في موازاة موجة التصعيد العسكري الأميركي الأخيرة ضد إيران، التي بدأت في 12 يوليو/تموز الجاري، بذريعة استهداف الحرس الثوري الإيراني سفناً تجارية في مضيق هرمز، وكذلك قرار استئناف حصار الموانئ الإيرانية، الذي دخل حيز التنفيذ أمس الثلاثاء، تعمل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تشديد العقوبات على إيران، في ما يبدو جمعاً بين أدوات مختلفة لإخضاع طهران ودفعها إلى تقديم تنازلات في إطار التفاوض، بل وسحب بعض المكتسبات الإيرانية التي تضمنتها مذكرة التفاهم، ولا سيما البند الخامس المتعلق بمضيق هرمز، الذي يمكن تفسيره على أنه يمنح طهران مساحة لاتخاذ الترتيبات المناسبة في المضيق بعد 60 يوماً.
ولم يخف ترامب اعتماده هذه الاستراتيجية وإعجابه بها، إذ صرّح، أمس الثلاثاء، بأن" الجمع بين الضغط العسكري والاقتصادي هو الأكثر فاعلية".
العقوبات على إيران منذ بدء الحربركزت الولايات المتحدة، في عقوباتها على إيران منذ بدء الحرب في فبراير/شباط الماضي، بصورة أساسية على خنق عائدات النفط والشحن، وتفكيك شبكات الصيرفة، وتعطيل قنوات شراء مكونات الصواريخ والطائرات المسيّرة وقطع غيار الطائرات وغيرها من السلع ذات الاستخدام العسكري.
وتولت وزارة الخزانة الأميركية ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية" أوفاك" الدور التنفيذي الرئيسي في هذه الحملة، فيما تحركت وزارة الخارجية، في كثير من الأحيان، بالتوازي، من خلال فرض عقوبات إضافية وإصدار بيانات ووقائع مرتبطة بها، إلى جانب استخدام برنامج" مكافآت من أجل العدالة".
واتخذت قرارات فرض العقوبات طابعاً تراكمياً، إذ استهدفت الجولات الأولى صادرات النفط الخام والبتروكيماويات وناقلات ما تطلق عليه واشنطن" أسطول الظل"، قبل أن تتوسع لتشمل شركات صرافة وشبكات مالية سرية ومصافي صينية مستقلة وشبكات شراء مرتبطة بالبرامج العسكرية الإيرانية.
وفي يونيو/حزيران، امتدت العقوبات إلى منصات العملات الرقمية وشبكات تهريب غاز البترول المسال، قبل أن تعود واشنطن، في يوليو/تموز، إلى استهداف واسع لشبكات الشحن والتمويل المرتبطة بشخصيات إيرانية بارزة، من بينها علي أنصاري ومحمد حسين شمخاني.
وكالة" تسنيم": الولايات المتحدة لا تستهدف حرباً شاملة، بل استنزافاً تدريجياً لإيران عبر الضربات والعقوبات.
وشهد إبريل/نيسان انتقال الحملة إلى مستوى أوسع.
ففي 15 إبريل، استهدفت وزارة الخزانة شبكة مرتبطة بمحمد حسين شمخاني، قالت إنها تدير إمبراطورية بمليارات الدولارات لتهريب النفط، إلى جانب شبكة مرتبطة بتجارة الذهب وتمويل حزب الله.
وبعد أقل من أسبوع، فرضت واشنطن عقوبات على 14 فرداً وكياناً وطائرة في إيران وتركيا والإمارات، على خلفية اتهامات بالمشاركة في شراء مكونات للصواريخ والطائرات المسيّرة، وتوفير قنوات نقل مرتبطة بشركة" ماهان إير".
وفي 24 إبريل، انتقلت العقوبات إلى أحد أهم منافذ تصريف النفط الإيراني في الصين، إذ استهدفت واشنطن مصفاة" هنغلي للبتروكيماويات" في داليان، إلى جانب نحو 40 شركة وسفينة مرتبطة بشبكات الشحن.
واعتبرت وزارة الخزانة أن المصافي الصينية المستقلة، المعروفة باسم" مصافي إبريق الشاي"، تمثل سوقاً رئيسية للنفط الإيراني ومصدراً مهماً لاستمرار تدفق العائدات إلى طهران.
وفي 28 إبريل، استهدفت" أوفاك" 35 فرداً وكياناً قالت إنهم يديرون أجزاء من بنية" الظل المصرفي" الإيراني، وهي شبكة من الشركات الواجهة والوسطاء الماليين تُستخدم، وفقاً لواشنطن، لتحويل عائدات النفط وتمويل القوات المسلحة وشراء الأسلحة ودعم حلفاء إيران.
الصرافة والنفط وتمويل الحلفاءوواصلت واشنطن، في مايو/أيار، توسيع دائرة الاستهداف.
ففي الأول من الشهر، فرضت عقوبات على ثلاث شركات صرافة إيرانية وشبكات واجهة مرتبطة بها، متهمة إياها بتحويل عائدات النفط، ولا سيما العائدات المقومة باليوان الصيني، إلى عملات يمكن للسلطات الإيرانية وقواتها وحلفائها استخدامها.
وفي 7 مايو، امتدت العقوبات إلى شخصيات وشبكات في العراق قالت واشنطن إنها مرتبطة بتمويل جماعات مسلحة مدعومة من إيران وبتسهيل عمليات بيع النفط.
وبعد ذلك بيوم، استهدفت وزارتا الخزانة والخارجية شبكات شراء عسكرية تعمل في الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا الشرقية، في إطار مساعٍ أميركية لمنع إيران من الحصول على مكونات تُستخدم في تصنيع الأسلحة والصواريخ والطائرات المسيّرة.
تقرير إيراني يحذر من انتقال واشنطن إلى استراتيجية" الحروب المتناوبة المحدودة" لاستنزاف إيران عسكرياً واقتصادياً.
وفي 11 مايو، فرضت واشنطن عقوبات على 12 فرداً وكياناً قالت إنهم يسهلون عمليات بيع النفط لصالح الحرس الثوري الإيراني، ولا سيما إلى الصين.
ثم جاءت جولة جديدة، في 19 مايو، استهدفت أكثر من 50 شركة وفرداً وسفينة ضمن شبكات مالية وبحرية مرتبطة بتجارة النفط والبتروكيماويات ونقل عائداتها.
وفي 27 مايو، فرضت وزارة الخزانة عقوبات على ما وصفته بـ" هيئة مضيق الخليج الفارسي"، معتبرة أنها آلية مرتبطة بالحرس الثوري لفرض رسوم على السفن المارة في مضيق هرمز والحصول على معلومات حساسة عنها.
وفي اليوم التالي، استهدفت واشنطن شبكات قالت إنها تستخدم عائدات مبيعات النفط لتمويل إعادة بناء القدرات العسكرية الإيرانية، بالتزامن مع إعلان برنامج" مكافآت من أجل العدالة" مكافأة تصل إلى 15 مليون دولار مقابل معلومات مرتبطة بالآليات المالية للحرس الثوري.
أما في 29 مايو، فاستهدفت وزارة الخزانة، بالتنسيق مع وزارة التجارة ومكتب التحقيقات الفيدرالي، شبكة شراء اتهمتها بانتحال صفة شركات أميركية للحصول على سلع محظورة لصالح وزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة الإيرانية وجهات إيرانية خاضعة للعقوبات.
العملات الرقمية وتهريب الغازدخلت العملات الرقمية بصورة مباشرة على خط العقوبات في 2 يونيو/حزيران، عندما استهدفت واشنطن منصة" نوبيتكس" وعدداً من منصات تداول العملات الرقمية الإيرانية الأخرى، إلى جانب مسؤولين فيها.
وقالت وزارة الخزانة إن السلطات الإيرانية استخدمت الأصول الرقمية في الالتفاف على العقوبات وتمويل أنشطة مرتبطة بالإرهاب ودعم الريال وتحويل الثروات، بما في ذلك خلال فترات انقطاع الإنترنت والعمليات العسكرية.
العقوبات الأميركية على إيران منذ فبراير ركزت على خنق عائدات النفط وتعطيل شبكات التمويل ومنع شراء مكونات الصواريخ والمسيرات.
وفي 5 يونيو، استهدفت واشنطن شبكة قالت إنها تهرّب غاز البترول المسال الإيراني عبر شركات واجهة في الإمارات والصين، وتعيد تقديمه على أنه غاز عُماني المنشأ، إلى جانب استهداف شبكة صرافة مرتبطة بهذه العمليات.
وفي 10 يونيو، فرضت وزارتا الخزانة والخارجية عقوبات جديدة على أفراد وكيانات في شبكات شراء خارجية تعمل، بحسب واشنطن، لصالح الحرس الثوري ووزارة الدفاع الإيرانية.
وشملت الإجراءات موردين في الصين وهونغ كونغ وشركة قالت واشنطن إنها جزء من شبكة مصرفية إيرانية سرية.
استهداف علي أنصاري والعودة إلى شبكة شمخانيشهد يوليو/تموز عودة قوية إلى استهداف شبكات التمويل والشحن الكبرى.
ففي 10 يوليو، فرضت وزارة الخزانة عقوبات على رجل الأعمال الإيراني علي أنصاري، إلى جانب شركات صرافة وشركات واجهة، متهمة إياه بإدارة شبكة ثروات عالمية يستفيد منها مجتبى خامنئي وشخصيات أخرى من النخبة الإيرانية.
وبعد أربعة أيام، وسّعت واشنطن العقوبات على شبكة محمد حسين شمخاني لتشمل أكثر من 50 فرداً وكياناً وسفينة.
وقالت وزارة الخزانة إن الشبكة ظلت قوة رئيسية في صادرات النفط الإيرانية والالتفاف على العقوبات، رغم الإجراءات السابقة التي استهدفتها.
وبحسب المعطيات التي نشرتها وزارة الخزانة الأميركية، أصبحت العقوبات الأميركية، عبر جولات متعاقبة، تغطي أكثر من 200 فرد وكيان وسفينة مرتبطة بهذه الشبكة.
وكان آخر هذه العقوبات اليوم الأربعاء، إذ فرضت وزارة الخزانة عقوبات على سبعة أفراد وكيانات ضمن شبكة دولية قالت إنها تعمل على شراء معدات ومواد لصالح الحرس الثوري.
وشملت الشبكة جهات وأفراداً في إيران ونيجيريا وروسيا وإيطاليا، ضمن ما قالت الوزارة إنها مساعٍ أميركية لتعطيل قنوات النقل والتمويل والشراء المرتبطة بالقدرات العسكرية الإيرانية.
كيف تقرأ إيران تراكم العقوبات؟في ما يشبه ورقة تقدير موقف ضمن ملف الحرب، تطرقت وكالة" تسنيم" الإيرانية، المقربة من الحرس الثوري، اليوم الأربعاء، إلى موجة التصعيد الأميركي ضد إيران، محذرة من انتقال المواجهة إلى نموذج من" الحروب المتناوبة المحدودة" الهادفة إلى استنزاف إيران تدريجياً، من دون الانجرار إلى حرب شاملة.
ورأت الورقة أن مؤشرات الأيام الأخيرة تتطابق مع نموذج يجمع بين العمليات العسكرية المحدودة والحرب النفسية والعقوبات الاقتصادية، بهدف إضعاف قدرة إيران وحلفائها على الصمود على المدى الطويل.
وبحسب التقدير، لا يتمثل الهدف الأميركي بالضرورة في تغيير النظام الإيراني عبر هجوم واسع، بسبب الكلفة المرتفعة التي قد تترتب على ذلك، وإنما في إنشاء دورة متكررة تتكون من" ضربة، ثم هدنة، ثم إعادة بناء محدودة، ثم ضربة جديدة".
واعتبرت الورقة أن كل جولة تصعيد تفرض على إيران تكاليف اقتصادية واجتماعية وعسكرية، تشمل ارتفاع التضخم وتراجع قيمة العملة وتعطيل صادرات النفط وسلاسل التوريد، إلى جانب استهلاك الذخائر وتآكل المعدات ووقوع خسائر بشرية، فضلاً عن زيادة الإرهاق والاستقطاب في الداخل.
ترامب يؤكد أن الجمع بين الضغط العسكري والاقتصادي هو الأكثر فاعلية، فيما تواصل واشنطن تشديد العقوبات على إيران.
ووصفت الورقة" الصمود الاقتصادي والاجتماعي" بأنه المتغير الأكثر أهمية، معتبرة أن إدارة التضخم والحفاظ على استقرار العملة والتماسك الداخلي من شأنها تقليص فاعلية الضغوط الأميركية، في حين قد تتحول الاحتجاجات والخلافات الداخلية إلى عامل تستغله واشنطن لمضاعفة تأثير عملياتها.
وخلصت" تسنيم" إلى أن النموذج الجاري يمثل نسخة محدثة من سياسة" الضغط الأقصى"، لكنها باتت ممزوجة باستخدام عسكري محدود، بهدف تحويل إيران إلى قوة منهكة ومشغولة بصورة دائمة، ومنعها من توظيف نفوذها الإقليمي أو إحراز تقدم في برامجها النووية والصاروخية.
ورأت أن السيناريو المفضل للولايات المتحدة يتمثل في استنزاف إيران عسكرياً واقتصادياً من خلال العقوبات، من دون خوض حرب كبرى، وإضعاف حلفائها، خصوصاً حزب الله وجماعة أنصار الله، ثم دفع طهران إلى التفاوض من موقع أضعف.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك