في حقبة سباق الذكاء الاصطناعي المحموم، لم يعد الخطر الأكبر متمثلاً في البرمجيات الخبيثة التقليدية أو ثغرات" يوم صفر" التي تخترق الخوادم المغلقة، بل بات يكمن في واجهات الاستخدام المفتوحة ذاتها.
وتدور خلف الكواليس حرب سيبرانية صامتة تعتمد على توجيه ملايين الأسئلة المنهجية المنسقة للحصول على إجابات تبدو عادية بشكل منفرد، لكنها تُجمع وتُصنف لتتحول في النهاية إلى" مادة تدريبية" لبناء نموذج منافس يطابق قدرات النموذج الأصلي بأقل تكلفة وضوابط أمان شبه غائبة.
وفي هذا السياق، يوضح الدكتور محمد محسن رمضان، رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بمركز العرب للأبحاث والدراسات، في تصريحات خاصة لـ" العربية.
نت" و" الحدث.
نت"، أن المعركة الحالية تتمحور حول ما يُعرف بـ" التقطير المعرفي" (Knowledge Distillation)، وهي تقنية ولدت كأداة علمية مشروعة تهدف إلى نقل المعرفة من نموذج ضخم وقوي يُسمى" المعلم" إلى نموذج أصغر حجمًا يُسمى" الطالب" لتقليل التكلفة الحسابية وسرعة الأداء.
ويشير الدكتور رمضان إلى أن الخط الفاصل بين المشروع وغير المشروع يتلاشى تمامًا عندما تقوم جهات منافسة باستخدام مخرجات نموذج تابع لطرف آخر بشكل آلي ومنهجي واسع النطاق لبناء نموذج تجاري منافس بالمخالفة لشروط الاستخدام، لتتحول هذه الممارسة من أداة تطويرية إلى عملية" استخراج واستنساخ سلوك النموذج" (Model Extraction & Stealing).
إعادة صياغة لمفهوم الملكية الفكريةوتكمن المفارقة الخطيرة هنا كما يقول رمضان في أن المهاجم لا يحتاج لاختراق النظام، فالنظام نفسه يقدم له مخرجاته عبر واجهة برمجة التطبيقات (API) مستغلاً حسابات تبدو شرعية لجمع تريليونات العمليات الحسابية المتراكمة، والبيانات، والأوزان، والخبرات البشرية التي كلف تطويرها مليارات الدولارات، مما يعيد صياغة مفهوم الملكية الفكرية في عصر الذكاء الاصطناعي بالكامل.
ويؤكد الدكتور محسن رمضان أن إثبات عمليات" التقطير غير المشروع" معقد للغاية من الناحيتين العلمية والقانونية، فالشبه الظاهري بين النموذجين لا يكفي كدليل مادي، مما يتطلب تحقيقات سلوكية وتدقيقًا تقنيًا معقدًا لرصد أنماط الاستعلام الموزعة عبر مناطق جغرافية مختلفة لتجاوز دفاعات الحماية التقليدية مثل تقييد معدل الطلبات للجهات المهاجمة.
من جانبه، يؤكد اللواء خالد حمدي، مساعد وزير الداخلية المصري لقطاع الإعلام والعلاقات الأسبق، لـ" العربية.
نت" و" الحدث.
نت"،أن استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي ذاته لإدارة وتوجيه عمليات" الاستجواب التكيفي الذكي" للنموذج المستهدف يمثل سطح هجوم جديد كليًا، موضحا أن التهديد الأكبر يبدأ حينما تُستنسخ القدرات الفائقة للنماذج الكبرى دون استنساخ أنظمة حمايتها، واختبارات السلامة الصارمة، وفرق التصدي للاختراق المحيطة بها.
وقال إن النتيجة هي ولادة نماذج قوية وسريعة ولكنها رخيصة ومتاحة بلا ضوابط أخلاقية أو قيود سلامة، مما يسهل إساءة توظيفها في تطوير البرمجيات الخبيثة، والتصيد الاحتيالي المتقدم، وتسهيل مهام القرصنة، ليتحول هذا النزاع من منافسة تجارية إلى قضية تهدد الأمن السيبراني والأمن القومي العالمي نتيجة" انتشار القوة الرقمية دون انتشار المسؤولية".
ولمواجهة هذا التحدي المتصاعد، يشدد المسؤول الأمني المصري على ضرورة تحول المؤسسات والشركات الكبرى للتعامل مع نماذج الذكاء الاصطناعي باعتبارها أصولاً سيبرانية استراتيجية وحيوية لا مجرد برمجيات خدمية، عبر تبني استراتيجيات دفاعية حديثة مثل تطبيق مبدأ" انعدام الثقة المطلق بجهات الربط الرقمية".
ودعا إلى تطوير جدران حماية ذكية قادرة على تحليل السلوك الجماعي المنسق للحسابات بدلاً من مراقبتها الفردية، علاوة على الاستثمار الكثيف في تقنيات" البصمة السلوكية للنماذج" ووضع علامات مائية رقمية غير قابلة للعبث بمخرجات البيانات لإثبات عمليات السرقة والاستنساخ وملاحقة مرتكبيها قانونيًا وتقنيًا في المستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك