس فى أذن الولايات المتحدة فى الشرق الأوسط؛ فقطر، عقب عملية الاغتيال الإسرائيلية الفاشلة، هى التى حصلت على تحالف دفاعى ومظلة حماية أمريكية تشكل بوليصة تأمين تمنع إسرائيل من تنفيذ عمليات مشابهة فى المستقبل؛ وكذلك تركيا، التى بدأت عملية تقرُّبها من الولايات المتحدة، عبر الدور المركزى الذى أدّته فى الاتفاق على إنهاء الحرب فى غزة.
والمكانة التى منحها الرئيس ترامب لأردوغان (بما فى ذلك توقيعه خطة ترامب ذات النقاط العشرين)، والآن، بيع الطائرات المقاتلة المتقدمة، تضعها فى مكانة مشابهة.
تقويض التفوق العسكرى النوعى: إن ضمان التفوق العسكرى النوعى لإسرائيل والحفاظ عليه منصوص عليه فى القانون الأمريكى منذ أكتوبر 2008، فى عهد الرئيس بوش، منذ ما يقارب العشرين عامًا.
وذلك بشكل يُلزم الإدارة الأمريكية تقديم مبرر وتقييم للكونجرس يثبت أن الصفقة لا تمسّ بالتفوق العسكرى النوعى لإسرائيل، أو بدلًا من ذلك، اقتراح خطوات تضمن الحفاظ عليه.
وفى هذه الحالة، يستطيع الأمريكيون عرض صفقة الطائرات المستقبلية، باعتبارها تحافظ على ذلك التفوق، ظاهريًا.
الطموحات التركية: فى عهد أردوغان، تمرّ تركيا بعملية تصعيد مستمرة إزاء كل ما يتعلق بإسرائيل منذ أحداث سفينة مرمرة فى مايو 2010.
تركيا عضو فى حلف الناتو، ولديها جيش كبير وحديث، وطموحات إمبراطورية إقليمية، ولا تخفى نواياها الإقليمية فى المنطقة.
ويأتى تقاربها وارتباطها بالرئيس السورى الجديد أحمد الشرع فى إطار هذه الفكرة، وكذلك تدخّلها فى غزة وغيرها.
إن محاولة تركيا الاقتراب من حدود إسرائيل (فى سوريا وغزة، وغيرهما) يجب أن تثير القلق.
ومن منظور مستقبلى، هناك إمكانات لتحوُّل ذلك إلى تهديد مباشر لإسرائيل.
وإذا أضفنا إلى ذلك الصراع على طرق الملاحة البحرية من إسرائيل وإليها، فإننا ندرك اليوم أهمية بقاء خطوط الملاحة مفتوحة وتأثيرها فى الاقتصاد.
ستُحسن إسرائيل الرسمية صنعًا إذا تصرفت كأن القرار اتُّخذ فعلًا، وبدلًا من إضاعة الوقت، تستغله لتحسين الوضع والعمل على إعداد حزمة تعويضات ضامنة تحافظ على تفوّقها الأمنى والعسكرى.
ويمكن لإسرائيل المطالبة بقائمة طويلة من القدرات والعناصر، منها:تقليص مدة تنفيذ صفقات الطائرات التى قررتها إسرائيل خلال العام الماضى (مقاتلات F-35 وF-15، والمروحيات الهجومية، وطائرات التزود بالوقود)، وتقليص فترة الانتظار التى تصل إلى خمسة أعوام على الأقل إلى فترة أقصر، وسيكون لذلك أهمية كبيرة.
قدرات متقدمة فى مجال الذكاء الاصطناعى، تشمل الحواسيب والبرمجيات وغيرها من الإمكانات.
توسيع التعاون الاستخباراتى وفتح الوصول إلى أنظمة متقدمة (الأقمار الصناعية وغيرها) للرصد والمتابعة، لا سيما فيما يتعلق بإيران.
تعزيز منظومات الدفاع الجوى والصاروخى، التى ظهرت أهميتها فى المواجهات الأخيرة.
تزويد سلاح الجو بذخائر متقدمة، وبشكل خاص للتعامل مع البنية التحت أرضية، التى أصبحت أعمق وأكثر تعقيدًا وأهمية فى ساحات القتال الحالية والمستقبلية.
وهنا أيضًا رأينا الفارق والتفوق الأمريكى.
«إسرائيل القوية» هى أولًا حاجة وطنية إسرائيلية، لكنها أيضًا مصلحة أمريكية.
وقوة إسرائيل، حسبما تجلّت فى الحرب ضد إيران ليست خافية على أى صانع قرار أمريكى، بغض النظر عمّن سيجلس فى البيت الأبيض بعد عامين أو ثمانية أعوام.
ومهمتنا أن نبذل كل ما فى وسعنا للحفاظ على مكانة إسرائيل وقدرتها فى الأعوام المقبلة.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك