رفعت المحكمة العسكرية في لبنان قرار منع السفر عن الفنان فضل شاكر، وسلّمته جواز سفره، بعد تعهده حضور جميع الجلسات المقبلة في القضايا المقامة ضده.
وكان شاكر قد غادر مكان توقيفه بعد موافقة المحكمة العسكرية الدائمة في لبنان على تخلية سبيله، في 8 يوليو/ تموز الحالي، في القضايا الأمنية الأربع المقامة ضده، وأبرزها ملف أحداث عبرا، مقابل كفالات مالية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام.
وبذلك، طوى صاحب أغنيات رافقت ذاكرة كثيرين فصلاً جديداً من قضية امتدت لأكثر من عقد، انتقل خلالها من فنان بارز إلى متهم في ملفات أمنية، قبل خروجه من التوقيف بقرار قضائي.
وكانت المحكمة حددت كفالة قدرها مئة مليون ليرة لبنانية عن كل واحد من ثلاثة ملفات، ومئتي مليون ليرة في ملف عبرا، ليبلغ مجموع الكفالات نحو 5,600 دولار أمريكي، على أن تستمر محاكمته وهو خارج التوقيف.
وبعد خروجه، نشر شاكر رسالة عبر حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي قال فيها: " الحمدلله رب العالمين.
اليوم كتبت لي سطور جديدة في الحرية"، شاكراً من وقفوا إلى جانبه وساندوه في قضيته، وطالباً من جمهوره منحه وقتاً قصيراً لاستعادة عافيته والاطمئنان على عائلته قبل عودته إليهم.
وأثارت الرسالة تفاعلاً واسعاً بين آلاف من محبيه، وبين من رحّب بخروجه واستعاد محطات من مسيرته الفنية، ومن رأى في التطور الأخير بداية مرحلة جديدة في قضية بدأت مع أحداث عبرا عام 2013، ومرّت بسنوات من التواري داخل مخيم عين الحلوة، قبل أن يسلّم شاكر نفسه إلى السلطات اللبنانية وتُعاد محاكمته بعد إلغاء الأحكام الغيابية السابقة بحقه وفق القانون اللبناني.
تعود القصة إلى ما قبل أكثر من عقد، حين خرج فضل شاكر من صورة المغني الرومانسي الذي ملأ المسارح العربية، واقترب من الشيخ أحمد الأسير، رجل الدين السني اللبناني الذي برز في صيدا بخطاب حاد ضد حزب الله، قبل أن يصبح شاكر مطلوباً بعد المواجهة الدامية بين الجيش اللبناني وأنصار الأسير في عبرا عام 2013.
وعلى مدى تلك السنوات، بقي اسم شاكر عالقاً في قضية مفتوحة، فيما أمضى فترة طويلة داخل مخيم عين الحلوة، عاد خلالها إلى الغناء تدريجياً من داخل المخيم، قبل أن يسلّم نفسه في لحظة أعادت ملفه إلى الواجهة، عند تقاطع الأمن والسياسة والفن والإعلام.
يأتي قرار إخلاء سبيل فضل شاكر بعد أشهر من إعادة فتح ملفه أمام المحكمة العسكرية، وهي الجهة التي تنظر في لبنان في قضايا مرتبطة بالجيش والأمن، وبعد جلسات استمعت خلالها المحكمة إلى إفادات عسكرية وقضائية جديدة في القضايا المتصلة بأحداث عبرا.
وتعود أحداث عبرا إلى عام 2013، حين اندلعت مواجهة مسلحة في هذه المنطقة الواقعة قرب مدينة صيدا، جنوبي لبنان، بين الجيش اللبناني وأنصار الشيخ أحمد الأسير.
وبحسب المعطيات المتداولة في الملف، استند طلب إخلاء السبيل إلى عاملين رئيسيين: الأول قانوني، ويتصل بإفادات ضباط سابقين في الجيش اللبناني لم تثبت، وفق ما نقلته الوكالة الوطنية للإعلام في جلسة سابقة، مشاركة شاكر في القتال ضد الجيش اللبناني، أو حمله السلاح، أو تمويله مجموعة الأسير.
أما العامل الثاني فطبي، بعد تدهور وضعه الصحي ونقله إلى المستشفى العسكري، وسط تقارير عن مضاعفات مرتبطة بالسكري والنظر وانسداد بعض الشرايين.
يسمح القرار بخروج شاكر من السجن، مع استمرار ملاحقته في ملفات أمنية مرتبطة بأحداث عبرا وما تلاها، وهو ما ينفي عبر وكلائه القانونيين صلته به، خصوصاً المشارَكة في إطلاق النار على الجيش أو دعم جماعات مسلحة.
وكانت محكمة الجنايات في بيروت قد برّأته في أيار/مايو الماضي من دعوى محاولة قتل هلال حمود، المسؤول المحلي في" سرايا المقاومة" في صيدا، وهي مجموعات لبنانية تدور سياسياً في فلك حزب الله، غير أن الحكم اقتصر على هذا الملف، وبقيت قضايا أخرى مفتوحة أمام المحكمة العسكرية.
قبل أن يصبح اسمه مرتبطاً بملفات أمنية، كان فضل شاكر واحداً من أبرز الأصوات الرومانسية في العالم العربي.
لمع اسمه منذ التسعينيات، وارتبطت أغنياته بمرحلة كاملة من الغناء العاطفي العربي، قبل أن يعلن في عام 2012 اعتزال الفن ويتجه إلى التدين.
في تلك الفترة، كان لبنان يعيش توتراً سياسياً وطائفياً عميقاً، زادته الحرب السورية تعقيداً.
وبرز الشيخ أحمد الأسير في صيدا بخطاب ديني وسياسي حاد، مناهض لحزب الله والنظام السوري، مستقطباً شريحة من المؤيدين في المدينة ومحيطها.
اقترب شاكر من الأسير وظهر إلى جانبه في أنشطة دينية وسياسية، وصدرت عنه مواقف وتصريحات أثارت غضب خصومه، خصوصاً بعد انتشار مقاطع مصورة اعتُبرت مسيئة لعناصر الجيش اللبناني.
يقول شاكر لاحقاً إن بعض تلك المقاطع استُخدم خارج سياقه، وإنه لم يكن يقصد قتلى الجيش.
وتقول عائلات عسكريين إن العدالة لا تعني الانتقام، لكنها لا تعني أيضاً تحويل شاكر إلى ضحية أو طي الصفحة عبر عودته إلى إطلاق أعمال غنائية رائجة.
في المقابل، يرى مؤيدوه أنه دفع ثمناً طويلاً لاختيارات سياسية خاطئة، وأن تسليم نفسه يؤكد رغبته في تسوية وضعه قانونياً.
من هنا تأتي حساسية القرار.
فإخلاء السبيل، ولو استند إلى اعتبارات قانونية أو صحية، لا يُنهي الجدل حوله.
يفتح إخلاء سبيل فضل شاكر فصلاً جديداً في قضيته، ويضعه أمام مرحلة مختلفة عن سنوات المخيم والسجن.
فالمحاكمة قد تستمر، وقد تُفرض عليه إجراءات مرتبطة بحضور الجلسات أو التحرك أو السفر، وفق منطوق القرار وما تقرره السلطات القضائية.
فنياً، تبدو العودة مهيأة: جمهورٌ تابَع أعماله الأخيرة، وشركات إنتاج عربية أبدت استعداداً للاستثمار في صوته من جديد.
وستبقى العودة إلى المسرح مرتبطة بمآل القضية، وبقدرته على إقناع الرأي العام بأن ملف عبرا عولج قضائياً، لا عبر الصورة الإعلامية وحدها، إلى جانب حالته الصحية.
وسيكون الاختبار الأهم في الأحكام الوجاهية المنتظرة.
فإذا لم تثبت المحكمة مشاركته في القتال أو التمويل، يكون شاكر قد تجاوز أثقل فصول قضيته.
أما إذا خلصت إلى مسؤولية ثابتة عليه، فقد يواجه أحكاماً جديدة، حتى وهو خارج السجن.
وبين القضاء والفن والذاكرة اللبنانية، تبقى قصة فضل شاكر واحدة من أكثر القصص العربية تعقيداً: فنان صعد بصوته إلى قمة الغناء الرومانسي، ثم سقط في أحد أكثر ملفات لبنان حساسية، قبل أن يعود إلى القضاء من باب المخيم، وإلى جمهوره من باب الأغنية، وإلى الحرية بقرار يفتح فصلاً جديداً في الحكاية.
قد يهمك أيضــــــــــــــافضل شاكر يُنقل إلى المستشفى العسكري بعد تدهور حالته الصحية وتطورات جديدة في ملفه القضائي.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك