المؤلف أفشين متين أصغري، 70 عاما، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط بجامعة كاليفورنيا (لوس أنجلوس)، متخصص في تاريخ إيران السياسي والفكري بالقرن العشرين.
وله ثلاثة كتب وعشرات الدراسات.
يغطي كتابه الأحدث، " محور الإمبراطورية"، الفترة الممتدة من أوائل القرن العشرين وحتى الوقت الحاضر، ويتطرق إلى الحرب الأخيرة ضد إيران، وقد نُشر في يناير/كانون الثاني 2026 تزامنيًا بالولايات المتحدة بواسطة بنغوين راندم هاوس (Penguin Random House)، وفي بريطانيا بواسطة دار فرسو Verso.
تتمحور فكرة الكتاب الرئيسة حول الإمبراطورية الأمريكية، ووجوب فهم علاقتها بإيران في سياق المشروع الإمبريالي الأمريكي.
وهذا ليس المنظور الرئيس بالضرورة لأي من الدراسات الأخرى الصادرة في السنوات الأخيرة حول العلاقات الأمريكية الإيرانية.
list 1 of 2الغرب ونهاية قرون الهيمنة.
مآلات المشروع الإمبريالي والصراع على مستقبل البشريةlist 2 of 2جنرالات الشاشة: في نقد العبقرية الإستراتيجية بعد المعركة!وكان أول كتب متين أصغري تأريخًا لاتحاد الطلاب الإيرانيين، الذي كان يعتبر أكبر حركة طلابية في العالم.
وكان المؤلف ذاته من بين آلاف الشباب الإيراني الناشط في الاتحاد بأوروبا والولايات المتحدة خلال سبعينيات القرن الماضي.
وكان الاتحاد منقسما بين عدة فصائل يسارية تتنافس وتتعاون فيما بينها بهدف مشترك هو لفت انتباه العالم إلى الدكتاتورية والقمع الشاهي في إيران.
ورغم أوجه قصوره، فقد كان الاتحاد المنبر الوحيد الذي أتاح للشباب الإيراني ممارسة سياسية تعددية نسبيا، وهو أمر كان مستحيلا في ظل نظام الشاه.
بعد ثورة عام 1979، قرر متين أصغري كتابة تاريخ الاتحاد كأطروحة دكتوراه بجامعة كاليفورنيا، تحت إشراف المؤرخة الأمريكية نيكي كيدي، عام 1993، وأصبح كتابه الأول.
يشير عنوان الكتاب، " محور الإمبراطورية"، إلى ما يميز منهجه البحثي عن الدراسات الأخرى للعلاقات الأمريكية الإيرانية، ألا وهو تكريس سردية الكتاب المركزية لتناول الطابع الإمبريالي أو الاستعماري للتفاعلات الأمريكية مع إيران منذ فترة الحرب العالمية الثانية.
لقد أشارت الدراسات الثلاث أو الأربع الأخرى الصادرة مؤخرًا حول العلاقات الأمريكية الإيرانية إلى سياسات أمريكية إمبريالية تجاه إيران، لكنه أمر محوري في كتاب" محور الإمبراطورية".
وكان مصطلح" محور الشر"، الذي صِيغ لأول مرة في عهد إدارة جورج بوش الابن، قد أعطى زخما لحرب غزو واحتلال العراق عام 2003.
أما الآن، فقد أصبح" محور المقاومة" تحالفا تقوده إيران ضد الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، هو الشعار الذائع.
بأسلوب سلس، تزخر سردية متين أصغري حول تاريخ العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، بمفارقات وتحولات درامية مثيرة وشخصيات آسرة.
فمنذ أوائل القرن التاسع عشر، مهّد مبشرون ومعلمون توافدوا على إيران الطريق أمام رجال النفط وعملاء وكالة الاستخبارات المركزية والباحثين وتجار الأسلحة بالقرن العشرين، في سبيل ترسيخ الأولويات الإمبريالية الأمريكية.
وسواء قاومت إيران المصالح الأمريكية أو رضخت لها، فقد كان لا مفر من التأثر بالقوة العظمى.
يقدم متين أصغري رؤى جديدة حول موضوعات: صعود أمريكا كقوة مهيمنة في الشرق الأوسط خلال الحرب الباردة؛ علاقة واشنطن الخاصة بالشاه؛ الثورة الإيرانية وأزمة الرهائن؛ الحرب العراقية الإيرانية؛ " موقف إيران المناهض للإمبريالية"؛ عقود من العقوبات الأمريكية القاسية؛ التدخل الإسرائيلي في العلاقات الإيرانية الأمريكية؛ صعود ترامب؛ ومحاولة الولايات المتحدة وإسرائيل تغيير النظام في طهران منذ عام 2025.
يتناول كتاب" محور الإمبراطورية" نحو قرنين من التفاعلات بين البلدين، ويقدّم سياقًا بالغ الأهمية لفهم حرب ترامب والحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة التي انتهت بوقف إطلاق النار في 8 أبريل/نيسان ثم مذكرة التفاهم الإطارية بمنتصف يونيو/حزيران 2026.
بدوره، كان المؤلف، متين أصغري، شاهدًا على العديد من التطورات التي يغطيها الكتاب.
فقد وُلد في إيران، لكنه درس في الولايات المتحدة، حيث كان ناشطًا في الحركة الطلابية المناهضة لنظام الشاه، قبل أن يعود إلى إيران خلال" الثورة الإسلامية".
بحسب معطيات الكتاب، تبدو صورة ودور الولايات المتحدة في إيران بالغة السلبية، رغم لحظات مبكرة في التاريخ لعب فيها الأمريكيون دورًا إيجابيًا؛ ذلك أن متين أصغري يصف علاقات أمريكا بإيران كعلاقات إمبريالية، فرضت على النظام الشاهي البهلوي هياكل هيمنة متشابكة، عسكرية وسياسية واقتصادية، بل وحصانة قانونية للأمريكيين بإيران من الخضوع للقانون الإيراني، وأدت لثورة أو" انتفاضة 15 خرداد".
وهي احتجاجات شعبية اندلعت في إيران في 5 يونيو/حزيران 1963 (الموافق 15 خرداد 1342 هجري شمسي)، وتُعتبر شرارة الثورة الإسلامية الأولى التي قادها آية الله الخميني وأسقطت نظام الشاه.
عقب ثورة عام 1979 وقيام إيران، عملت الولايات المتحدة بشكل ممنهج على تقويض سيادة الجمهورية الإيرانية، وتمثل الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة ضد إيران ذروة هذه السياسة، ولم يخلو الأمر منذ جوانب إيجابية في تاريخ العلاقات الأمريكية الإيرانية الطويل، مثل مساهمة المبشرين من الكنيسة المشيخية الأمريكية في إقامة مؤسسات الرعاية الطبية والتعليم الحديث بإيران، ومساهمات مماثلة من فيلق السلام الأمريكي خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين.
كان الفاعلون الأمريكيون الرئيسيون، لا سيما في القرن التاسع عشر، هم المبشرون الأمريكيون من الكنيسة المشيخية (Presbyterians) البروتستانتية الذين ذهبوا إلى إيران للتبشير.
لم يحققوا نجاحًا كبيرًا في التبشير، لكنهم افتتحوا مدارس وعيادات طبية.
لم يتركز نشاطهم بالمدن الكبرى، بل كان في الريف.
كان عددهم قليلًا، لكنهم نجحوا في كسب ود أهل البلاد.
لم يكن بإمكانهم التبشير إلا بين غير المسلمين، أي بين الجماعتين الضئيلتين اليهودية والمسيحية في إيران.
لم تكن هاتان الجماعتان مهتمتين بالتحول إلى المسيحية، لكن الخدمات التي قدمها هؤلاء المبشرون ساهمت في بناء علاقات طيبة ونوايا حسنة تجاه الأمريكيين.
في الدراسات التقليدية، ثمة سردية قديمة ومتكررة تقول إن العلاقات الأمريكية الإيرانية بدأت بداية موفقة، وأن الإيرانيين رحبوا بالأمريكيين ترحيبًا طيبًا.
لكن ينبغي أن نتذكر أن هؤلاء المبشرين كانوا يعملون بشكل مستقل، ولم يكونوا يمثلون دولة.
نشأة السياق الإمبريالي وانقلاب 1953مع بداية القرن العشرين، كانت روسيا، ثم الاتحاد السوفياتي، والإمبراطورية البريطانية، القوى الأجنبية الأبرز في إيران.
سيطر البريطانيون على نفط إيران، وهو مورد بالغ الأهمية للبلاد.
أما الولايات المتحدة فكانت، في سياق علاقاتها الثنائية بإيران أوائل القرن العشرين، مهتمة أيضًا بالنفط.
لكن كانت المشكلة احتكار البريطانيين لنفط إيران، ورفضهم التخلي عن امتيازاتهم.
مع اندلاع الحرب العالمية الثانية يتغير كل شيء.
كان السوفيات والبريطانيون قد احتلوا إيران بالفعل.
كانت إيران ذات أهمية بالغة لإيصال المعدات الحربية من البريطانيين، ولاحقًا من الأمريكيين، عبر خط السكك الحديدية العابر للقارات إلى الاتحاد السوفياتي.
كان الجيش الأحمر (السوفياتي) يقاتل النازيين على الأراضي السوفياتية، وكانت إيران نقطة محورية في هذا المسار نحو انتصار الحلفاء بنهاية المطاف.
لذا، كان هناك نحو 30 ألف جندي أمريكي وأفراد غيرهم في إيران، وكانت هذه بداية علاقة قوية.
عندما تصبح الولايات المتحدة المحرك الرئيس لهذه العلاقة، تكون قد غدت بالفعل قوة عالمية.
وفي خضم الحرب العالمية الثانية، سيشهد العالم تحولا جذريا في الجغرافيا السياسية والاقتصاد السياسي العالمي خلال إعادة الإعمار بعد الحرب، وباتت الولايات المتحدة تتصرف كقوة مهيمنة.
فهي تعيد بناء أوروبا واليابان، وتؤسس حلف معاهدة شمال الأطلسي (الناتو)، وتنشر قواعدها العسكرية بجميع أنحاء العالم.
في الفصل المتعلق بالنفط والمفاوضات بين حكومة الدكتور محمد مصدق بإيران والإدارات الأمريكية، وخلافًا لبعض الباحثين، يستنتج المؤلف أن لا ترومان ولا أيزنهاور كانا يرغبان في التوصل إلى حل وسط بشأن قضية النفط.
مع ذلك، يذكر السفير جورج ماكغي مبعوث أمريكا إلى المنطقة آنذاك، في كتابه" مبعوث إلى العالم الأوسط" أن إدارة ترومان بذلت جهودًا حثيثة للتوافق مع حكومة مصدق، لكن البريطانيين هم من أقنع الأمريكيين بالتمسك بموقفهم.
غير أن حجة المؤلف الأساسية هي أن إدارة ترومان لم تكن" وسيطًا نزيهًا" ولم تدعم الدكتور مصدق في مواجهة التعنت البريطاني، بل كان هدفها الحقيقي هو كسر احتكار بريطانيا لنفط إيران للحصول على حصة كبيرة منه للشركات الأمريكية، وهو ما حدث بالفعل بعد انقلاب الاستخبارات المركزية الأمريكية الذي أطاح بحكومة مصدق عام 1953.
هذا هو الإجماع الأكاديمي حول الصراع البريطاني الأمريكي مع إيران بشأن تأميم النفط، وقد تم طرح هذه الحجة بشكل مقنع في مؤلفات إرفاند أبراهاميان.
في الفصل الخاص بالانقلاب، ذكر المؤلف أن خطأ مصدق الأكبر في 18 أغسطس/آب 1953، كان منعه جميع المظاهرات المؤيدة أو المعارضة لحكومته.
في ذلك اليوم، سيطر بضع مئات من البلطجية المأجورين على العاصمة.
واختُطف قائد شرطة طهران، الجنرال أفشارتوس، وقُتل، على يد" عملاء" لجهاز الاستخبارات البريطاني (MI6).
كانت طهران تعيش حالة فوضى، فهل كانت سياسة مصدق بتجنب استخدام القوة والعنف وعدم إراقة الدماء سببًا لنجاح الانقلاب عليه؟ وهل كان سينجو لو خالف مبادئه واستخدم الجيش لقمع البلطجية ومثيري الشغب؟يرى متين أصغري أنه رغم هيمنة شخصية مصدق على حركة تأميم النفط، إلا أن تحليل المؤلف يعزو الإطاحة به إلى عوامل هيكلية تتجاوز سمات الشخصية الفردية.
فقبل أغسطس/آب 1953 بوقت طويل، كان ائتلاف الجبهة الوطنية الذي يتزعمه مصدق قد انهار، ولم يكن بوسع حكومته الاعتماد إلا على قلة من الأحزاب الصغيرة، بعد أن فقدت تأييدًا شعبيًا كبيرًا.
وكانت القوات المسلحة مخترقة بعمق من قِبل الولايات المتحدة، مما يعني أن مصدق لم يكن ليتمكن من استخدامها بفعالية حتى لو حاول ذلك أثناء الانقلاب.
وكان أقوى تنظيم سياسي في إيران، والذي كان وجوده في الشوارع كفيلاً بإيقاف الانقلاب، هو حزب توده الشيوعي، الذي لم يثق به مصدق ورفض عرضه للمساعدة في 18 و19 أغسطس/آب.
في النهاية، يمكن تفسير الإطاحة بمصدق من خلال تفاعلات معقدة بين العديد من الجهات الفاعلة المحلية والدولية، وهو أمر يتجاوز صفات مصدق القيادية الشخصية.
ورغم تعاطف المؤلف سياسيًا مع مصدق، إلا أنه يعتقد أن الهوس بالقادة، مصدق أو الشاه أو آية الله الخميني، يُشوش فهم التاريخ.
النظام الشاهي البهلوي يتداعىفي عهد الشاه، أصبحت إيران دولة تابعة للولايات المتحدة، تشتري منها كميات هائلة من الأسلحة، أحيانًا نقدًا، بل أصبحت شرطي أمريكا في الخليج، وفق مبدأ نيكسون عقب هزيمة فيتنام وتوجه الولايات المتحدة نحو عدم التدخل العسكري المباشر والاعتماد على وكلاء إقليميين على شاكلة إسرائيل، وباكستان ضياء الحق، وإيران الشاه.
لكن في النهاية، لم يتمكن الشاه محمد رضا بهلوي من الحفاظ على عرشه.
فما هي أسباب سقوط عرشه ونظامه؟بحسب متين أصغري، الإجابة ليست بسيطة بل مركبة، وذلك استنادا إلى أعمال العديد من الباحثين.
لقد شهدت علاقة الشاه بالولايات المتحدة تغيرات وتقلبات.
ويتناول فصلان من الكتاب العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية بين الولايات المتحدة وإيران خلال الستينيات والسبعينيات بتفصيلٍ وافٍ.
وهناك إشارات، مثلا، إلى أن الشاه في أوائل السبعينيات كان يتصور نفسه مستقلاً عن واشنطن.
لكن مع حلول النصف الثاني من ذلك العقد، شهدت علاقاته بالولايات المتحدة توترًا متزايدًا، ويعود ذلك جزئيًا إلى انتقادات وسائل الإعلام الأمريكية للشاه، والتي كانت بدورها ناتجة إلى حد كبير عن أنشطة المعارضة الطلابية الإيرانية.
وبقدر من تبسيط الأمر، يمكن القول إن إيران كانت تنزلق نحو وضع ثوري، لأن الشاه لم يستطع إدارة أزمة اقتصادية وسياسية متعددة الجوانب، وهو ما انعكس على علاقاته بالولايات المتحدة.
وقد كان من الممكن تجنب هذا الانزلاق الثوري لو أعاد الشاه الحكم الدستوري في الفترة 1976-1977، وهو أمر قبله بنهاية عام 1978 بعد أن فات الأوان وحقق شعار الخميني: " يجب أن يذهب الشاه إلى الجحيم" توافقًا واسعًا بين جماهير الثورة.
من ناحية أخرى، يدفع الفصل الذي خصصه متين أصغري باستفاضة للثورة الإيرانية (1977-1979) ومآلاتها إلى التساؤل: هل كان اليسار الإيراني، بل وحتى الليبراليون، على غير دراية كافية بمجتمعهم في ضوء مآل أمور الثورة إلى أيدي آية الله الخميني ورجال الدين والإسلاميين.
وكيف يُعقل لرجل دين، عاش منفيًا سنوات في النجف الأشرف بالعراق، معزولًا وغير معروف، أن يقود فجأة إحدى أهم ثورات القرن العشرين؟يقول متين أصغري إن اليسار الإيراني كان متنوعًا للغاية، ولم يكن فهمه الشامل للمجتمع أقل تعقيدًا من فهم أي تيار سياسي آخر.
فمنذ عام 1976 ومعظم عام 1978، طالبت النخب المثقفة، علمانية ليبرالية ويسارية، في إيران باستعادة الحكم الدستوري (حكم المشروطية، بالفارسية)، وهو مطلب منطقي رفضه الشاه، مما مهد الطريق لصعود الخميني وقيادة حركة ثورية جماهيرية تسعى للإطاحة بالشاه والنظام البهلوي.
لم يكن الخميني رجل دين مغمورًا على هامش السياسة، لكنه لم يصبح زعيم الثورة بلا منازع إلا في عام 1978، عندما اكتسبت المعارضة الإصلاحية العلمانية طابعًا إسلاميًا ثوريًا.
أزمة الرهائن والثورة الثانيةتشير سردية متين أصغري إلى دعم آية الله الخميني للطلاب الذين قاموا باقتحام السفارة الأمريكية في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1979، واحتجاز عشرات من موظفيها، باعتباره" ثورة ثانية".
كانت هذه بداية اندلاع أزمة الرهائن الأمريكيين واعتبارها ثورة إيرانية ثانية، وهو المصطلح الذي استخدمه آية الله الخميني بالفعل.
فخلال الخمسين عامًا التي سبقت الثورة الإيرانية (1979)، إذا نظرنا إلى العلاقات الأمريكية الإيرانية، سيتضح أن أحد الطرفين كان يتمتع بحضور إمبريالي أقوى بكثير.
كانت الولايات المتحدة هي المهيمنة، ووقع انقلاب وكالة الاستخبارات المركزية الشهير، أو سيئ السمعة، عام 1953، وأصبح الشاه تدريجيًا لاعبًا مؤثرًا.
إنها علاقة غير متكافئة، لكن الشاه ليس مجرد دمية بيد أمريكا؛ بل يتمتع بصلاحيات واسعة، ويمكنه التصرف ضمن حدود معينة، لكن مع اندلاع الثورة ثم سقوط النظام البهلوي، ستتخذ العلاقات الأمريكية الإيرانية مسارًا مختلفًا.
الأمر المهم الذي يجب تذكره في سياق حادثة احتجاز الرهائن هو أنه في نوفمبر/تشرين الثاني 1979، انهارت الدولة الملكية التي كانت تربطها بالولايات المتحدة علاقة وثيقة للغاية.
فقد انهارت الملكية، والهيكل البيروقراطي، والهيكل العسكري، وكان لا بد من بناء دولة جديدة، هي" إيران"، من الصفر، ولا أحد كان يعلم كيف سيكون شكلها.
حتى آية الله الخميني، الذي طرح فكرة إيران، لم يوضحها كثيرا، وربما لم يكن لديه تصور واضح لما ستكون عليه.
إذًا، كان عام 1979 في الواقع المرحلة الثانية من الثورة الإيرانية.
فقد أنجز الجزء الأول منها إسقاط النظام السياسي القائم، وهو النظام الملكي.
أما الجزء الثاني، والأهم، فكان استبدال وبناء نظام دولة مختلف تمامًا.
وكما في جميع الثورات، يدور صراعٌ شرسٌ داخل التحالف الثوري الذي أسقط النظام القديم.
توحّد الجميع من أجل هدف إسقاط الملكية، ولكن ما إن تحقق ذلك، حتى انهار التحالف، وتوزعت السلطة في أنحاء متفرقة من إيران.
من التعقيدات الأخرى، ومع انهيار القوات المسلحة آنذاك، بات مئات الآلاف من قطع الأسلحة الصغيرة في أيدي عامة الناس.
وهكذا، شهدت البلاد حربًا أهلية حقيقية في بعض مناطق إيران حيث السكان مسلحون ويسيطرون على مناطقهم.
وكانت هناك انتفاضات عرقية وقومية أخرى بأنحاء متفرقة من البلاد، ويُعد التمرد الكردي أبرزها.
تلاشت السلطة في كل مكان.
في المصانع، سيطر العمال.
وفي المكاتب الحكومية، تولى الموظفون زمام الأمور بأنفسهم.
فتعين على الدولة الجديدة أن تُرسّخ نفسها باستعادة السلطة المبعثرة وتركيزها، وهذا ما أصبح مشروع إيران.
كان هناك دستور جديد مقترح.
نوقش هذا الاقتراح، لكن بعد ستة أشهر تقريبًا، يبرز ضغط قوي من مجموعة من رجال الدين، معظمهم من المقربين للخميني، لتحويل النظام فعليًا إلى ديكتاتورية دستورية، حيث يتولى مسؤول غير منتخب، هو الخميني نفسه، الذي كان يتمتع بشخصية كاريزمية وشعبية جارفة، منصب المرشد الديني الأعلى بسلطات شبه مطلقة، بالإضافة لمؤسسات غير منتخبة، يشغلها غالبا رجال دين، وتُفرض هذه السلطة فوق نظام سياسي جمهوري.
بحسب متين أصغري، لم يلق مشروع الدستور المقترح قبولًا واسعًا.
وطوال صيف عام 1979، كانت إيران تعيش حالة اضطراب.
ودارت اشتباكات بين قوى مختلفة، ولعب اليسار دورًا هامًا.
كان اليسار أقلية، لكن يجب أن نتذكر أن لدينا يسارًا دينيًا ويسارًا آخر علمانيًا.
نصفهم يؤيد مشروع إيران.
كان يقود اليسار العلماني نخبة (موسكوفية) موالية للسوفيات، ويأمل أن تتحالف إيران الجديدة مع الاتحاد السوفياتي، وأن تتصدى للولايات المتحدة، في حين كان اليسار غير السوفياتي يعارض هذا التوجه.
وبحلول الخريف، اندلعت اشتباكات بأنحاء البلاد.
في هذا السياق المعقد، تم اقتحام السفارة الأمريكية بطهران، في حين لم تكن العلاقات الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة مقطوعة.
فالسفارة الأمريكية في طهران لا تزال تعمل.
وقد تم عزل السفير الأمريكي السابق، ولا سفير هناك، لكن الدبلوماسيين الأمريكيين كانوا يجتمعون علنًا، وأحيانًا سرًا، مع أعضاء حكومة مهدي بازركان المؤقتة.
إلا أن اقتحام السفارة من قبل مجموعة من الطلاب الذين أطلقوا على أنفسهم" الطلاب السائرون على خط الإمام" غيّر كل شيء.
لم تكن مؤامرة أو خطة دبرها الخميني نفسه.
في الواقع، عندما حدث ذلك، لم يكن متأكدًا حتى من هويتهم، وأراد طردهم من السفارة.
لكن يُعتقد أنه سرعان ما أدرك أن هذا الحدث قد يكون ورقة رابحة يمكن استخدامها لرفع راية مناهضة الإمبريالية، وهي عنصر أساسي في الثورة.
فقد كان هناك شعور قوي مناهض لأمريكا والإمبريالية.
لذا اتخذ قرارًا بدعم اقتحام السفارة.
وهو ما سماه بحق" ثورة ثانية" لأنها حددت بالفعل طبيعة" إيران" الجديدة.
في نهاية الكتاب، خصص متين أصغري مساحة للحديث عن تعاملات إدارة ترامب مع إيران،
أكد المؤلف أن جميع الدلائل تشير إلى أن قادة إسرائيل، لا سيما نتنياهو، حاولوا جرّ الولايات المتحدة إلى شن حروب على إيران منذ منتصف التسعينيات.
وبعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، ضغط اللوبي الإسرائيلي على الإدارة الأمريكية لتتصدر إيران قائمة أعداء الولايات المتحدة المصنفين في" محور الشر" كما أطلقه الرئيس جورج بوش الابن.
ومع ذلك، فبينما تجنبت الإدارات الأمريكية المتعاقبة المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران، فإنها منحت إسرائيل حرية القيام بأعمال عدوانية زادت احتمالات الرد الإيراني، مما أدى لاندلاع حرب الأيام الاثني عشر في 13 يونيو/حزيران 2025.
انضم ترامب إلى تلك الحرب بشكل محدود، حيث اقتصرت مشاركته على قصف المواقع النووية الإيرانية فيما سمي بعملية" مطرقة منتصف الليل".
لكنه عاد مرة أخرى وشنّ حربًا واسعة النطاق على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، بعد أن اقتنع على ما يبدو من نتنياهو بأن إيران ستسقط أو تستسلم عند مواجهة هجوم أمريكي إسرائيلي شامل.
وقد ثبت أن ذلك كان خطأ فادحًا، إذ جرّ الولايات المتحدة إلى حرب لا تستطيع كسبها ولا تملك الانسحاب منها، بحسب متين أصغري في لقاء صحفي مؤخراً.
بحلول أواخر عام 2025 وبداية عام 2026، افترض كثيرون في الشتات الإيراني، لا سيما الملكيون، أن الجمهورية على وشك الانهيار، وأنها بحاجة إلى دفعة أخيرة عبر انتفاضة شعبية جماهيرية.
لكن هذا الوهم تبدد حين قمع النظام تلك الاحتجاجات.
وقد أظهر الحدث أن النظام لا يمكن إسقاطه بدعوة من رضا بهلوي أو تحريض قناة فضائية للناس للخروج والموت في احتجاجات الشوارع.
كما أنه لا يمكن إسقاطه بقوة إسرائيل وأمريكا النارية المشتركة، كما أظهرت الحرب الأخيرة.
قد يمقت البعض النظام الإيراني، لكنه أثبتت أنه أكثر مرونة مما توقعه أي شخص.
انبثقت من هذه الحرب جمهورية أخرى مختلفة تعمل بكفاءة عالية تحت ضغط هائل، حتى بعد القضاء على قيادتها العسكرية والسياسية العليا.
أدار الحرس الثوري الحرب ويبدو أنه يُسيّر شؤون البلاد، وإن كان ذلك بقبضة حديدية، بمساعدة قادة النظام السياسي القديم الباقين على قيد الحياة.
لكن النظام الناشئ من الحرب ليس إيران التي اعتادها العالم.
فقد بات دور رجال الدين أقل بروزًا، بينما يبدو أن نخبة عسكرية تكنوقراطية قومية، أكثر كفاءة، تُسيطر على الأمور.
إن حجم ووحشية الأضرار الأمريكية التي لحقت بإيران، وجسدتها مذبحة مدرسة البنات الابتدائية بمدينة ميناب، تُشير إلى أن العلاقات الأمريكية الإيرانية، في ظل أي نظام سياسي بطهران، لن تتحسن على الأرجح إلى ما هو أبعد من هدنة باردة.
إنّ أوهام إعادة العلاقات إلى ما كانت عليه في عهد الشاه لا تقلّ عبثية عن وعد ترامب بتحويل قطاع غزة، أرض الإبادة الجماعية، إلى منتجع سياحي.
لكن كيف غيّرت هذه الحرب إيران، يبدو الأمر أقل وضوحًا، ويبدو أنها ستستمر.
فقد تم تعيين نجل المرشد الأعلى السابق رسميًا في منصبه، لكن لم يُسمع منه كثيرًا، ولم يتضح تمامًا من يُدير الأمور.
يبدو أن النظام يعمل بطريقة لامركزية: فحتى بدون قيادته العليا، فإنه لا يزال يعمل بكفاءة.
وقد ثبتت صحة ذلك إلى حد ما، واتضح أن هناك مركزًا للنظام، أو نوعًا من الآلية المركزية لصنع القرار السياسي والعسكري.
يبدو أن مركز الثقل قد تحول بشكل كبير نحو الحرس الثوري، بعد أن بات وجود النظام نفسه مهددًا.
وأقصى ما يمكن توقعه حاليًا أن صمود النظام وقدرته على الرد على الولايات المتحدة وإسرائيل بتلك الفعالية، وتحويل هذه الحرب إلى أزمة عالمية، أمرٌ يفوق توقعات أكثر المعلقين اطلاعًا، والذين حذروا من هذه الحرب، ومنهم خبراء استخبارات وعسكريون أمريكيون حذروا ترامب منها، فلم يُصغِ إليهم.
لكن لا أحد توقع هذه الفعالية من الجانب الإيراني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك