قد لا ينجح أمهر الإعلاميين أو الروائيين في أن يبتدع اسماً جاذباً مثل" كأني أكلت" (Yedim Sanki)، لإثارة فضول القارئ للاطلاع، أو لدفع الزائر، إن كان اسماً لمكان، إلى الدخول والبحث، بهدف فك لغز هذا العنوان المختلف والغريب.
فماذا لو كان" كأني أكلت" اسم جامع في مدينة إسطنبول التركية؟ وتحديدًا في أكثر أحيائها محافظةً واحتضاناً لأكبر وأهم المساجد العثمانية؛ حي الفاتح، الذي يضم 340 جامعاً، أشهرها جامع الفاتح، والسليمانية، والأزرق، والسترة النبوية الشريفة، وآيا صوفيا.
في ذلك الحي، وفي زقاق" كرباجي نام"، غير البعيد عن جامع الفاتح، لمعت، في القرن الثامن عشر، فكرة تقشف، أو سلوك زهد صوفي، أو مشروع ادخار، لدى رجل فقير يدعى خير الدين كججي.
ومفادها، باختصار، توفير كل مبلغ يُصرف على طعام يمكن الاستغناء عنه أو استبداله بآخر قليل الثمن، ولو كان خبزاً فقط" إكميك"، في طقس يبتعد عن رغد العيش وملذات الحياة، كرمى هدف كبير.
فكلما نادته مغريات الحياة، وراودته ملذات الطعام خلال مروره بالسوق أو تجواله في أحياء المدينة، وشاهد طعاماً غالي الثمن من لحوم وحلويات وفواكه، رد على نفسه: " كأني أكلت"، ليضع ثمن الطعام الذي اشتهاه في صندوق خاص، لزوماً لحلمه.
وحسب الرواية المتداولة، وما قاله رجل الدين إسماعيل أوزون، فإن الرجل" الفقير الصالح" خير الدين أفندي كان يحلم ببناء جامع، لما لذلك من فضل عند الله، بوصفه" صدقةً جاريةً وعملاً ينتفع منه".
لكن وضعه المالي وعمله في اللباد (صناعة سجاجيد صوفية) لم يكونا كفيلين بتحقيق ذلك الحلم، في ظل تخصيص السلطنة ميزانيات ضخمة، وتكليف أمهر المهندسين، مثل سنان آغا، بتصميم وبناء المساجد الكبيرة ذات المآذن المزخرفة والقبب المرتفعة المتعددة.
ويضيف رجل الدين أوزون من داخل الجامع لـ" العربي الجديد"، أن" خير الدين لم يستكن بسبب وضعه المالي، بل اعتمد على توفير ثمن الطعام ووضعه في صندوق لبناء الجامع، حتى جمع، بعد عقود، ويقال بعد عشرين سنة، مبلغاً كبيراً اشترى به أرضاً مساحتها 120 متراً مربعاً ضمن حي سكني، وبدأ ببناء مسجد بسيط وصغير يضم مرافق ومصلى.
ولأن أهل الحي كانوا يعرفون قصة خير الدين، أطلقوا على الجامع اسم كأني أكلت".
ويضيف أوزون أن الجامع اليوم يختلف تماماً عن الجامع الذي بُني في القرن الثامن عشر، لأن الحريق الذي طاول حي الفاتح، قبل الحرب العالمية الأولى أو خلالها، ويقال عام 1918، طاول المسجد أيضاً ودمّره، ولم يبق منه سوى الجدران الخارجية.
لكن أهل الحي، ومن خلال تبرعات شخصية بعيدة عن أموال الأوقاف، جمعوا من جديد مبلغاً كبيراً، وأعادوا بناء الجامع بقبة كبيرة ذات أربعة أرباع مغطاة بالرصاص، ومئذنة واحدة مرتفعة.
ويستدرك المتحدث" آثر سكان الحي الإبقاء على البساطة ومظهر الزهد في المسجد، وها هو، بعد آخر عملية تجديد وترميم عام 1969، يبدو أشبه بمنزل؛ إذ يضم طابقه الأرضي مرافق، مثل الحمامات وأماكن الوضوء، بينما يضم الطابق العلوي مسجداً خالياً من الزخارف والفنون المعمارية التي تتميز بها الجوامع العثمانية".
سألنا كنعان بوستان، أحد سكان الحي ورواد الجامع، عن سبب حرصه على الصلاة في" كأني أكلت"، رغم أن جامع الفاتح، أحد أفخم جوامع إسطنبول، لا يبعد سوى مئات الأمتار، فرد قائلاً: " نحن سكان الحي نداوم على الصلاة والتعبد، وحتى الاعتكاف في شهر رمضان، في هذا الجامع، لأننا نشعر وكأنه بيتنا، وفاءً من أهل الحي لباني الجامع الأول خير الدين.
ونحرص باستمرار على نظافته، وغسله بماء الورد قبل رمضان والمناسبات الدينية، وتأمين كل ما يلزم، طبعاً وفق نهج البساطة وعدم التبذير والبذخ".
ثم أضاف مبتسماً: " انظر، جلنا من كبار السن، أما الشباب فيذهبون إلى الجوامع الكبيرة والمشهورة".
ويبقى مسجد" كأني أكلت" حالةً خاصةً وفريدةً؛ باسمه، وقصة بنائه، ووفاء أهل الحي ورواده له، فضلاً عن كونه محط جذب للسياح، لما تحمله قصته من فرادة وغرابة.
وذلك رغم ما توصف به تركيا بأنها" بلد المآذن"، إذ تضم نحو 85 ألف مسجد، كما تحتضن ولاية إسطنبول أكثر من 3684 مسجداً، تليها قونية بـ3115 مسجداً، ثم أنقرة بـ2955 مسجداً.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك