الأمير الوالد - رحمه الله - حاضر في وطن بناه• الفقد ليس أمرًا سهلًا، والرحيل يترك فراغًا لا تملؤه الكلمات، فيما يبقى الشوق نبضًا لا يخبو.
والموت حقيقة نقف أمامها صابرين محتسبين، مؤمنين بقضاء الله وقدره، وأن لكل أجل كتاب.
وما بين لحظة الميلاد ولحظة الرحيل، ليست الأعمار بما نعيشه من سنوات، بل بما نتركه من أثر يبقى بعدنا.
• رحيل سمو الأمير الوالد، المغفور له بإذن الله الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لم يكن ولن يكون سهلًا على أبناء قطر.
فهو ليس فقد قائد صنع مرحلة تاريخية فحسب، بل فقد أب احتضن وطنًا، وآمن بإنسانه، ورسم له مستقبلًا سبق زمانه.
ولن يكون الفقد سهلًا على من عرفه عن قرب.
• وأستحضر اليوم مشهدًا لن يغيب عن ذاكرتي ما حييت.
في حفل تخرج دفعة عام 2010، أعلنت صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، في مفاجأة تاريخية وبحضور سمو الأمير الوالد رحمه الله، تأسيس جامعة حمد بن خليفة، لتكون إحدى المبادرات الوطنية الرائدة لمؤسسة قطر في التعليم والبحث العلمي.
• في تلك اللحظة، لم نكن ندرك أننا لا نحضر إعلان جامعة جديدة فحسب، بل إعلان مرحلة جديدة في مسيرة التعليم العالي والبحث العلمي في دولة قطر.
كانت رؤية تؤمن بأن الأوطان تُبنى بالإنسان، وأن الإنسان يُبنى بالعلم، وأن الاستثمار في العقول هو الاستثمار الذي لا تنفد ثماره.
• ولا تزال تفاصيل ذلك المشهد حاضرة في الذاكرة؛ حين صعد سمو الأمير الوالد وتسلم شعار جامعة حمد بن خليفة من صاحبة السمو الشيخة موزا.
كان مشهدًا بسيطًا في صورته، عظيمًا في دلالته، يجسد شراكة في الحلم، ووحدة في الرؤية، ورسالة واضحة بأن العلم سيكون أحد أعمدة نهضة هذا الوطن.
• وأذكر أنني كنت يومها أقف بين خريجي أول دفعة لبرنامج الماجستير في السياسة العامة في الإسلام بكلية الدراسات الإسلامية في مؤسسة قطر، أنظر إلى المستقبل بعيون الأمل، دون أن يخطر ببالي أن أعود بعد سنوات لأحمل درجة الدكتوراه من الجامعة التي أُعلن عن تأسيسها في ذلك اليوم.
حينها أدركت أن الرؤى العظيمة لا تصنع حاضرها فقط، بل تصنع مستقبلَ أجيال لم تكن قد وصلت بعد إلى مقاعد الدراسة.
• ذلك المشهد عاد إلى الذاكرة وأنا أقرأ كلمات صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر وهي تنعى سموه، بكلمات قالت فيها: " بسم الله الرحمن الرحيم (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي).
صدق الله العظيم.
استلهمُ من الحزن أعظمَهُ ومن الأسى أعمقَهُ برحيل زعيم قطر التاريخي صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله وطيّب ثراه.
وفي لحظة من الخشوع لمشيئة الباري عز وجل في تقدير الأقدار يرتقي الراحل الكبير إلى منزلة خالدة بوصفه رائد دولة قطر الحديثة وصانع أمجادها.
وإنني بقلب كسير أتضرع إلى الله سبحانه وتعالى أن يغمد الراحل برحمته ويسكنه فسيح جناته.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
”• ويبقى عزاء المؤمن أن الإنسان لا يرحل بأثره، وإنما يرحل بجسده، بينما تستمر أعماله شاهدة له.
وفي الحديث الشريف يقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له.
” وحين نتأمل سيرة الأمير الوالد، نجد أن معاني هذا الحديث تجلت في حياته بصورة لافتة.
• فقد أمر، رحمه الله، بطباعة مصحف قطر على نفقته الخاصة، ليظل كتاب الله يُتلى في المساجد والبيوت، فيبقى أجره جاريا بإذن الله ما دامت آياته تُتلى.
• وأسهم في تأسيس ودعم الجامعات، والمراكز العلمية، والبحثية، والمنح الدراسية، فكانت تلك المشاريع علما يُنتفع به، ينتقل أثره من جيل إلى جيل، ويشهد له كل طالب علم، وكل باحث، وكل مؤسسة خرجت من رحم تلك الرؤية.
• كما ترك أبناءً عرفوا ببرهم بوالدهم، وفي مقدمتهم حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، وإخوانه وأخواته، وأحفاده الكرام، الذين يحملون إرثًا من القيم والعطاء.
• أما نحن، أبناء هذا الوطن، فقد عرفناه قائدًا وأبًا ملهما، وسيظل حاضرًا في دعائنا وذاكرتنا.
نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدمه لوطنه وأمته في ميزان حسناته.
• وإلى صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، نقول: جبر الله كسركم، وربط على قلوبكم، ورزقكم الصبر والسلوان.
ان الإيمان بقضاء الله وقدره هو السكينة التي تهدئ القلب، واليقين الذي يمنح الروح القدرة على مواصلة الطريق، وإن بقي الحنين ساكنًا في الوجدان.
• لقد رحل سمو الأمير الوالد عن عالمنا جسدًا، لكنه بقي حاضرا في وطن بناه، وفي مؤسسات أسسها، وفي جامعات فتحت أبواب العلم أمام الأجيال، وفي رؤية سياسية ودبلوماسية جعلت من دولة قطر دولة ذات حضور وتأثير ومكانة، وفي إرث سيظل شاهدا على مرحلة صنعت ملامح قطر الحديثة.
وربما يرحل الإنسان عن الدنيا، لكن الوطن يظل يروي للأجيال قصة الذين صنعوا نهضته.
• آخر جرة قلم: العظماء لا يقاسون بطول أعمارهم، بل بامتداد أثرهم.
وقد يرحلون عن الدنيا، لكنهم يبقون في ذاكرة الأوطان بما غرسوه في الإنسان قبل البنيان، وبما تركوه من علم، ومؤسسات، ورؤى، وأعمال لا تزال تنبض بالحياة.
رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمة واسعة، وأسكنه الفردوس الأعلى، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء، وألهم أسرته الكريمة وشعبه الصبر والسلوان.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك