أعادت الحادثة البحرية التي أودت بحياة صياد عراقي، خلال مواجهة مع خفر السواحل الكويتي وفق الرواية العراقية، ملف الحدود البحرية بين العراق والكويت إلى صدارة الاهتمام السياسي والإعلامي، بعدما أثارت ردود فعل رسمية وشعبية داخل العراق، وفتحت مجددًا النقاش حول تنظيم الملاحة البحرية وآليات التعامل مع الصيادين في المناطق الحدودية، من جهة، وملف التجاوزات العراقية على الحدود البحرية الكويتية من جهة أخرى، بحسب مراقبين.
وتأتي الحادثة في وقت شهدت فيه العلاقات بين بغداد والكويت استقراراً نسبياً خلال السنوات الأخيرة، بعد مسار طويل من معالجة الملفات العالقة بين البلدين، إلا أن التطورات الأخيرة أظهرت استمرار حساسية القضايا المرتبطة بالحدود البحرية، ولا سيما في شمال الخليج.
كما أنها تأتي في ظل ظروف إقليمية استثنائية، مع التصعيد الأمني الذي شهدته المنطقة والاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، إلى جانب نشاط الجماعات المسلحة العراقية الموالية لإيران، ما جعل أي تطور أمني على الحدود البحرية يحظى بحساسية خاصة.
ردود فعل عراقية وموقف كويتيأثارت الحادثة مطالبات من مسؤولين وأعضاء في مجلس النواب العراقي بإجراء تحقيق لكشف ملابساتها، فيما شهدت محافظة البصرة احتجاجات أمام القنصلية العامة لدولة الكويت، تخللتها محاولات لاقتحام المبنى، قبل أن تتدخل القوات الأمنية العراقية لتأمين البعثة الدبلوماسية الكويتية ومنع تصاعد الموقف.
وأكدت السلطات العراقية استمرار متابعة القضية عبر القنوات الرسمية، بالتوازي مع التزامها بحماية المقار الدبلوماسية وفق الاتفاقيات الدولية.
وفي المقابل، انتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي مقطع صوتي نُسب إلى خفر السواحل الكويتي يتضمن تحذيرات متكررة للصيادين من أنهم تجاوزوا المياه الإقليمية الكويتية.
وعلى خلفية الاعتداءات التي طالت القنصلية الكويتية في البصرة، أعربت وزارة الخارجية الكويتية عن إدانتها واستنكارها الشديدين لاستمرار استهداف القنصلية العامة لدولة الكويت، معتبرةً أن ذلك يمثل انتهاكاً غير مقبول لحرمة البعثة القنصلية وتقويضاً لجهود الحكومة العراقية في الوفاء بالتزاماتها الدولية بموجب اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963.
ورغم إشادتها بالجهود التي بذلتها السلطات العراقية لاحتواء الموقف، شددت الخارجية الكويتية على ضرورة اتخاذ إجراءات فورية وحاسمة لمحاسبة جميع المتورطين، ومنع تكرار مثل هذه الاعتداءات، وضمان أمن وسلامة البعثات الدبلوماسية والقنصلية الكويتية والعاملين فيها داخل العراق.
ويرى المحلل والباحث السياسي الكويتي، فيصل المزين، أن قراءة الحادثة لا يمكن فصلها عن الظروف الأمنية الاستثنائية التي تمر بها المنطقة، لافتًا إلى أن الكويت تتعامل مع أي تجاوز لحدودها البحرية باعتباره قضية سيادية وأمنية، خصوصًا في ظل التهديدات التي تواجهها من إيران والجماعات المسلحة العراقية الموالية لها.
ويؤكد المزين أن خفر السواحل الكويتي اتبع الإجراءات الأمنية المتعارف عليها قبل استخدام القوة، من خلال توجيه التحذيرات المتكررة ومحاولة إيقاف القارب، مشيرًا إلى وجود مقاطع فيديو متداولة تُظهر إنذارات متكررة للقوارب المتجاوزة قبل اتخاذ أي إجراء.
كما يربط هذه الإجراءات بالسوابق الأمنية التي شهدتها الكويت، ومن بينها ضبط عناصر قالت السلطات الكويتية إنهم ينتمون إلى الحرس الثوري الإيراني، كانوا على متن قارب متخفين بصفة صيادين، واتُّهموا بإطلاق النار على دورية لخفر السواحل الكويتي، وهي قضية لا تزال منظورة أمام القضاء الكويتي.
وأضاف أن وفدًا عراقيًا رسميًا رفيع المستوى اطّلع على تفاصيل الواقعة والأدلة المصورة لدى السلطات الكويتية، معتبرًا أن أي وجود داخل المياه الإقليمية الكويتية أو بالقرب منها يُنظر إليه أمنيًا باعتباره مصدر تهديد محتمل في ظل الظروف الراهنة.
وأشار المزين إلى أن التنسيق الرسمي بين الكويت والعراق لا يزال قائمًا، إلا أنه يرى أن التحدي يتمثل في الجماعات المسلحة الموالية لإيران، التي قال إنها تستغل مثل هذه الحوادث لإثارة الرأي العام ضد الكويت ودول الخليج، مستشهدًا بالاعتداءات التي تعرضت لها القنصلية الكويتية في البصرة.
كما اعتبر أن بعض السياسيين العراقيين استثمروا حادثة الصياد لإثارة المشاعر الشعبية، في حين لم تشهد حوادث أخرى تعرض لها مواطنون عراقيون ردود فعل مماثلة -مثل حادثة راعٍ عراقي قُتل برصاص الحرس الثوري الإيراني- وهو ما وصفه بازدواجية في التعاطي مع بعض القضايا.
واختتم المزين بالتأكيد على أن الكويت كانت ولا تزال داعمة للعراق، مستشهدًا بمؤتمر الكويت لإعادة إعمار العراق، والمساعدات المالية والإنسانية، إضافة إلى تنفيذ مشاريع تنموية وخدمية، معتبرًا أن هذه المواقف تعكس عمق العلاقات الأخوية بين البلدين.
لا تُعد هذه الحادثة الأولى من نوعها، إذ سبق أن سجلت حالات توقيف لصيادين عراقيين بدعوى دخول المياه الإقليمية الكويتية أو تجاوز الحدود البحرية، وفي معظم تلك الحالات انتهت الإجراءات عبر اتصالات دبلوماسية بين البلدين.
غير أن الحادثة الأخيرة تختلف عن سابقاتها بسبب وفاة أحد الصيادين، وهو ما وسّع نطاق التفاعل السياسي والإعلامي، وأعاد طرح تساؤلات بشأن قواعد الاشتباك وآليات تطبيق القوانين البحرية في المناطق الحدودية.
يرجع مختصون تكرار حوادث الصيادين إلى عدة عوامل، أبرزها ضيق المساحات البحرية في شمال الخليج، وتداخل مناطق الصيد التقليدية، وصعوبة تمييز الحدود البحرية بالنسبة إلى الصيادين الذين يستخدم بعضهم قوارب لا تحتوي على أجهزة ملاحة حديثة.
كما تسهم حركة الصيد اليومية بالقرب من خطوط الفصل البحرية في زيادة احتمالات وقوع تجاوزات، سواء عن قصد أو نتيجة طبيعة المنطقة الجغرافية.
يرتبط ملف الحدود البحرية بين العراق والكويت بقرارات ترسيم الحدود التي صدرت بعد حرب الخليج الثانية، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن رقم (833) لعام 1993، الذي اعتمد الحدود الدولية بين البلدين.
ويُعد خور عبد الله من أبرز المناطق محل الاهتمام، لكونه الممر الملاحي المؤدي إلى الموانئ العراقية، وفي الوقت نفسه منفذًا بحريًا للكويت.
وفي عام 2012، وقع البلدان اتفاقية لتنظيم الملاحة في خور عبد الله، ودخلت حيز التنفيذ في العام التالي، إلا أن المحكمة الاتحادية العليا في العراق قضت عام 2023 بعدم دستورية قانون التصديق على الاتفاقية لأسباب تتعلق بالإجراءات الدستورية، وهو قرار أثار نقاشًا قانونيًا وسياسيًا بشأن الاتفاقية، دون أن يحسم الالتزامات الدولية المترتبة عليها.
هل تؤثر الحادثة على العلاقات الثنائية؟يرى مراقبون أن الحادثة تمثل اختبارًا جديدًا للعلاقات العراقية–الكويتية، لكنها لا تعني بالضرورة حدوث تراجع في مسار التعاون بين البلدين، في ظل استمرار قنوات الاتصال السياسية والأمنية والدبلوماسية.
وفي المقابل، تعيد التطورات الأخيرة التأكيد على أهمية تعزيز التنسيق الأمني والبحري بين البلدين، وضمان حماية البعثات الدبلوماسية، وتطوير آليات التعامل مع الحوادث الحدودية بما يحفظ سيادة الكويت، ويمنع تكرار مثل هذه الوقائع، ويحول دون استغلالها للإضرار بالعلاقات الثنائية.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك