في مارس 2026، الشهر نفسه الذي أعلنت فيه طهران إغلاق مضيق هرمز عقب ضربات عسكرية أمريكية-إسرائيلية مشتركة، سجل مؤشر الدولار أقوى أداء شهري له منذ أكثر من عام 2.
9%، مدفوعاً بصعود النفط قرب 100 دولار.
لم يكن ذلك خللا في المعادلة، بل كان المعادلة نفسها: كل تهديد يطال النظام الذي تقوده الولايات المتحدة ينتهي، عبر مسار شبه ميكانيكي، إلى تعزيز العملة التي يقوده.
هذه هي المفارقة التي يتعيّن فهمها قبل الحديث عن" قوة" الدولار.
فالقوة هنا ليست ثقة، بل غياب بديل.
آلية التحول من خطر إلى طلب كما وصفها محلل الأسواق، مثل ياسر الرواشدة رئيس قسم تداولات الشرق الأوسط في ساكسو بنك، موضحا أن التوترات الجيوسياسية" تصب في مصلحة" الدولار، عبر آلية محددة لا مجرد انطباع عام.
المسار يمر عبر ثلاث قنوات متزامنة: أولاً، هروب رؤوس الأموال إلى السيولة الأعمق عالمياً وقت عدم اليقين.
ثانياً، ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية التي تغري بالتدفقات حتى في بيئة تضخمية.
وثالثاً، وهو الأهم بنيوياً: أمريكا مصدرة للطاقة لا مستوردة لها، على عكس أوروبا واليابان اللتين تتحملان فاتورة أي ارتفاع في أسعار النفط مرتين.
مرة كمستهلك ومرة كعملة تضعف أمام الدولار.
النتيجة أن العملات المنافسة لا" تتراجع" فحسب أمام الدولار، بل تخسر بوتيرة متفاوتة تكشف عن هرمية حقيقية في النظام النقدي: الذهب والين والفرنك السويسري.
الملاذات التقليدية الثلاثة.
تراجعت جميعها بالتزامن مع صعود الدولار في مارس 2026، بينما تحملت العملات الناشئة الجزء الأكبر من الخسائر.
الدولار، بعبارة أخرى، لم يعد يتنافس فقط مع اليورو أو الين.
بل ابتلع وظيفة الملاذ من فئة أصول كاملة.
الإجابة النظرية الأعمق قدّمها الاقتصادي باري آيكنغرين في وصفه لما سماه" الامتياز الباهظ": الدولار لا يستمد قوته من سلامة الاقتصاد الأمريكي وحده، بل من أثر الشبكة كون معظم التجارة العالمية والاحتياطيات والديون مقومة به أصلا، ما يجعل الخروج منه مكلفا بشكل جماعي حتى لمن يريدون الخروج.
وهذا ما يفسر لماذا لا تتحول أزمات الثقة بالسياسة الأمريكية، مهما بلغت حدتها، إلى هروب فعلي من الدولار: لانه ببساطة لا يوجد طرف مستعد لتحمل كلفة الخروج الأولهناك بُعد مؤسسي أكثر تحديداً أشار إليه الباحث بيري ميرلينغ في وصفه للفيدرالي الأمريكي بـ" تاجر الملاذ الأخير".
خطوط المبادلة النقدية التي يوفرها الفيدرالي للبنوك المركزية الأخرى وقت الأزمات، ومرافق إعادة الشراء الدائمة لسوق الخزانة، تعني أن النظام صُمم مؤسسياً ليمتص الصدمات عبر ضخ سيولة دولارية إضافية لا عبر انكماشها.
حين صرّح جيروم باول بأن الأسواق لم تتعثر عقب غزو أوكرانيا لأن العالم" قد أسّس آليات دائمة لتوفير السيولة"، كان يصف بدقة السبب الذي يجعل كل أزمة تنتهي لصالح الدولار لا ضدهلكل ملاذ آمن ثمن يدفعه طرف آخر.
الاقتصادات الناشئة المستوردة للطاقة، ومعها أوروبا ذاتها رغم مكانة عملتها، تواجه الضغط نفسه: فاتورة استيراد أعلى بالدولار، وعملة محلية تتذبذب أمامه.
الفارق الوحيد الذي يمنح اليورو هامشاً نسبياً هو تدفقات رأس المال الباحثة عن تنويع بعيداً عن الدولار.
لكنه هامش جزئي وغير مضمون، لا يلغي الضغط التجاري، بل يتعايش معه.
والتمييز الأدق هنا: الدولار ملاذ من مخاطر العالم بلا قيد، بينما لا تملك أي عملة أخرى، اليورو بما فيها، نفس الحصانة من فاتورة الطاقة حين يكون مصدر الأزمة خارج حدودها.
الثغرة التي لا يجب تجاهلها ان هذا الصمود قصير المدى يخفي اتجاهاً بنيوياً أبطأ وأكثر إزعاجاً لصانعي السياسة الأمريكيين: تراجعت حيازات سندات الخزانة الأمريكية لدى المؤسسات الرسمية الأجنبية إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2012، بينما واصل البنك المركزي الصيني شراء الذهب للشهر العشرين على التوالي حتى مايو 2026 — بل سجل أكبر زيادة شهرية في احتياطياته من الذهب منذ 2023 في الشهر نفسه الذي تكبد فيه المعدن أسوأ أداء شهري منذ 2008.
هنا يصبح الفارق بين" التدفق" و" الرصيد الصافي" حاسماً: قد يتدفق رأس المال نحو الدولار في كل أزمة عابرة، بينما ينكمش، بهدوء وعلى مدى سنوات، الرصيد الهيكلي للثقة المؤسسية فيه.
هذا بالضبط ما يراهن عليه المحلل زولتان بوزسار في أطروحته عن" بريتون وودز الثالثة" — ليس أن الدولار سينهار غداً، بل أن أدوار الاحتياطي العالمي تدخل تحولاً تدريجياً، وبكين واحدة من اللاعبين الذين يراكمون أدوات هذا التحول، وإن كانت أدواتها البديلة (اليوان في التجارة والسلع) لا تزال هامشية السيولة مقارنة بالدولار حتى الآن.
الدولار يربح كل معركة قصيرة المدى لأنه العملة الوحيدة التي يملك مُصدرها آلية جاهزة لتسييل أي أزمة.
لكن السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحاً هو: هل يشتري هذا الامتياز وقتاً إضافياً للعملة الأمريكية، أم أن كل" انتصار" للدولار في أزمة جيوسياسية هو في الواقع تأجيل لفاتورة تآكل بنيوي ستدفع، عاجلاً أم آجلاً؟


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك