هندسة" المفارقات الخمس" وعبقرية الشيخ حمد بن خليفةفي الهندسة كما في أدبيات الفلسفة السياسية، يُعرف" رجل الدولة الاستثنائي" بأنه القادر على الجمع بين نقيضين لإنتاج واقع ثالث لم يكن يظن أحد أنه ممكن، معظم القادة يختارون مساراً واحداً، أما القلة القليلة- التي ينتمي إليها الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله- فهم الذين أداروا بلادهم بفلسفة" إدارة التناقضات الحيوية".
عند تفكيك مسيرة هذا القائد الذي انتقل للحياة الأبدية، نجد أن تميزه بين رجال الدولة القلائل في التاريخ الحديث لا يكمن في الأرقام القياسية لاقتصاد الغاز، بل في" خمس مفارقات فلسفية" أدار بها المشهد العالمي:1.
مفارقة الجغرافيا" الصغير الذي يحمي الكبير"في الفكر الاستراتيجي الكلاسيكي، تشتري الدول الصغيرة أمنها بالانضواء تحت عباءة الكبار وتجنب إثارة غضبهم، قلب الشيخ حمد هذه القاعدة؛ فلم يكتفِ ببناء دولة آمنة، بل جعل من بلاده" صمام أمان" للقوى العظمى والإقليمية نفسها.
فتح أبواب الدوحة لوساطات تجمع الأضداد (من طالبان وأمريكا، إلى الفرقاء اللبنانيين والفصائل الإفريقية)، كان يطبق فلسفة عميقة: " أن تجعل نفسك حاجة ماسة للجميع، بحيث يصبح استقرارك مصلحة كونية مشتَركة"، لم تعد الجغرافيا هي من تحمي قطر، بل أصبحت شبكة العلاقات المعقدة التي نسجها الشيخ حمد بن خليفة هي درع الجغرافيا.
2.
مفارقة (الثورة والحركة): تسييل الجمودمعضلة الدول الريعية (التي تعتمد على النفط أو الغاز) هي" الكسل الحضاري"؛ حيث تؤدي الوفرة المالية إلى جمود الفكر والمجتمع، تجلت عبقرية الشيخ حمد بن خليفة في كونه ضخ ثروة الغاز المسال لا في جيوب الحاضر المترهل، بل في عروق" المستقبل المتحرك"؛ لقد تعامل مع ثروة حقل الشمال كـ" طاقة حركية" لا" طاقة كامنة"؛ سيلها ليحولها فوراً إلى قوى ناعمة غير قابلة للمصادرة: مؤسسات تعليمية كونية (مؤسسة قطر)، استثمارات سيادية تشارك في ملكية مفاصل الاقتصاد الغربي، وهالة رياضية وثقافية غيرت الصورة الذهنية للشرق الأوسط بأسره.
3.
مفارقة (السيادة والصوت): إلغاء الرقابة لصناعة النفوذفي المنطقة العربية والشرق الأوسط، جرت العادة أن تبسط الأنظمة سيطرتها عبر إسكات الأصوات وإحكام القبضة الإعلامية، الشيخ حمد بن خليفة فعل العكس تماماً ليعيد تعريف مفهوم" السيادة"، ألغى وزارة الإعلام، وأطلق" شبكة الجزيرة" عام 1996، متحملاً كلفة سياسية ودبلوماسية هائلة من دول شقيقة وصديقة، الفلسفة الكامنة هنا كانت عبقرية: " السيادة الحقيقية لا تأتي من منع الكلمة داخل حدودك، بل من امتلاك الكلمة التي يسمعها العالم خارج حدودك"، لقد نقل الدوحة من الهامش الإخباري إلى المركز الذي يصنع الخبر ويوجه الوعي الجمعي العالمي.
4.
مفارقة (الأصالة والحداثة ): ناطحات السحاب وحصان الباديةكثير من القادة الذين قادوا طفرات تحديثية سريعة (مثل أتاتورك في تركيا أو بعض قادة التنمية في آسيا) مالوا إلى قطع الحبل السري مع الماضي لتسريع الدخول في الحداثة، أما فلسفة الشيخ حمد بن خليفة فكانت تقوم على" التحديث دون التغريب".
في الوقت الذي كانت فيه الدوحة ترتفع بأبراجها وناطحات سحابها لتنافس نيويورك وطوكيو، كان يصر على إعادة إحياء (سوق واقف) بطرازه الطيني القديم، ودعم سباقات الهجن، والاحتفاء بالعمق الأخلاقي الثقافي والقبلي لقطر، لقد فهم أن الدولة بلا ذاكرة هي مجرد" شركة تجارية"، وأن القوة التكنولوجية والاقتصادية تحتاج إلى جذور تراثية صلبة تحميها من الذوبان الثقافي.
5.
المفارقة الوجودية: كاريزما الانسحاب والتساميتاريخياً، القادة الكاريزميون من طرازه (الذين يصنعون الدول من العدم) لا يغادرون السلطة إلا بوفاة أو انقلاب؛ لأنهم يعتقدون أن الدولة تموت برحيلهم، جاءت لحظة يونيو 2013 لتسجل أندر مأثرة فلسفية في تاريخ الحكم: التنحي الطوعي وهو في قمة مجده وقوته السياسية والصحية، هذه اللحظة لم تكن مجرد تسليم سلطة، بل كانت إعلاناً فلسفياً بأن" رجل الدولة الحقيقي" هو من ينجح في تحويل كاريزمته الشخصية إلى" مؤسسة مستدامة" يشاهد من خلالها ما سيحصل بعده بكفاءة أعلى عبر الجيل الجديد (صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني)، هو قائد مشروع وليس حبيس كرسي، فرأى كيف سيستمر بعده وينمو ويتجدد.
الشيخ حمد بن خليفة كان" مهندساً للوعي والزمان والمكان".
مكانه بين رجال الدولة القلائل في التاريخ- مثل لي كوان يو وبسمارك- لقد أنتج قادة لمشروع ولم يعدهم للسلطة وحسب، حفظ الله قطر.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك